فالعلامة الاعرابية ليست ضرورية دائما ، لماذا ؟ لانه قد يكون النص من الوضوح بمكان بحيث يمكن تجاهلها و يلزم من ذلك ان هناك عوامل دلالية اخرى تشترك في ايصال المعنى المراد ايصاله ، من هذه العوامل ما قد اشرت اليه ، الدلاله المعجمية و الصرفية و ......... الخ . فلنتأمل قليلا في اشتقاق " العلامة الاعرابية " طبعا كلنا نعلم ان الاعراب الافصاح ، و العلامية لا تكون لا لمُعلم ، و المُعلم الذي هو في الذهن على شكل تصور قد يتطور الى علاقة ثم حكم ، المهم ان هذا التصور الذي هو في ذهن المتكلم ، قبل ان يتكلم لا يجوز عليه معنى و تصور العلامة ، لانه ما زال مجرد تصور ، اذا خرج على هيئة لفظ ( مجموعة من الاصوات المتقطعة التي يتعارف بها كل قوم في تواصلهم ) ، هنا ،و هنا فقط ، يحدث عملية التعليم ، هذه العلامة ان لم توافق عند المستمع لها اي منحى دلالي فلا فائدة فيها و تعتبر لغوا ، اي ان هناك توافق عام مجتمعي لا يسع القائم جهله كله و لا علمه كله ، هناك قدر يتحقق به التواصل ، هذا التوافق منعدم الان و لا اظن ان اي شخص يدعي غير ذلك ، الان :- انا و انت و غيري ، متى تعلمت الاعراب و اتقنته ، المرحلة السابقة على هذا ، هل نقول فيها انك كنت لا تفهم كثير من القرآن و الحديث و انك كنت غير مسلم ، فمثلا قول : لا اله الا الله ، الذي يقوله امي و ابي و جدي و دخلوا الاسلام من خلاله لو نطقوا الله بالفتح مره و بالجر مره و بالرفع مره ، هل كان و ما زال تختلف معهم في شيئ ، ابدا ، هل يعلموا حرف لا هنا في اصطلاحه هل هو للنفي او النهي ، الاستثناء هنا .....ما نوعه . عندما يقرأوا ( انما يخشى الله من عباده العلماء ) هل تظن انها تحدث فرقا في المعنى عندهم ، انما يقرأو القرآن كما انزل لاننا متعبدون بتلاوته كما انزل ، هم عندهم المعنى صحيح ، اقصد اللغوي و ليس العقائدي لانه يوجد من يقولها و يشرك بالله ، اما الحصر لبعض الاحتمالات الدلالية التي من الممكن ان تفهم من الجملة ، و العلامة ما هي الا علامة و لا تحدث اي صدى معنوي عند السامع او القارئ الذي لم يعرف دلالة هذه العلامة ، الحاصل ان العلامة تبقى علامة و لا تخلق معنى جديدا بل هي علامة على امر متفق عليه بين طرفي الاتصال (المتكلم و السامع او الكاتب و القارئ) . و هذا كله و نحن داخل الاطار اللغوي البحت ، لم ندخل في المحددات و العوامل الاخرى التى تصرح و تحق و تجيز المعنى او لا ، كالدين و العقل و العرف الاجتماعي . و انا قد كنت ضربت مثلا من حديث نبوي لم يأت لنا مشكول ، فهناك له احتمالان او اكثر ، و من ضمن الاحتمالان معنى لو قرر نحويا ( و هو المشهور ) لانقص من قدر الرسول ، هنا تكمن المشكلة ، هل تقرر هذا الرأي النحوي بما يؤديه من معنى قبيح ، ام تنتصر لعصمه الرسول او تأوول كما تشاء نحويا لكي يتلائم مع المعنى الصحيح ، اذن المحدد هنا الدين و العقل و ليس الاعراب ، و نوفق بين هذا الحديث الصحيح و الاخر الصحيح ايضا ، طبقا لقواعد اصولية من تعارض و ترجيح ، فأنا شغلي و بغيتي المعنى الديني الصحيح . فاذا ظهر تأويل او تخريج نحوي استأنست به فيكون هو التابع و ليس المتبوع و يكون هو المحكوم و ليس الحاكم . فيدخل في دور الاستشهاد و ليس التدليل . اما الامثلة فهي كثيرة جدا و لها مصنفات خاصة بها و لكن انا في مرحلة نقاشية تنظيرية.
و انا كل كلامي منصب على العلامة الاعرابية ولا اعمم على باقي العلوم الاخرى لكي لا يحدث خلط في كلامي . فعلوم الدلالة المتوقفه على السياق و القرائن و الاحوال و على المعنى المعجمي و الاشتقاق بأنواعه و الصرف و البلاغة و الفصاحة فهذا كله و ما نسيته في هذا المعنى لا يدخل تحت كلامي و نقدي .
وانا ارى الاعراب ما هو الا فهوم لعلماء لتوصيف معاني استخلصوها من النصوص العربية . اي ان الاعراب عبارة عن قنوات محددة لفهم معين لنص معين . اذن هناك موضوعان . الاول : الفهم الخاص و هو انعكاس للعقيدة و المذهب الفكري و العقلي لصاحب النظرة و ان اتفق مع غيرة فالكثرة ليس لها دور في احقاق الحق و لكن مدلولها ما هو الا ان الطيور على اشكالها تقع . و من المعروف ان هذه العلوم و خاصه النحو تأثرت بالمنطق اليوناني و لمزيد معرفه يراجع نشأة النحو و بدايه الترجمه . و ايضا يراجع تأثر المذاهب النحويه بعقيدة صاحبها . و ايضا عمل استقراء لعلماء النحو عن عقيدتهم و تأويلهم للصفات . و ايضا يراجع مكانه القران الكريم و الحديث النبوي في التقعيد النحوي . و ايضا يراجع اصول علماء النحو و نشأتهم . ثانيا : النص الموضوع للتقعيد النحوي . ستجد ان النصوص اكثرها شعر ونثر و امثال و حكم و هي العمدة في التقعيد و التأصيل و ان ذكر القران فعلى سبيل التطبيق اي ان القران محكوم و ليس حاكم ( و ان كنا لا نعمم كل العلماء) و ناهيكم على دور الحديث النبوي الذي رفضه الكثير منهم بحجه انه مروي بالمعني و ليس باللفظ و انه متصرف فيه في بعض الاحايين . مما ادى لبعضهم الاعتراض و التشكيك ليس فقط للحديث النبوي بل ايضا لبعض روايات القران . ثم بعد ذلك عمليه الاعراب نفسها ، هي فهم للنص اولا ثم ادراك المعاني المحتمله التي من الممكن ان ترد على النص ، ثم اختيار احدها على انه الاولى ثم تعليم ( من العلامه ) ذلك المعني بعلامات و هي الاعرابية لكي اضيق فرصه التأويل عليك لاقصى حد ممكن و تعيينه . ثم يأتي دورك انت في التلقي ، فيلزم من ذلك انك على علم بهذه العلامات لكي تفهم المعنى المراد و المقصود . و هذا ما نفتقده كلنا(اي معظم الناس امثالي ) و لا اتوقع ان احدا يدعي اننا على علم بهذه العلامات في فهمنا و تفهمنا لبعضنا البعض او لفهمنا للحديث او للقران . ثم لا يفهم من كلامي اسقاط المعنى المعجمي و الدلالي و الصرف و الاشتقاق و علم المعاني المرتبط بهذه العلوم .
اما اذا كان الهدف هو ابراز الاحتمالات المعنويه المتعددة التي من الجائز ان ترد على النص ، و تعليم كل حالة بحالة اعرابية مميزة لها دون تحقيق المعنى الذي يجب شرعا و عقلا فأرى ان الاشتغال بشيء اخر افيد من ذلك ، لان الهدف هو كشف الحق و الحقيقة ، فانا ارى ان كشف المعاني المخالفة للشرع اولى من جواز تعدد الحالات الاعرابية المجردة و غير المدعومة بالمعنى الصحيح ، و على الاقل يكون شرح للمعنى المنوط بالحالة الاعرابية ، فيقال في الحاله الاعرابية الفلانية يكون قصد المتكلم كذا و المعنى الذي يريدة كذا ( هذا بفرض ان المتكلم ملم بالحالات الاعرابية التي تخص كل معنى مقصود مراد ) ، فيكون هذا التوظيف هو المقصود و عليه تلزم النية الشرعية ، لان الهدف الاكبر هو توصيل العلم للناس ، بمعنى اخر ان يكون نقطه انطلاقي و تركيزي هي المعنى ، فأقول لو اردت ان تحدد هذا المعنى فالحاله الاعرابية تكون كذا . (( و ما اشد تعجبي و دهشتي انني كيف اتوصل لتحديد هذه المعاني التي من المؤكد انكم تفهموها و لو على الاقل تحدث بيننا التواصل و التفاهم و انا لا اعرف الاعراب و لا اتقنه )) ، و لا ارى ادل على وصف ما انا فيه الا كلمه بن تيمية في المنطق فقال " هو علم لا ينتفع به الغبي و لا يحتاجه الذكي " ، و الاسقاط هنا ليس على الذكاء و الغباء لكي لا يتهمنا احد بأننا نتهجم على احد ، فكلامه كان في امر عقلي بحت ، اما انا اسقاطي على اهمية العلامة الاعرابية ، فالعلامة قد تشترك في الدلالة و لكنها ليست كل الدلالة و لا معظمها و في بعض الاحايين ليس لها دور على الاطلاق . فالموروث الديني و المبثوث في مصنفات علماؤنا في العقائد و الاحكام يفهمه اي شخص اذا كان ملم بمعاني المفردات المعجمية التي في النص ، و لا يتوقف على المامي بالعلامة الاعرابية ، على الاقل انا اتحدث عن نفسي و اظن ان هناك كثيرين مثلي ، فهمهم للنص الديني لا يتوقف على ذلك ، و فهمي لفهم العلماء الذين توقف فهمهم على الاعراب لا يتوقف على ذلك ايضا ، لاني في النهايه انا اقرا كلام عربي (سواء معرب او غير معرب ) و لا اتوقف كثيرا و لا قليلا على العلامة العربية هذا ان وصل لنا كلامه معربا ، فالحاصل انني اتلقى فهوم علماء للنص الشرعي "وهذا ما يعنيني" و كما قال الرسول صلى الله عليه و سلم لا طاعه لمخلوق في معصية الخالق ، و كما قال الامام مالك كل يؤخذ من كلامه و يرد الا صاحب هذا القبر ، النصين يلزم منهما ان هناك حرية اختيار ، و الاختيار لا يكون الا في وجود ما يختار منه ، و لا يكون الا في وجود وعي و قصد للمختار . هذا القصد و الوعي لا يكون الا في جلب مصلحه او دفع مضرة ، فالحاصل انني في النهايه اختار بين فهوم علماء لنفس النص ، و هذا معناه انني اقبل فهمه للنص بدعوى جهلي بالاعراب و علمه هو بالاعراب .
• و نلاحظ ان النحو عند ابو سعيد انه منطق و ان المنطق نحو ، وان المنطق اليوناني هو نحو يوناني و لغة يونانية ، و الشاهد هنا انه عند الاستدلال و التمثيل لا يذكر النحو بفهوم العلامة الاعرابية ، و لكن يستدل و يدلل باللغة و الالفاظ و المعاني و العلاقة بين اللفظ و المعنى ، فعند قوله في مثاله :- نطق زيد بالحق ، و لكن ما تكلم به . و الشاهد انه يستدل بالمعنى اللغوي المعجمي و لم يقل مثلا : الحق مرفوعه مرة و منصوبه مرة و ان الصحيح فقط هو حالة واحدة الا و هي الخفض بحرف الجر الباء ، و لم يفند المعاني الصحيحة و الخاطئة بناءا على علامة الاعراب ، و لم ينبه متى على اهميه الاعراب في المعنى و انه بخطأه فيه يخطيء بالمعنى ، و لكن الملاحظ عليه رد الخطأ اللغوي فقط ، و ان النحو عند ابو سعيد مرادف في مفهومه للغة و ليس مقصورا على العلامات الاعرابية فقط كما يشاع في العصور المتأخرة ، ففي مثاله هذا يرادف بين معنى لفظي النطق و الكلام و يحيل ان يكون الاثبات و النفي لهما يؤديان نفس المعنى ، بل يرى ان هذا خرف و تناقض و وضع للكلام في غير حقه و ان هذا استعمال للفظ في غير شهادة من عقله و عقل غيره .
• ويصرح بأن النحو منطق ، و لكن مسلوخ عن العربية ، و المنطق نحو ، و لكنه مفهوم باللغة . اي ان هناك منطق عربي و اخر يوناني و ان المنطق العربي استوعب المنطق اليوناني و زيادة ، و ان المنطق العربي لا حاجه له بالمنطق اليوناني ، و ليس من معاني الاضافة الاختلاف و الخلاف اي عند قولنا منطق عربي اي ان المعاني مصاغة بالعربية و لكن المعاني المعقولة واحدة عند كل الامم و ان اختلفت اللغات .
• وان الذي ادى الى هذا الاغلاق الشديد و الصعوبه في الاستعاب و الغموض المفرط هو توالي الترجمات من اليونانية الى السريانية الى العربية من الذين لا يحسنونها كمتى بن يونس ، وان النقل بين اللغات لا يحافظ على المعاني كما هي و لا يبقي العموم و الخصوص و اخص الخصوص و اعم العموم كما هم ، و الاساليب و التجوزات و الاغراض البلاغية و كثير من مكنونات اللغة لا يبقى كما هي و لا نثق في وصولها كما هي فهذا شيء بعيد المنال .
• ثم ذكر الحركات التي تجوز على الاسماء و الافعال و الحروف ( مكونات اللغة ) فهو مشكل لانه من الممكن ان يكون المقصود الحركات و العلامات الاعرابية او يكون المقصود غير ذلك ، لاننا نعلم ان الحروف ليس لها حركات ، و بعض الافعال كذلك .
• ثم ذكر مثالا اخر ليدلل على ترابط اللغة بالمنطق العقلي ، و هنا نلحظ عدم ذكر للعلامات الاعرابية ايضا ، فقال :- زيد أفضل الاخوة و زيد افضل اخوته . ايهما يصح عقلا و بالتالي لغة ، و هذا اعتراف ضمني بأن العلامة الاعرابية ليس لها دور في تحديد المعنى العقلي و الا لو كان ذلك فكان الاولى به ذكرها و التدليل عليها و هو النحوي المشهور ، فكان من الممكن ان يظهر جهل متى من خلال ذلك و ما اسهله و ايسره . فيقول ايهم اصح : زيد "بالرفع مره و بالنصب مره و بالكسر مره " و مثله على اخوته ، و ان كانت العلامة الاعرابية ليس لها دور في المعاني العقلية و المدارك و الاغراض فلها دور اذن في العلاقة الشكلية اللفظية . و انظر لشرح ابو سعيد للتفريق بين المعنيين و ما بينهم من عموم و خصوص و علائق منطقية عقلية و ما يجوز منها و ما لا يجوز و تعليق ابن الفرات على هذا البيان بأن قال : لقد جل علم النحو عندي بهذا الاعتبار و بهذا الانقياد ! . اي ان مفهوم النحو عندهم غير الذي هو متوارث عند المتأخرين و كيف اطلق على مثل هذه القضايا نحو .
• و قد فصل ابو سعيد معاني النحو و قسمها بين – حركات اللفظ و سكناته ، و بين – وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها ، و بين – تأليف الكلام بالتقديم و التأخير ، و توخي الصواب في ذلك ، و تجنب الخطأ من ذلك . و لا يقولن احد ان كلامه صريح في اوله انه يريد العلامة الاعرابية و ذلك لان العلامة الاعرابية لا تكون الا في اواخر الكلم ، اما هنا فيقول حركات و سكنات اللفظ ، فيخرج الكلام عن مرادكم بسببين ، الاول التصريح باللفظ ، و الثاني بالتصريح بلفظ السكنات ـ وهذا مغاير لمصطلح الحركات الاعرابية - ، و ارى انه يريد التصريف و بناء الكلمة . و تنزلا على الجدل انه يريد الحركات الاعرابية فدورها محدود في تبيين المعنى و تحديد العلايق بين الكلمات مقارنة بالعوامل الاخرى .