5- من التعبير إلى المحتوى.
إن هذا التصور للشكل السميائي باعتباره قابلا للخضوع لعمليات ترتسنين مختلفة، عمودية (ميتالسانية) وأفقية، والتأويل الذي نقترحه لحدث الإبلاغ المعتبر متوالية من عمليات التر-تسنين، يساعداننا في محاولتنا إدماج البنية الدلالية في إطار نظرية معرفية عامة يكون الكون فيها بمثابة المادة المتمفصلة والموصوفة تدريجا عبر مختلف ضروب اللغات .
فإذا اعتبرنا أن ما نسميه عالم المعنى المشترك ليس إلا المستوى الذي يتجلى فيه الشكل العلمي (أي الكون باعتباره علما) رأينا أن هذا العالم المتجلي يقدم في الآن نفسه، مع كونه مادة الشكل العلمي، على أنه مادة الشكل السيميائي الذي يمفصله في مقولات إدراكية ذات طبيعة مرئية، أو شمية أو ذوقية طعمية. إن التقاء هذين الشكلين المختلفين يمكن تأويله بأنه ترتسنين خاص يحول وحدات الشكل العلمي المركبة (مثل الصيغ الكميائية الخاصة) إلى وحدات استبدالية دنيا للشكل السميائي (مثل الكيانات الخاصة للروائح والطعم). وحينئذ يمكن ترتيب وتنظيم البون بين العالم الفزيائي باعتباره بنية علمية، وعالم الانسان، باعتباره بنية سميائية، عن طريق إقامة استلزامات بين ما يمكن أن نطلق عليه، إجمالا، المركبية العلمية والاستبدالية السميائية.
ولو قدر أن نعكس حدث الادراك، الذي يدرك بوساطته العالم المتجلي على أنه >عالم الأوصاف المحسوسة< بافتراض نسق محتمل بتلازم مع الدماغ و بإثبات الشكل السميائي لتعبير هذا العالم، فإن ظاهرة جديدة للترتسنين ستصبح بادية للعيان في هذا المستوى : ستتحول وحدات مستوى التعبير هذا الدنيا، أو حتى تشكلاته الكاملة، من أجل إحداث لغات طبيعية، في شكل] وحدات مستوى المحتوى وتشكلاته، ذات الخصائص والأبعاد نفسها. (وهكذا يمكن التحليل الدلالي لعنصر معجمي نحو الرأس، مثلا، من تمييز صورة نووية ذات ادراك خارجي (لمسي)، وثابتة بالنسبة لكل استعمالات الكلمة] وفي كل السياقات المختلفة] إنها صورة يمكن وصفها بأنها >طرف حاد أو دائري الشكل< لشيء ما). إن التحويل من التعبير إلى المحتوى، المعتبر إجراء يجعل نسقين محتملين في علاقة استلزام -يتحكم أحدهما في فعل الادراك ويعكس الآخر تجلي البنية الدلالية اللساني- هو تحويل يمكن تقديمه على أنه محاولة تفسير الانتقال من المرجع الخا-لساني إلى مستوى المحتوى اللساني، أي إلى البنية الدلاية.
فاللغة في عمومها إذن، هي ارتباط مادتين مختلفتين كلتاهما ذات طبيعة حسية (تشكل إحداهما مستوى التعبير، والأخرى مستوى المحتوى)، تتمفصلان في شكلين سميائيين مختلفين، ويتم تر-تسنينهما بطريقتين مختلفتين بوساطة الشكل اللساني (وفعل الوساطة نفسه يتلازم وأنشطة الدماغ الفزيولوجية) . وبينما يتم الحصول على مستوى التعبير عن طريق تر-تسنين حدث معين في نسق ما، يكون الحدث والنسق مرتبطين فيما بينهما بمادتين مختلفتين، فإن مستوى المحتوى هو محصل إقامة استلزام بين نسقين ينتمي أحدهما إلى مستوى التعبير والآخر إلى مستوى المحتوى .
وبعبارة أخرى فلا وجود لقطيعة بين تجلي البنية العلمية للعالم المسلم بوجوده من لدن الانسان، وتجلي البنية الدلالية التي تقترح أن هذا العالم موجود ودال؛ أي أنه عالم دلالي. وإنما يتعلق الأمر بسلسلة عمليات ترتسنين فحسب .
6- الكليات اللغوية
يكشف تحليل متن تمثيلي من الوحدات الدلالية، من مثل السيميمات أو الملفوظات الدلالية ، وجود ضربين مختلفين من السيمات في مستوى اللغة الدلالي، تتكون المجموعة الأولى، من هذه المقولات السيمية، من سيمات ذات أصل حسي خارجي(5) تطابق مقولات عالم المعنى المشترك الكيفية. وتتكون المجموعة الثانية، من مقولات استنباهية داخلية(6) (نحو الكائنات/الأشياء والموضوعات/العمليات) : وهذه المقولات لا يمكن تفسيرها عن طريق تحويل وحدات التعبير إلى وحدات المحتوى، ويجب اعتبارها مقولات شكلية خالصة (وذلك باعتبارها مكونة للشكل لا أنها مجردة من المعنى) .
ومن اليسير معاينة أن هذه المقولات مستعملة لتأطير فعل الابلاغ، وتجعل من الممكن نقل المحتوى المعتبر توليفا للمقولات المدركة من الخارج، فهي تُكَوِّن، إذن، المقولات النحوية، والنحو نفسه ليس سوى تنظيم خاص للمقولات الشكلية (الصورية).
وهذا لا يعكس كل استعمالاتها الوظيفية. فعندما نحاول تحديد شروط إدراك المعنى الدنيا ونعتبر أن وجود فوارق التباين في مستوى التعبير يشكل الشرط الأفضل لظهور الاختلافات في المعنى، نضطر إلى الاقرار بأن هذه الفوارق لا يتم إدراكها إلا باقتضاء مقولات صورية قبلية نحو هوية/غيرية (الاختلاف) أو وصل /فصل. وهذا يعني، بتعبير آخر، أننا لاندرك موضوعين خارجيين متباينين، وإنما العلاقة بينهما فحسب. فمستوى التعبير، باعتباره مادة، ليس إلا ذريعة ضرورية لادراك فارق التباين. وعليه يجب أن تؤول عملية الادراك هاته بأنها تنظيم خاص للمقولات الصورية؛ وهو تنظيم يعكس، بمفرده، هذا الادراك. إن الشكل السميائي لا يقوم إلا >بتشكيل<(7) المادة دون أن ينتمي إليها.
وهكذا يمكننا هذا التنظيم الشكلي للمادة من تفسير ظهور المعنى في شكل تمفصل التباينات في مستوى التعبير. وقد يتميز شكلان سميائيان متوازيان عن بعضهما البعض، شكل التعبير وشكل المحتوى؛ وهما متماثلان لكونهما منبثقين عن شكل لساني واحد ولكنهما غير متشاكلين لأن مستويي التعبير والمحتوى متمفصلان بطريقتين مختلفين.
إن هذا التصور، تصورَ توازي شكلين سميائيين، يمكننا من فهم سيرورة تحويل مقولات التعبير إلى مقولات المحتوى، وهذا أحد أهم إشكالات السميائيات. ولما كان الشكل اللساني مكونا من شكلين سيميائيين متميزين بتمفصلات متماثلة فإن الانتقال من بنية التعبير إلى البنية الدلالية لا يمكن تصوره إلا بوجود هذين الشكلين المتماثلين والمتشاكلين في الآن نفسه، في ظروف خاصة؛ وآنئذ تتم مطابقة مقولات العالم الخارجي الكيفية بمقولات البنية الدلالية السيمية. وعليه فإن تشاكل الشكلين السميائيين سيعكس ظاهرة استبطان العالم الخارجي.
إن فهرسة، ولو بسيطة، للمقولات الصورية (التي يضاف إلى ما ذكر منها سلفا، على سبيل التمثيل، المقولات التالية : علاقة/ حد ونفي / إثبات وحدث/ نسق واحتمالي/فعلي...) تظهر أن هذه المقولات، التي تبدو كأنها أدوات ضرورية لفحص شروط تحقيق] المعنى، ليست هي ما نحتاج إليه لبناء نظرية لغوية معممة فحسب، وإنما تصلح، في الآن نفسه، لتشكل متنا من المفاهيم الابستيمية لحدود التقصي والتنظير العلمي، أي بناء نماذج علمية خاصة وإعداد نظرية عامة عن المعرفة العلمية. وهذا أمر يطابق تصورنا للسميائيات القاضي بأن العلوم ليست سوى أشكال علمية مبنية كأنها لغات .
وإذا كان جرد المقولات الصورية هذا مستعملا لصياغة نماذج علمية وسميائية، وكانت النماذج الاجرائية قابلة، للترتسنين في نماذج نسقية أو العكس، مع تغيير ما يجب تغييره، أمكن حينئذ افتراض مستوى متجانس من أجل وصف العالمين العلمي والدلالي معًا.
هوامش المترجم
1- يعرف مصطلح الكفاية adéquation في الأدبيات اللسانية بأنه معيار لتحديد مدى ملاءمة نموذج لساني ما لملاحظة الظواهراللسانية ووصفها وتفسير قدرة المتكلم /المستمع .
2- أي الوحدات الفونولوجية الدنيا، وهو اصطلاح على غرار السيمات ( les sèmes) الوحدات الدلالية الدنيا.
3- الخطية نسبة إلى الخط والكتابة لا الامتداد الذي جاء به سوسير والذي يميز العلامة اللسانية عن غيرها من العلامات.
4- التر-تسنين مصطلح مركب يعني تحويل سنن إلى سنن آخر. ولما كانت الترجمة نقلا من لغة إلى أخرى اخترنا التركيب بينها وبين التسنين فحصلنا على هذا المصطلح المركب على غرار الخا-لساني ...
5- أي تدرك التأثيرات الحسية الواردة من العالم الخارجي( extéroceptif)
6- أي تدرك من داخل الجسم ذاته الذي تنبعث منه تلك المؤثرات ( intéroceptif).
7- أي يعطيها شكلا معينا لكي لا تبقى هلامية أو سديما.