الجموع في اللغة العربية
عبدالله محمد هنانو
مقدمة
الحمد لله على ما أنعم، والشكر على ما أولى، والصلاة والسلام على خير أنبيائه ورسله، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد :
فإن النحو دعامة العلوم العربية، وقانونها الأعلى، منه تستمد العون، وتستلهم القصد، وترجع إليه في جليل مسائلها، وفروع تشريعها، ولن تجد علماً يستقل بنفسه عن " النحو "، أو يستغني عن معونته، أو يسير من غير نوره وهداه.
وهذه العلوم النقلية – على عظم شأنها – لا سبيل إلى استخلاص حقائقها، والنفاذ إلى أسرارها، بدون هذا العلم؛ فهل ندرك كلام ربنا سبحانه وتعالى، ونفهم دقائق التفسير، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأصول العقائد، وآيات وأحاديث الأحكام، وما يتبع ذلك من مسائل الفقه والأصول حتى التي ترقى بصاحبها إلى مرتبة الأئمة، وتسمو به إلى مراتب المجتهدين إلا بإلهام النحو وإرشاده .
ولأمرٍ ما قالوا : " إن الأئمة من السلف والخلف أجمعوا قاطبة على أنه شرط في رتبة الاجتهاد، ولو أن المجتهد جمع كل العلوم لم يبلغ رتبة الاجتهاد حتى يعلم " النحو "، فيعرف به المعاني التي لا سبيل معرفتها إلا به، فرتبة الاجتهاد متوقفة عليه لا تتم إلا به".(1)
وهذه اللغة التي نستخدمها أداة طيعة للتفاهم، ونسخرها مركباً ذلولاً للإبانة عن أغراضنا، والكشف عما في نفوسنا، ما الذي هيأها لنا؟ وأقدرنا على استخدامها قدرة الأولين من العرب عليها، ومكّن لنا من نظمها ونثرها تمكنهم منها، وأطلق لساننا في العصور المختلفة صحيحاً فصيحاً كما أطلق لسانهم، وأجرى كلامنا في حدود مضبوطة نقف عند حدودها كما وقفوا ؟؟؟
إنه النحو وسيلة المستعرب، وسلاح اللغوي، وعماد البلاغي، وأداة المشرع والمجتهد، والمدخل إلى العلوم العربية والإسلامية.
فليس عجيباً أن يصفه الأعلام السابقة بـ ( ميزان العربية، والقانون الذي تُحكم به في كل صورة من صورها )(2)
وبعدُ :
فهذا بحث ،يتضمن أحد مباحث اللغة المهمة- وكل مباحث اللغة من الأهمية بمكان، ولكن لكلٍ أهميته-، ألا وهو الجموع في اللغة العربية، وهي تتضمن جمع المذكر السالم وما يلحق به، يتبعها مجموعة من الأمثلة والشواهد الشعرية والقرآنية، وجمع المؤنث السالم وما يلحقه من الأمثلة والشواهد القرآنية، وجمع التكسير وما يتبعه من جمع القلة والكثرة، وصيغ منتهى الجموع وكيف تصاغ، وأسماء الجموع – من اسم الجنس الجمعي والإفرادي، مع مجموعة من الفوائد .
وقد قسمت البحث – بعون الله تعالى وفضله – إلى ثلاثة فصول :
الفصل الأول : جمع المذكر السالم وما يلحقه.
الفصل الثاني : جمع المؤنث السالم وما يلحق به.
الفصل الثالث : جمع التكسير.
فأرجو الله أن يكتب لي التوفيق والسداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه .
الفصل الأول
تعريف الجمع
الجمع : اسم ناب عن ثلاثة فأكثر، بزيادة في آخره، مثل ( كاتبين، وكاتبات ) أو تغيير في بناءه، مثل ( رجال، وكُتُب، وعُلَمَاء ) وهو قسمان:
سالم ومُكسّر
فالجمع السالم: ما سلم بناء مفرده عند الجمع، وإنما يُزاد في آخره واو ونون، أو ياءٌ ونون، مثل ( عالمون ، وعالمين )، أو ألفٌ وتاءٌ، مثل : ( عالمات، وفاضلاتٍ ).
وهو – أي السالم – قسمان : جمع مذكر سالم، وجمع مؤنث سالم.
جمع المذكر السالم
يقول ابن مالك في ألفيّته :
وارفَع بواٍو وبِيَا اجرُر وانصِبِ سَالِمَ جمْع " عامرٍ ، ومذنبِ "(3)
تعريفه: ما جمع بزيادة واو ونون في حالة الرفع ، مثل : " قد أفلح المؤمنون " وياء ونون في حالتي النصب والجر، مثل : " أكرم المجتهدين ، وأحسن إلى العاملين "(4).
وقد أشار المصنف ابن مالك في بيته السابق بقوله " عامر ، ومذنب " إلى ما يجمع هذا الجمع وهو قسمان : جامد ، ومشتق .
شروط جمع الاسم الجامد في جمع المذكر السالم :
يُشترط في الاسم الجامد حتى يُجمع جمع مذكر سالم أن يكون
- علماً .
- لمذكر.
- عاقل.
- خال من تاء التأنيث.
- خال من التركيب.
فإن لم يكن علماً، لم يُجمع بالواو والنون، فلا يقال : في رجل : رجلون.
وإن كان علماً لغير مذكر لم يجمع بهما، فلا يُقال : في زينب " زينبون " .
وإن كان فيه تاء التأنيث فلا يُجمع كذلك، فلا نقول : طلحون ، وإن أجازه الكوفيون.
وكذلك إذا كان الاسم مركباً كـ ( سيبويه ) فلا يُقال : سيبويهون، وأجازه بعضهم.
شروط جمع الاسم الصفة في جمع المذكر السالم :
يُشترط ليجمع الاسم الصفة جمع مذكر سالم :
- أن يكون صفة .
- لمذكر.
- خالياً من تاء التأنيث .
- ليس من باب ( أفعل الذي مؤنثه فعلاء ).
- ولا من باب ( فعلان الذي مؤنثه فعلى ).
- ولا مما يستوي فيه المذكر والمؤنث.
فخرج بقولنا صفة لمذكر، ما كان صفة لمؤنث، فلا يُقال : في حائض، حائضون .
وخرج بقولنا " عاقل " ما كان صفة لغير العاقل، فلا يُقال في سابق – وهي صفة للفرس - : سابقون .
وخرج بقولنا " خال من تاء التأنيث " ما كان صفة لمذكر عاقل، ولكن فيه تاء التأنيث كـ " علامة ".
وخرج بقولنا " ليس من باب أفعل فعلاء " ما كان على وزن أفعل مثل " أحمر " فإن مؤنثه " حمراء " فلا يصح قولنا : أحمرون.
وكذلك ما كان على وزن " فعلان فعلى " مثل سكران، سكرى فلا يصح أن نقول: سكرانون.
وكذلك " ما استوى فيه المذكر والمؤنث " لا يجمع جمع مذكر سالم. فـ " صبور ، وجريح " كلمات استوى فيها الجنسان فلا نقول صبورون ، ولا جريجون.
وأشار المصنف – ابن مالك رحمه الله – إلى الجامد الجامع للشروط التي سبق ذكرها بقوله " عامر " فإنه علم لمذكر عاقل خال من تاء التأنيث ومن التركيب؛ فيصح أن نقول فيه : عامرون .
وأشار إلى الصفة المذكورة أولاً بقوله " مذنب " فإنه صفة لمذكر عاقل خالية من تاء التأنيث، وليست من باب أفعل فعلاء ولا من باب فعلان فعلى، ولا مما يستوي فيه المذكر والمؤنث،فيصح أن نقول فيه " مذنبون ".(5)
ما يُلحق بجمع المذكر السالم
قال ابن مالك :
وشبه ذَين، وبه عشرونا وبابُه أُلحِقَ ، والأهلـــونا
أُلُو ، وعالَمُون، عِلّّيُّونـا وأَرَضُونَ شَذّ، والسِّنـُــونَا
وبابُه، ومِثلَ حِين قَد يَرِد ذَا البَابُ، وهو عِند قومٍ يَطّرِدْ(6)
يريد ابن مالك بقوله " شبه ذين " إلى مثيل " عامر ، ومذنب " في أن كل علم حقق شروط " عامر ، و مذنب " فإنه يُجمع جمع مذكر سالم .
ثم بدأ بالكلام – رحمه الله – عن الملحق بالجمع المذكر السالم :
وتعريف الملحق: ما لا واحد له من لفظه، أو له واحد لكنه غير مستكمل للشروط، فليس بجمع ولكن ، ملحق بالجمع.
فالملحقات هي :
عشرون وبابه : وهو من ثلاثون إلى تسعين، ملحق بجمع المذكر السالم ، لأنه لا واحد له من لفظه.
أهلون : ملحق لأن مفرده لا يوافق الشروط .
أولو : ليس له مفرد من لفظه.
عالمون : اسم جنس جامد .
عليّون : اسم لأعلى الجنة، وليس فيه الشروط المذكورة لأنه ليس بعاقل.
أرضون : جمع أرض، وهي اسم جنس مؤنث .
السنون : جمع سنة. اسم جنس مؤنث.
وأشار بقوله " وبابُه " إلى باب سنة وهو :
o كلُّ اسم ثلاثي، حُذفت لامه، وعوّض عنها هاء التأنيث، ولم يكسّر.
o فإن كُسّر كشفه وشفاه، لم يُستعمل كذلك إلا شذوذاً – كظُبة – فإنهم كسّروه على " ظبات " وجمعوه أيضاً بالواو والنون والياء والنون " ظُبون".
وأشار بقوله " ومثلَ حين قد يرد ذا الباب " إلى أن سنين ونحوه، قد تلزم الياء، ويجعل الإعراب على النون، فتقول وإن شئت حذفت التنوين وهو أقل من إثباته.
واختلف في اطراد هذا، والصحيحُ أنه لا يطّرد، وأنه مقصورٌ على السماع.
جمع الصحيح الآخر وشبهه
إن كان المراد جمعه صحيح الآخر، أو شبهه، زيدت فيه الواو والنون أو الياء والنون بلا تغيير فيه، فيُقال في جمع كاتب : كاتبون .
جمع الممدود
إن جمعت الممدود في هذا الجمع، فهمزته حُكمها في التثنية. ( أي إذا كانت همزته للتأنيث وجب قلبها واواً، فتقول في جمع " ورقاء " علماً لمذكر عاقل : " ورقاوون " وفي جمع " زكرياء " " زكرياوون ".
جمع المقصور
إن جُمع المقصور هذا الجمع، تُحذف ألفه وتبقى الفتحة، بعد حذفها، دلالة عليها، فتقول في جمع مصطفى : " مصطفَون "، ومنه قوله تعالى : " وأنتم الأعلون "، وقوله تعالى : " وإنهم عندنا لمن المصطفَين الأخيار ".
جمع المنقوص
إن كان ما يُجمع على هذا الجمع منقوصاً، تُحذف ياؤه، ويُضم ما قبلها، إن جمع بالواو والنون، وتبق الكسرة، إن جُمع بالياء والنون، فتقول في جمع قاضي : " القاضون والقاضين ".(7)