ان مجلس المناظرة الذي حكاه التوحيدي 320 هـ ، وكان بين ابو سعيد السيرافي و متى بن يونس ، و الملاحظ ان كلاهما يتناول عرض رؤيته من خلال الكلام و المعاني ، فيقول متى بأن المنطق آلة يعرف بها صحيح الكلام من سقيمه ، و فاسد المعنى من صالحه ، و يصحح له السيرافي بأن صحيح الكلام و سقيمه يعرف بالعقل ان كنا نبحث بالعقل ، اي ان معرفه صحيح الكلام من عدمه يعرف من عدة نواحي و ان احدها و هو الاطار العقلاني فلا بد ان يكون بالعقل و لكن هناك ناحيه اخرى الا و هي العلامة الاعرابية فمن خلالها ايضا يمكن معرفة الصحيح من السقيم من الكلام و لكن من زاوية النطق فقط و ان ترتب عليه معاني اخرى فمنها الصحيح العقلي و السقيم العقلي ، اي انه اما ان يشترك الاعراب مع العقل في تصحيح الكلام و تسقيمه او لا ، فاذا افترقا فأرى انه من الاستقامه اعتماد العقل لانه لا فائدة في كلام صحيح اعرابيا و لكنه فاسد في المعنى العقلي و له مثال يحضرني : ذهبت المدرسةُ الى محمد ، فمن الناحية الاعرابية لا اشكال فيه و لكن من الناحية العقلية لا يصح ، و لكن من الجائز ان يقال ان التقعيد الاعرابي و السليقة العربية لا يمكن ابدا ان يكون في اعتبارها او في اعتبارهم عند التقعيد ،،"و يسبقة الوضع الاصلي للكلام عند العرب و هو الفطرة و السليقة",, بأنه لا يمكن تصور هذه النسب و العلاقات و الاضافات ، بأنها لا يمكن ان تتوارد على الاذهان و لا يمكن استعمالها على محمل الجد و الواقع لكي يتسنى لها الدخول في المنظومة اللغوية و التعايش معها و الاندماج فيها فيأتي بعد ذلك النحوييون فيقعدوا لها و يأصلوا لها قواعد و اعتبارات في التأصيل و النحو في الكلام ، فهذا يمكن استبعاده عقليا ايضا ، فيقال ان هذه الصيغه و هذا الكلام مما لا يجوز على العرب و لا على ذوي الفهم و العقول و لا يمكن ان يقال فيهم او بينهم فضلا على ان ينتشر في اللغة و يتفشى لدرجه اعتبارة من اصل الكلام و من ثم دخوله في مرحله التقعيد و التأصيل و الفهم للغة اساسا ، و لهذا لا يدخل في الكلام و لا الجمل ، فلا وجه لاعتراض او نقد ، فيكون التلازم بين العلامة الاعرابية و بين المنحى العقلي لازم لا ينفك عنه ابدا ، و من ثم فيقال و يقرر في كلتا الحالتين ان العقل اما انه مؤسس او انه محدد لما يقبل او لا يقبل ، و في حالة التناول لكلام العرب الان لا يجوز عليهم الا محدد العقل لما نقبله و لما ما لا نقبله ، و على هذا فمثل هذه المغالطات لم تدخل اصلا حتى يتسنى لنا نقدها في اللغة و لا التقعيد ، و على هذا فيكون النقد موجه لفلسفة النحاه و منهجهم لتقعيد و قوننه النحو الاعرابي ، لانهم حددوا عوامل معينه اسندوا اليها التأثير في الاعراب و العلامات الاعرابية ، و هكذا مجردة عن اي عوامل و محددات اخرى و لم يضعوا في الحسبان العقل و السياق و الحال و الدين ، و من الممكن ان نرجع الخطأ للخلف و على مر العصور من تطور و تداخل الجانب المنطقي الصوري و الفلسفي في التآليف النحوية و مدى التعقيد والتشعب و التعمق و الاغلاق الذي اضحى ملمحا اساسيا و ميزة تتلقفها المريدين سواء المؤلف او المتلقي ، و ايضا مما اضيف على ذلك الهالة المقدسة التي اضافوها على الاعراب و انه المحدد للمعنى بل انه هو نصف المعنى بل المعنى كله ، و اصبح الاعراب هو الوجه المشرق للغة فاذا خفت خفتت اللغة معه ، و اذا تخلف عن المشهد حضر الاغلاق في فهم المعنى ، و لذلك تجد قدامى النحاه اللغة عندهم كيان واحد متداخل و مرتبط مع بعضه البعض ، اما الاجتزاء لهذا الكيان كان من عمل الخلف و صنعهم ، لانه تعدى مرحلة التطبيق الواقعي و العملي الذي كان مرجوا منه في القديم الى مرحلة التفكر و الترف العقلي و الموائمة مع الثقافات الاخرى و التداخل بينها و التنافس في التصنيف و الاغلاق ، و من مساوئ هذا التطور انه ضخم من الاعراب حتى اصبح هو و النحو وجهان لعملة واحدة ، و تناسوا انه استنباط و اجتهاد من علماء سابقين ارادوا ان يكون الملتزم بها يخرج كلماته كما كانت تخرجها العرب او على الاقل هكذا ظنوا ، و اصبح الشكل المعياري الصوتي هو المراد و كأن اللغة اختزلت في العلامة الاعرابية كصوت في النطق و كعلامة في الكتابة ، و هذا القصور في تناول اللغة من خلال عامل واحد ( العلامة الاعرابية ) كان نتاج تطور طبيعي للظروف المحيطة لانه كان الابرز في وجوده ، و لانه كانت اللغة حاضرة ككيان كامل و لكن القصور نشأ في الاصوات فقط و لانهم كانوا حديثي عهد باللغة فكان الربط بين الاصوات و بين المعاني من اللوازم الطبيعية التي لا ينفك عنها الكلام و الفهم و التفاهم و تناول المستجدات ، فكان الامر جد خطير لان التوافق المجتمعي على المعاني المطروحة للتفاهم غضة لم تزبل بعد ، فكان اي خطأ يكون مردوده فوري آني في تخبط المعاني و الخطأ ، و ان هذه الاخطاء كانت و ما زالت عندهم محدودة و طارئة و لكن بزغت فكرة التقعيد لآحادهم عندما لاحت له المصيبه الذي حلت عليهم سواء جراء الفتوحات و دخول الاعاجم في الاسلام او حتى دخولهم للتجارة و التعامل مع العرب و تداخل الثقافات ، و الشاهد هنا ان اللازم من الخطأ الصوتي خطأ معنوي ، هذا التلازم الان غير موجود .
يبقى نتاج العلماء لتناولهم لكلام العرب في التقعيد هل دخل فيه كل العرب ؟ هل دخل فيه القرآن الكريم ؟ هل دخل فيه الحديث النبوي ؟ ناهيك عن العملية نفسها و هي التقعيد و ما يشوبه من استنباط و استدلال لا ينفك ابدا عن الثوابت الذاتية للمقعد (القائم بعملية التقعيد ) ، فالحياد و الموضوعية مستحيلة ، و النحو هو منطق اللغة ، و اللغة هي مرآة العقل و انعكاس للفكر ، و العقول متفاوته ، و لذلك تجد اختلافات في التقعيد و التطبيق ، و النتاج الفكري للعالم الذي تناول اللغة الذي تمخض في النهايه على ميلاد قواعد للنطق الصحيح المعياري الذي توهمه من خلال تعايشه مع اللغة و الجول و الصول معها فكرا و تدبرا و امعانا و كل هذا لاينفك ابدا عن مذهبه و دينه تأثرا و تأثيرا ، و من له خبرة و تدبر يلحظ ذلك في مصنفاتهم ، فالنظر للشئ من ابرز وجوهه مرتبط بالظروف المحيطة و بالرائي و بالمرئي و المنهجية التي تتناول المرئي و كيفية المعالجة ، فصفة ابرز هي في حد ذاتها تجسيد لما سبق بيانه ، لان الاهميه نسبيه ، و النسبيه يدخل فيها الزمن الذي يحوي فيه التغيرات و الثوابت تبعا للظروف المحيطة و النشأة ، فنشأة النحو تفسر كل ذلك و تبينه ، فمع غياب هذا التلازم الطبعي بين الصوت و المعنى المتمثل في العلامة الاعرابية ، فيكون اقرب مثل لهذه القضية هي كما قال ابن تيميه و اشار اليه من سبقه ، ان المنطق (و هو لغة يونان ) لا يحتاجه الذكي و لا ينتفع به الغبي ، و لكن هذا في توليد الاحتمالات الممكنة و المحتملة للنص العربي المُعالج في تعدد معانيه و اعرابه ، خاصة ان العلامة الاعرابية غائبة عن المشهد سواء لفظا او كتابة ، فلفظا لا يشكك فيه احد انه لا وجود له الا في النادر ، و كتابة في نطاق محدود ايضا و للنخب و المتخصصين ، اذن العلامة الاعرابية ليس لها حضور في التواصل الشفهي و الكتابي الان ، فلا يبقى الا دورها في النصوص العربية القديمة ، و هنا يلوح لنا تساؤل ما هي النصوص العربية التي وصلت لنا معربه و يمكن الوثوق فيها ؟ ، بالطبع هو القرآن ، اذن يتوقف فهمي لمعنى القرآن على فهمي للعلامات الاعرابية كما كانت عند العرب وقتئذ ، و من الان الذي يقوم بهذا الدور ؟!.
فاذا قلنا سيبويه و الاخفش و السيرافي و ابن جني و الخليل و غيرهم ، يقال عندئذ و كيف افهم كلامهم ؟! فانا حين اقبالي و عكوفي على كلامهم من اجل الفهم و التفهم مفتقد لمدلول العلامة الاعرابية التي يكتبون بها طبعا و الا فاقد الشئ لا يعطيه ، اذن فهمي للعلامة الاعرابية متوقف على فهمي للعلامة الاعرابية ، فاذا فهمت شيئا و قتها فانا متهم في فهمي و يثبت عدم جدوى ما انا اقوم به ، و اذا لم افهم فلن افهم ابدا وهذا ما يسموه علماء الكلام و المنطق بالدور او التسلسل الذي يلزم منه الفهم على الشئ المتوقف على نفسه ، و اذا ثبت ذلك فما فائدة العلامة الاعرابية .
فانا لا اتقن النحو . و انا اقرا و اكتب و اناقش و افهم و اتفهم و افكر و ..... الخ .
و هذه ازدواجيه ممقوته و هي الفصل بين لغة الحوار و بين لغة الكتابة ، ومعلوم ان ليس كل من يتكلم يكتب ، و ليس كل من يعرف الكتابة يكتب ، و ليس كل من يكتب يتقن النحو ... ، و الاهم من ذلك ان الاصل تعلم الكلام الشفهي اولا ثم يأتي بعد ذلك مرحلة اخرى قد تأتي و قد لا تأتي ، المهم ان العقلية المنطقية اللغوية تتكون اولا و هي الاصل في تكوين الوعي و الفكر . فلي ان ادعي اننا كلنا تعلمنا العامية و نشأنا في ربوعها و ترعرعنا في اكفانها . و هذا كيان تام كامل مستقل خلا من الاعراب تماما . و انطلاقا من مقولة اللغة و الفكر و جهان لعملة واحدة . فلا فائدة مرجوة من الاعراب بالحركات في هذه المنظومة التي هي في غنى عن هذا . لان الوسيله التي نتفاهم بها ما هي الا كلمات تتجاور و تتراكب و ان هذا التجاور متوقف على معرفتي بالنحو ، وقبل معرفتي بالنحو اذن لا استطيع ان اكون جمل مفهومه فكيف افهم و كيف افهم غيري . و ان كنا نتفاهم بدون العلامات و الحركات الاعرابية و هذا لا ينكره احد عاقل فمن المؤكد ان نسبه 99.99% من العرب لا يتحدثون الفصحى . فلماذا نتعلم النحو و نستهجن من الذين يخطئون اذا ادعوا انهم مفكرين او اصحاب فكر و عقيده .
هذا من ناحيه ، اما الاخرى ، فهي الثقة في فهمهم لكلام العرب الذي سيتوقف عليه فهم كلام الله و رسوله صلى الله عليه و سلم ، فيجب عندئذ عرض افهامهم على فهم الصحابه و السلف و على فهمي ، و اذا كان افهامهم و فهمي يتم المقارنه بينهم و النقد لهم و انا على هذا الحال ، فما فائدة العلامة الاعرابية ، و اذا ثبت ان اكثرهم كانوا ذوا مذاهب عقائدية و فكرية غير التي وثقت عن السلف و اهل السنة و الجماعة فما الموقف اذن و الحال هذه ، انفهم القرآن و الحديث النبوي بفهمهم ؟! . و نأوول على قواعدهم ، و ان كانت العلامة الاعرابية ليست بهذا الدور المحوري و المهم في الفهم و الافهام و الامر جار على هذا المنوال بدونها فما هي فائدة العلامة الاعرابية ؟!.
و هل وصل لنا القرآن بأحرفة السبعة الذي انزل عليها ؟ ام وصل لنا بحرف واحد و تعدد قرآته فقط ؟ .
و كم تتخيل تعدد الاوجه الاعرابية التي كان عليها مقارنة بالقراآت التي بين ايدينا الان ؟. و كم قبيلة و لهجة استبعدت من التقعيد مخافة اللحن ؟ . و كمّ الاحاديث النبوية التي لم تقعد في النحو مخافة الرواية بالمعنى و تصرف الراوي ؟ و كم عدد الروايات التي استبعدت من التقعيد النحوي و انتقدت من قبل النحاة ؟.
و بعد كل هذا اجعل فهمي للقرآن و للحديث النبوي محكوما لاعرابهم !! او بمعنى اخر اكثر دقة ، محكوما بمنطقهم و عقلانيتهم .
انا لا اعرب الا بعد الفهم المحتمل لعده معاني يحتملها النص . و ما دمت توصلت الى هذه الفرضيه فأنا في غنى عنه لفهمي للنص . انا افهم ثم اعرب . هذا لو كان المستمع على علم بالاعراب مثلي تماما و الا لحصل الخلل و ضاع المقصود منه . فما الفائده منه في نصوص لم تصل معربه لكونها وقتئذ مفهومه . فيكون النحو هو محصله فهوم العلماء لنصوص العرب . ثم وضعه في قوالب محدده موجزة و اصطلاحات معينه خاصه بهم . اي انه فكر مدون بشفرة خاصه لا يفهمها الا من تعلمها و هي خاصه ببعض الخواص من القوم يتملحون بها و يتفكهون بها . و يتناظرون عليها . اما انا محمد بهاء الدين الموجود في القرن الواحد و العشرين اريد ان المس اهميه للاعراب تفدني في ديني . اكرر في ديني . و ليست دراستي سواء كليه او ماجستير او دكتوراة . او مجرد انني استمتع بها او اتلذذ بها او اني كتب علي ذلك لان دراستي كانت عن سيبويه و نشأة البلاغة و علم المعاني .
المهم الان ان اشعر بأهميه الاعراب في فهم النصوص الشرعية و هذا لا يتأتى ( في وجهه نظري ) الا : ان يكون وصلتنا كل النصوص الشرعية معربة تماما و بالاضافة الى كل نصوص العرب من نثر و شعر و امثال و حكم . و ان يكون من وضع الاعراب في نفس الجيل الذي ترك لنا هذه النصوص لانه ادرى بها و بمعانيها و المقصود منها . و ان تكون الوسيله مؤمنة بالكامل من اي اضافات او تحورات او تطورات . و من ينظر في ذلك سيجد ان النص الوحيد الذي وصلنا معرب و ثقه هو القران و بعد تصحيفه في مصحف بمده . وان النحو دوون و تطور مرارا و تأثر بالمنطق و الفلسفة على مراحل حتى وصل الينا منطق منحون . ناهيك على تدخل العقائد و المذاهب في تطويره و تطوره . ناهيك عن الاختلافات و المدارس و المذاهب النحوية التي امتدت عبر التاريخ .