من ملتقى اهل التفسير :بتصرّف
(كرام بررة)كيف يكون متقو الملائكة أكثر من متقي الآدميين..والملائكة كلهم متقون..؟!
من المعروف في القرآن الكريم ورود "بررة" وصفًا للملائكة، و"أبرار" وصفًا للآدميين
قال الله ـ ـ في وصف الملائكة : كِرَامٍ بَرَرَةٍ وقال في البشر الابرار:إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً) 6الانسان
وعلى ذلك ـ أيضا ـ ورد قول النبي صلى الله تعالى عليه واله وسلم : : (الذي يَقرأُ القُرآنَ وهوَ ماهِرٌ بهِ مع السَّفرةِ الكِرامِ البرَرة)
قال بعض اللغويين والمفسرين : إن بررة جمع بَر ، أما أبرار فجمع بار ، وبر أبلغ من بار
لكن ثبت أن بر يرد جمعًا لبر وبار..فلا اعتداد بهذه المقولة
لكن للآلوسي في ذلك رأي جميل ، يقول بأن(بررة) جمع كثرة، و(أبرار) جمع قلة،
ويعزو وصف الملائكة بجمع الكثرة والبشر بجمع القلة بأن متقي الملائكة أكثر من متقي الآدميين فناسب استعمال صيغة القلة .
وإن كنت أتساءل : كيف يكون متقو الملائكة أكثر من متقي الآدميين..والملائكة ـ أصلا ـ كلهم متقون..؟! ..
ما وجه المفاضلة بين الفريقين..؟!
قال ابن عاشور:
وَالْغَالِبُ فِي اصْطِلَاحِ الْقُرْآنِ أَنَّ الْبَرَرَةَ الْمَلَائِكَةُ وَالْأَبْرَارَ الْآدَمِيُّونَ. قَالَ الرَّاغِبُ:
«لِأَنَّ بَرَرَةً أَبْلَغُ مِنْ أَبْرَارٍ إِذْ هُوَ جَمْعُ بَرٍّ، وَأَبْرَارٌ جَمْعُ بَارٍّ، وَبَرٌّ أَبْلَغُ مِنْ بَارٍّ كَمَا أَنَّ عَدْلًا أَبْلَغُ مِنْ عَادِلٍ» .
وقال د/ السامرائي:
قوله (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً 5 عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً) 6
ورد في القرآن جمع الأبرار والبررة ونلاحظ أن القرآن الكريم يستعمل الأبرار للناس المكلّفين ويستعمل البررة للملائكة ولم يستعملها للناس أبداً (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ 15 كِرَامٍ بَرَرَةٍ 16 عبس) لماذا؟ الأبرار هي من الصيغ المستخدمة لجموع القَلّة والناس قليل منهم الأبرار (قلة نسبية) مصداقاً لقوله تعالى (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ 103 يوسف) فاستعمل القَلّة النسبية بينما الملائكة كلهم أبرار فاستعمل معهم الجمع الذي يدل على الكثرة (بررة) .
وإنها لمناسبة لمراجعة مسألة جمع القلة وجمع الكثرة .... حيث أن فهمها على هذا النحو يقصرها على العدد فقط
فى حين أن قوة وصف برّ فى كيفية البر ويكون قولنا " بررة " إقراراً بأن كيفية البر هى المقصودة وليس عدد الموصوفون بها
ولذلك أرى أن يقال أن بررة جمع " برّ " بغض النظر عن عدد هم أو كم برّ هم ، فقد يكونون ثلاثة فقط ويجمعون على بررة ! ويكون من الخطأ جمعهم على أبرار
وفى الملائكة فإن برهم كيفى وليس عددى ، فبرهم استكمل جوانب البر كلها ولذلك استحقوا وصف بررة
أما الآدميين فتتفاوت كيفية البر بين شخص وآخر ، كما أن البرّ الآدمى - إن استحق هذا الوصف - قد يكون باراً فى أمر وغير بار فى آخر
كما أنها طمأنة للمؤمن أنه إن لم يصل بعد اجتهاده أن يكون برّاً فيكفيه أن يكون باراً
متقوا الملائكة أكثر من متقي البشر، إذ الملائكة ليس فيهم إلا المتقون أصلا:(( وإن تفاوتوا في مقدار التقوي))، أما البشر ففيهم وفيهم .
هكذا يمكن أن نعتذر للآلوسي:
أما إن لم يكن لنا سبيل إلا الفهم الآخر(( واري أن لا ملجأ إليه))، فلا شك في خطا العبارة بصريح القرآن كما هو معلوم .
لكن تأمل معي في أنه لم يثبت عند اللغويين اقتصار (بررة) على (بر) و(أبرار) على (بار) ،
بل إن منهم من عكس ذلك فجعل (بررة) جمع (بار) و(أبرار) جمع (بر) ،
يقول ابن منظور : (وجمع البَر الأبرار ، وجمع البار البررة)
ومنهم من يرى أن بر تجمع على أبرار وبررة
وهذا على قول الجمهور أن المقصود من بررة الملائكة، فقد أورد ابن كثير رأي وهب بن منبه بأن المقصود من قوله تعالى: بأيدي سفرة كرام بررة هم أصحاب النبي ، وقال قتادة هم القراء، وقال ابن جريج عن ابن عباس السفرة بالنبطية القراء، مع العلم أنه لم يذكر في القرآن الكريم لفظ بررة إلا في هذا الموطن، وبالتالي فالمقارنة بين بررة على أنها للملائكة وأبرار على أنها للآدميين بناءً على الرأي الشائع، وليس الأمر مقطوعاً فيه، وعليه لا بد من ذكر هذا القيد عند عقد المقارنة، كي لا نقع في التعامل مع الظنيات معاملة القطعيات، ولله الأمر من قبل ومن بعد.