من أعلام الأدب في العصر الحديث
إبراهيم اليازجي
(1324 هـ - 1906 م)
[IMG]
[/IMG]
إبراهيم بن ناصف بن عبد الله بن ناصف بن عبد الله بن ناصف بن جنبلاط بن سعد الْيَازِجِيّ الْحِمْصِيّ نصراني الديانة.وُلِد في بيروت، هاجر إلى مصر 1894 وتوفي في 22 كانون الأول بالقاهرة ونُقِل رفاته إلى بيروت، كان رزقه من شقّ قلمه فعاش فقيرا، غنيّ القلب، أبيّ النفْس.
حياته
أديب، لغويّ، من أئمة النهضة الأدبية واللغوية درس على أبيه «ناصف» اللغةَ والأدبَ، ودرس العبريّة والسُّريانيّة، والفرنسية، والإنكليزية وأخذ بطرَف من الألمانية، علّم في المدرسة البطريركيّة ببيروت، واشتغل بالصحافة ونظم الشعر وبرع في النثر، صنع بيده أمهات الأحرف العربية للمطابع، نقّح نصوص العهد القديم التي ترجمها الآباء اليسوعيّون، أصدر مجلة «البيان» مشتركة مع بشارة زلزل عاشت سنة، ثم أصدر مجلة «الضياء» وحرر القسم الأكبر منها فعاشت ثمانية أعوام، ومما امتاز به: جودة الخط، والرسم والنقش، والحفر.
نشأ محبا للعلم، ميالًا للبحث، شغوفًا بالدرس، حتى أصبح دائرة معارف لغوية وأدبية وعلمية، كلف باللغة العربية، وانكب على تفهمها بفكر نير، ورأي صائب حتى استوعب ما تضمنته المعاجم والآثار الأدبية، وخلفه فحول اللغة والأدب الأقدمين، ووقف على دفائن اللغة، وتغلغل في مطاوي عبقريتها، يستجلي أسرارها، ويبحث عن كنوزها حتى أعطانا من تراث الماضي ما كان مدفونًا في الخزائن، ومستورًا في مظان المصادر.
خلف الشيخ إبراهيم اليازجي آثارًا عديدة في مجالات مختلفة، أبرزها تصحيح الأخطاء التي جاءت في معجم "لسان العرب" لابن منظور المتوفَّى حوالي 1311هـ ومعجم "تاج العروس" لمحب الدين أبي الفيض السيد محمد مرتضى الحسني الواسطي المتوفَّى 1791م، ومعظمها لا يزوال مخطوطًا، لا سيما معجمه اللغوي الذي سماه "الفرائد الحسان في قلائد اللسان".
حرر العديد من الأبحاث المفيدة، والمقالات المترسلة بجريدة النجاح 1872 جمع فيها بين المتانة والبلاغة وحتى دعاه معاصروه إمام الإنشاء وحجة اللغة، ومقالاته في مجلة "الطبيب" 1884 تثبت علو كعبه في عالم التحرير والتعبير، واستقل بمجلة "الضياء" 1898 واهتم فيها بخدمة اللغة في عصره، ودبج فيها موضوعات حول أخطاء الصحف اللغوية والتعريب، وأغلاط العرب القدماء والمولدين، كما أشار إلى الأخطاء التي وقع فيها، والتي وقع أبوه فيها من قبل. ونبه الكتاب في مقالاته إلى ضرورة انتقاء الكلمات العربية والألفاظ الاصطلاحية للمخترعات الحديثة مثل: الساري لقضيب الصاعقة، والمنطاد للبالون، والبرق للتغراف، والبريد للبوسطة، والبطاقة للكارت، والجريدة للجرنال، وغير ذلك من الألفاظ التي تدور على ألسنة كثير من الأدباء اليوم.
آثاره
1.نجعة الرائد وشرعة الوارد في المترادف والمتوارد، في مجلدين.
2.العَرْف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب.
3.ديوان شعر اسمه: «العقد» .
4.شرح الطراز المعلم مطالع السعد لمطالع الجوهر الفرد.
أسلوب اليازجي:
كان إبراهيم اليازجي صاحب علم واسع، ونظر دقيق، ورسالة آمن بها، يسهر ليله وراء شاردة عنت له، ويقضي نهاره ناشرًا وكاتبًا ومعلمًا، فرفع اللغة بإنشاء لا يعتوره ركاكة، ولا يتخلله تعقيد، فكان في طليعة الذين أسسوا النهضة، ومشوا بها إلى الأمام، وقد ترسم خطاه نفر من الكتاب لتفرده في عالم الكتابة، ودنيا البحث، ومجتمع الثقافة، وحملوا الراية من بعده، وأهم ما يميز أسلوبه ما يلي:
1- صحة التركيب، وسلامة التعبير، وفصاحة العبارة، ومتانة الأسلوب.
2- السجع الخالي من التعقيد والمعاظلة في رسائله ومقاماته وكتبه ومقالاته.
3- تضمنه استعارات غربية إلا أنها جديدة، أفادت اللغة، وخدمت الأدب.
4- تبحر في اللغة، وتعمق في أصول اشتقاقها، مما سهل عليه بعث اللغة كي تجاري العصر.
5- عليه من التقليد روعة القديم، ومن الابتكار قشاية الحدوث.
6- الجمع بين المتانة والسهولة، والأخذ بكل جديد عن عقل وفهم وإدراك.
7- يعبر عن المقصود بأوضح الصور، فتراه يستعمل لكل معنى اللفظ الموضوع له، بحيث ينتقل القارئ من اللفظ إلى المعنى بدون واسطة.
للشيخ إبراهيم اليازجي مقال بعنوان: "اللغة والعصر"، كتبه يوم انصرف الأدباء إلى تحصيل ملكة الكتابة العربية الصافية، والتضلع من اللغة بحقيقتها ومجازها فقال:
"لم يبقَ في أرباب الأقلام ومنتحلي صناعة الإنشاء من هذه الأمة من لم يشعر بما صارت إليه اللغة لعهدنا الحاضر، من التقصير بخدمة أهلها والعقم بحاجات ذويها، حتى لقد ضاقت معجماتها بمطالب الكتاب والمعربين، وأصبحت الكتابة في كثير من الأغراض ضربًا من شاق التكليف، وبابًا من أبواب العنت. واللغة لا تزداد إلا ضيقًا باتساع مذاهب الحضارة، وتشعب طريق التفنن في المخترعات والمستحدثات إلى أن كادت تنبذ في زوايا الإهمال، وتلحق بما سبقها من لغات القرون الخوالي، ومست الضرورة إلى تدارك ما طرأ عليها من التلم قبل تمام العفاء، وقبل أن ينادي عليها مؤذن العصر: سبحان من تفرد بالبقاء، ويختم على معجماتها بقصائد التأبين والرثاء.
تلك هي اللغة التي طالما وصفها الواصفون بأنها أغزر الألسنة مادة وأوسعها تعبيرًا، وأبعدها للأغراض متناولًا، وأطوعها للمعاني تصويرًا، قد أفضت اليوم إلى حال لو رام الكاتب فيها أن يصف حجرة منامه، لم يكد يجد فيها ما يكفيه هذه المئونة اليسيرة، فضلًا عما وراء ذلك من وصف قصور الملوك والكبراء، ومنازل المترفين والأغنياء، وشوارع المدن الغناء، وما ثم من آنية وأثاث، وملبوس ومفروش، وغير ذلك من أصناف الماعون وأدوات الزينة، مما لا نجد لشيء منه اسمًا في هذه اللغة، ولا يكون حظ العربي من وصفه إلا العي والحصر، وطي لسانه على معانٍ في قلبه لا ينسى له إبرازها بالنطق، ولا يجد سبيلًا إلى تمثيلها باللفظ، كأن المقاطع التي يعبر بها عن هذه المتخصصات لم يخلق لها موضع بين فكيه، وليست ما يجري بين لهاته وشفتيه، فعاد كالأبكم يرى الأشياء ويميزها، ولا يستطيع أن يعبر عنها إلا بالإشارة، ولا يصفها لا بالإيماء، يا ليت شعري، ما يصنع أجدادنا، لو دخل أحد المعارض الطبيعية أو الصناعية، ورأى ما ثمة من المسميات العضوية وغير العضوية، من أنواع الحيوان وضروب البيان وصفوف المعادن، وعاين ما هناك من الآلات والأدوات، وسائر أجناس المصنوعات، وما تتألف منه القطع وأجزاء، بما لها من الهيئات المختلفة، والمنافع المتباينة، وأراد العبارة عن شيء من هذه المذكورات؟
ثم ما هو فاعل لو أراد الكلام فيما يحدث كل يوم من المخترعات العلمية والصناعية والمكتشفات الطبيعية والكيماوية، والفنون العقلية واليدوية، وما لكل ذلك من الأوضاع والحدود والمصطلحات التي لا تغادر جليلًا ولا دقيقًا؟ ألا تدل عليه بلفظة المخصوص. لا ريب أن الكثير من ذلك لا يتحرك له به لسان ولا يعهد به بين ألواح معجمات اللغة، ألفاظًا يعبر بها عنه، ولا يغنيه في هذا الموقف ما عنده من ثمانين اسمًا للعسل، ومائتي اسم للخمر، وخمسمائة للأسد، وألف لفظة للسيف، ومثلها للبعير، وأربعة آلاف للداهية، وما يفوت الحصر لشيء آخر، حرص مؤلف القاموس على استقصاء ألفاظه، حتى لم يكد يذكر مادة إلا وفيها شيء يشير إليه، ويدل عليه.
على أن اللغة مرآة أحوال الأمة وصورة تمدنها ورسم مجتمعها، وتمثال أخلاقها وملكاتها، وسجل مالها من علوم وصنائع وآداب، وإنما نضع منها على قدر ما تقتضيه حاجاتها في الخطاب، وما يتمثل في خواطرها، أو يقع تحت حسها من المعاني، ومعلوم أن العرب واضعي هذه اللغة كانوا قومًا أهل بادية، وبيوتهم الشعر والأديم، ومفرشهم الباري والبلاس ولباسهم الكساء والرداء، أثاثهم الرحى والقدر، وآنيتهم القعب والجفنة، إلى ما شاكل ذلك مما لا يكادون يعدونه في حل ولا ترحال. فأين هم؟ وما نحن فيه لهذا العهد من اتساع مذاهب الحضارة، والاستبحار في الترف واليسار، وكثرة ما بين أيدينا من صنوف المرافق، وأنواع الأثاث والزخارف، وما نحن فيه من التفنن في أحوال المجتمع والمعاش، فضلًا عما بلغ إليه أهل هذا العصر من التبسط في مناص العلم والصناعة، مما كان أولئك بمعزل عن جميعه، إلا ما حدث بعد ذلك في عهد استفحال الإسلام، مما ذهب عنا أكثره، وما كان فيه لو بلغ إلينا إلا غناء قليل.
ومهما يكن من حال أولئك القوم، وضيق مضطرب الحضارة عندهم، وما يجد في ألفاظهم من ألفاظه والتقصير عن حاجات هذا الزمن، فلا يتوهمن متوهم أن ذلك وارد على اللغة من هرم أدركها، فقعد بها عن مجاراة الأحوال المصرية، وأناخ بها في ساقة الألسنة الحالية، فإن معنى الهرم في اللغة أن يحدث عند المتكلمين بها معانٍ قد خلت ألفاظها عنها، ثم تضيق أوضاعها من إحداث ألفاظ تؤدي بها تلك المعاني، فيطرأ على اللغة النقض حينا بعد حين، إلى أن تعجز عن أداء أغراض أهلها، ولا تبقى صالحة للاستعمال، وحينئذ فلا ينبغي ألا إن يلقى حبلها على غازبها، أو يستعان بغيرها على سد ما عرض فيها من الخلل، بما يغير من ديباجتها، وينكر أسلوب وضعها حتى تتبدل هيئاتها على الزمن، وتصير على الجملة لغة أخرى.
وليس بمنكر أن ما وصفناه من هذه الحال يشبه في بادئ الرأي ما تشاهده من حال لغتنا اليوم، وما لم نزل ننعاه عليها منذ حين من تقصيرها عن الوفاء بمطالبنا العصرية، إلا أن ذلك إذا استغربت أوجهه وأسبابه، وسبرت غور اللغة في نفسها، وقست مبلغ استعدادها، علمت أنه ليس منها في شيء، وأيقنت أنها لا تزال في ريعان شبابها وطور ترعرها، وأن فيها بقية صالحة لأن تجاري أوسع اللغات وأكثرها مادة، ولكن ما أدركها من ذلك وارد من قبل الأمة، وتخلفها في حلبة الحضارة والمدنية؛ إذ اللغة بأهلها تشب بشبابهم، وتهرم بهرمهم، وإنما هي عبارة عما يتداولونه بينهم، لا تعدو ألسنتهم ما في خواطرهم، ولا تمثل ألفاظهم إلا صور ما في أذهانهم.
وبدهي أن اللغة توضع دفعة واحدة، وإنما كان يوضع منها الشيء بعد الشيء على قدر ما تدعو إليه حاجة المتكلمين بها، وقد اختصت هذه اللغة بمزية عز أن توجد في غيرها، وهي أن أكثر ألفاظها مأخوذ بالاشتقاق اللفظي أو المعنوي، بحيث صارت إلى ما صارت إليه من الاتساع الذي لا تكاد تضاهيها فيه لغة على كونها من أقل اللغات أوضاعًا، إلا أنها من أكثرهن صيغًا وأبنية، وهو السر في قبولها هذا الاتساع العجيب، فضلًا عما فيه من تشعب طرق المجاز.
واعتبر ما ذكرناه من ذلك بالرجوع إلى ما كان عليه من اللغة زمن الجاهلية وفي صدر الإسلام، ومقابلتها بما بلغت إليه على عهد الخلفاء من بني العباس، بعد سكوت الغارات واستتباب الفتوح، وتنبه الأمة لطلب العلوم، وتبسطها في فنون الحضارة، بحيث خرجوا بها من حال الخشونة اليدوية إلى أبعد مذاهب المدنية الشائقة لعهدها إذ ذاك، ولم يكادون يدخلون فيها لفظًا أعجميًّا، وإلا اضطروا فيها إلى وضع جديد، ولكنها خدمتهم بنفس أوضاعها التي وضعها العرب، فاشتقوا منها ما لا عهد به للعرب على وجهه الذي نقلوه إليه، ولا نتكلم به أصلًا، حتى أحاطوا بصناعة الفرس وعلوم اليونان، وأدخلوا كثيرًا من مصطلحات الأمم التي اجتاحوها شرقًا وغربًا، وزادوا على ذلك كله ما استنبطوه بأنفسهم.
واللغة شايعة لهم في كل ما أخذوا فيه، لم تنضب مواردها دونهم، ولا رأينا من شكا منهم عجزًا ولا تقصيرًا، إلى أن أدركهم من تبدل الأطوار، وغارات الأقدار، ما وقف بهم عند ذلك الحد، فوقفت اللغة عندما نراه فيما وصل إلينا من كتبهم. وتوالى الاجتياح بعد ذلك على الأمة، وتتابعت دواعي الدمار، حتى اندرست أعلام حضارتها، وذهبت علومها أدراج الرياح، فزال أكثر اللغة من ألسنتها بزوال معانيها، حتى صار الموجود منها اليوم لا يقوم بخدمة أمة متمدنة، ولا هو أهل لأن يبلغ به ما منزلته تلك، ولذلك فإن كان ثمة هرم فإنما هو في اللغة لا في اللغة؛ لأن ما عرض لها من الهجر والإهمال غير لاحق بها، ولا ملحق بها وهنًا ولا عجزًا، وإنما هو عجز في ألسنة الأمة ومداركها، وتأخر في أحوالها واستعدادها. ولو صادفت من أهلها البقاء على عهد أسلافهم من السعي في سبل الحضارة وتوسيع نطاق العلم، لم تقصر عن مشايعتهم في كل ما فاتهم من الأطوار، حتى تبلغ بهم إلى مجاراة العصر الحاضر.
ولقد أتى على اللغة مئات من السنين بعد ذلك لم يزد فيها حرف بل لم يكد يحفظ منها ما يزيد على الحوائج البيئية والسوقية، وعلى تناقض وتراجع عددها يومًا بعد يوم، بما طرأ على أهلها من الضغط والفاقة، وما اتصل بذلك من استيلاء الجهل، وتقلص العمران، وذهاب الحضارة من بينهم، حتى عادت حوائج كثير من أهل المدن الحافلة لا تكاد تتعدى حوائج البدوي والأَكَّار.
وما دامت المعاني التي يعبر عنها باللغة معدومة، فلا سبيل إلى الألفاظ الدالة عليها؛ إذ اللفظ إنما يتخذ للعبارة عن الخواطر التي في التنفس، فلا يكون إلا على قدرها بالضرورة، وزاد على ذلك كله ذهاب ما كتب المتقدمون، بعضه بالإحراق كما تم في مكتبة قرطبة، وكان هذا في مقابلة ما وقع من مثله بالإسكندرية وفارس، وبعضه بالاجتياح والنهب، فلا بقي في مكانه ينتفع به المتأخر، ولا احتفظ به الذي نهبه لجهله قيمته.
وبقي الشيء اليسير نجده اليوم في مكاتب الأعاجم، وأكثره مما اشترى من أيدينا بالذهب. فلا غرو أن نشأ عن تلك أحوال كلها ذهاب هذه الأمة من ألسنة الأعقاب حتى لو رام أحدنا إثارة دفائنها وتعهدها بالتجديد والإحياء، لما وجد منها في البلاد إلا الشيء النزر لا يعدو في الغالب علوم الدين، وما يتصل بها مما لم يكد أهل بلادنا، يحافظون على سواه".
يؤكد اليازجي في مقاله أن اللغة لم توضع دفعة واحدة، وإنما توالدت ألفاظها حسب الحاجة؛ كي تؤدي ما يحتاجه الناس عملًا بسنة الاشتقاق والوضع والارتجال، فكشف النقاب عن إمكانيات اللغة العربية على استيعاب جميع المدنيات. والمقال يبرز قدرة اليازجي على توضيح ما يدور بخلده دون اللجوء إلى المترادفات في إبراز فكرته، وتصوير خواطره.
------------------
المصادر:
-المقال وتطوره في الأدب المعاصر للسيد مرسي أبو ذكري 125
-نشأة النثر الحديث وتطوره عمر الدسوقي 92
-تاريخ الأدب العربي لأحمد حسن الزيات ص476