3- من شُروطِ قولِ الشّعر النّظمُ على أحَد بحور الشّعر المعروفة، فإن لم يكن فَعَلى تفعيلةٍ من التّفعيلات التي تُناسبُ الموضوع، فإن لم يكن فعَلى نَسَقٍ من التّفعيلات المتناسبة المتّسقة صوتياً وصرفيّا؛ فالإيقاعُ الذي يُحدثُه الوزنُ أو التفعيلةُ أو النسقُ من التّفعيلاتِ، يُعدّ حصانةً للقطعة الشّعريّة وحمايةً لحدودِها من التّداخل مع النّثر.
ثمّ إنّ الشّعرَ إنشادٌ قبلَ أن يكونَ نصّاً مقروءاً؛ لأنّ الإنشادَ ورَفعَ الصّوتِ بالشّعرِ استثمارٌ لقيمةٍ أخرى من قيم الشّعر، إنّها قيمةُ التّواصُلِ والخطاب والتّفاعُل مع الشّاعر وهو يُلقي شعرَه ويستخدمُ الحركات والإشارات وعِباراتِ الوجه، وقد كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يقولُ لحسان بنِ ثابِت "اهجُهُم وروحُ القُدُس مَعَك"، أو كَما قال عليه الصّلاة والسّلام، والإنشادُ موهبة لها قيمتُها وخَطَرُها في امتلاك ألبابَ السّامعينَ، والمستمِعُ إلى الشّعرِ يطرَبُ سَمْعُه قبلَ أن يطربَ قلبهُ؛ قال الشّاعر الأندلسيّ ابنُ حَبوس في هذا المَعْنى:
إذا أ ُنْشِدَتْ كادَت لِفَرْط بَيانِها /// تَعيها القلوبُ قَبلَ وَعْي المَسامِع