أمّا المسألَةُ اللغويّةُ التي يُثيرُها الباحثُون المهتمّون بقضية النسبة هذه
فأحبّ أن أتناولَها بطريقةٍ أخرى
وهي أنّ الإشكالَ ليسَ في جوازِ النسبةِ إلى الضَّميرِ المنفصل أو عَدَم النسبةِ إليه ،
فهذا أمرٌ ليسَت العربيّةُ الفصيحةُ مسؤولةً عنه ، لأنّ الذي اشتقّ هذه الصيغَ إنّما هم
الفلاسفةُ والمتكلّمونَ الذينَ تفرّعوا عن فلاسفةِ يونان ، ومنهم ابنٌ سينا و الفارابي ،
فلمّا احتاجوا إلى ترجمة بعض المَفاهيم اضطرّوا إلى نحتها بطرُق قياسيّةٍ وغيرِ قياسيّةٍ ،
ومن المَعْلومِ أنّ فلاسفةً مثل ابن سينا والفارابي لم يَكونا على درجةٍ عالية من دقّةِ العبارَة
وفَصاحةِ التّعبيرِ
و الظّاهرةُ التي أمامَنا تدخلُ في بابٍ اشتقاقيّ يُدعى بالمصدر الصّناعيّ
وهو مصدرٌ يُصاغُ بإضافةِ ياء نسبةٍ وهاءِ تأنيثٍ في آخرِ الكلمةِ، للدّلالةِ
على مذهبٍ أو نزعةٍ أو غيرهما ...
و لكنّ الغَريبَ ههنا أن يُشتقّ مصدرٌ صناعيّ من ضمير ، مع العلم أن الضّمير
يُشبه الحرفَ في صورته وبنائه ، فلا وجه للموازنَةِ بين لَفْظَيْ رهبانيّة و أنانيّة
أو بين علمانية و هوية ...
وعليه فالحلّ الذي يُمكنُ التّفكيرُ فيه للخُروجِ من الإشكالِ هو البحثُ في صيغٍ
فصيحةٍ مَسموعةٍ عن العربِ في كَلامها، فإن لم يوجَدْ اشتُقَّت صيغٌ جديدةٌ
اشتقاقاً يلتزمُ قواعدَ التّوليدِ والنّحتِ وغير ذلِك
أمّا الذي حَدا بمُستعملي مثل هذه الصيغ غير القياسيّةِ كالأنانيّةِ إلى تداوُلها
فهو الترجمة من الكلمة اللاّتينيّة Egoism وهي كلمة مركّبَة من ذات Ego
و ياء نسبة مع هاء تأنيث Ism
ومن الباحثين الفلاسفَة العرب المُعاصرين مَن فضّلَ استخدامَ الأنويّة بدلاً من الأنانيّة
للتعبيرِ عن الشّعورِ بالأنا، من دون وُجود الشّعورِ بالآخَر، وجَعَلَ "الهُويةَ" مقابلاً
لـ"الغيريّة" .