التدريب على مهارة المحادثة باللغة العربية للناطقين بغيرها (المشكلات والحلول)
حسان سيد يوسف
سنتحدث في هذا المقال عن مشكلات التدريب على مهارة المحادثة، وسنطرح بعض الحلول لها، لعلها تكون ناجعة، ثم بعد ذلك سنعرض لطريقة نراها مفيدة في التدريب على هذه المهارة إضافة إلى أهم الأنشطة التي يمكن تطبيقها.
لعلنا لا نُجانب الصواب إذا قلنا في البداية: إنّ معظم الطلاب الأجانب الذين يتعلمون اللغة العربية قد ينجحون في كل المهارات باستثناء المحادثة؛ ليس لأن المحادثة لا تشبه نظيراتها الأخريات من المهارات من حيث الصعوبة والسهولة، بل لأن وسائل تطويرها وأساليب عرضها غير دقيقة، وبالتالي فإن نتائجها -في الغالب- لا تُؤتي أُكُلَها. وهي إلى جانب ذلك تعاني من مشكلات، بعضها متعلق بالموضوع المطروح وطريقة علاجه، وبعضها الآخر متعلق بالطالب وببيئته التعليمية.
من حيث الموضوع تواجهنا بعض التساؤلات عند تدريس كتاب في هذه المهارة، لماذا تكون معظم الموضوعات التي يُطْلَبُ إلى الطالب مناقشتها مرتبطة ببيئته من حيث الزمان ومن حيث المكان، فمثلاً: معظم الموضوعات المطروحة للتعليم في تركيا ترجع إلى تاريخ فتح إسطنبول، وهي غالبا ما تنحصر ضمن أراضيها.
وإضافة إلى ذلك فإن تلك الموضوعات المطروحة للنقاش – في كثير من الأحيان- لا تأخذ مأخذها في قلب الطالب، ولا تشده، ولا تلفت انتباهه. فمثلاً: موضوع الحديث عن لباس سكان الريف ولباس سكان المدينة مُمِلّ، لا قيمة له لدى الطالب التركي، ولو استبدل بموضوع لباس النبي صلى الله عليه وسلم لكان أفضل وأزكى.
ومن المشكلات ما هو متعلق بطريقة التدريب المتبعة في تعليم العربية، حيث نجد فَصلا متعمدا وتجزيئا للغة الهدف، قُطّعت أوصالها إربا، وكُلّف بها أساتذة مختلفون لتدريب الطلاب عليها، فترى معلم القواعد ومعلم المحادثة ومعلم القراءة ومعلم الاستماع وهلم جرا. أو أن تجد كُتبا خاصة بكل مهارة أو كتابا يجمع المهارات على شكل وحدات شكلية لا تتصل ببعضها بعضا، وفي كلا الأسلوبين تتساوى المهارات من حيث طريقة العلاج، وتصب في مصلحة مهارة محددة.
لا شك في أن فصْل المهارات في العملية التعليمية يجعلها تتشابه ببعضها بعضا في طريقة العلاج؛ لأن جميعها سيبدأ بشرح المفردات ثم بالنص ثم بأسئلة فهمه. وإذ ذاك فليس للمهارات إلا اسمها في حقول تعليم العربية للناطقين بغيرها.
ومن المشكلات التي تعيق تطوير المحادثة لدى الطالب ما هو متعلق بالمعلم، فهناك مِن بين المعلمين مَن هو غير مقتنع بدرس اسمه المحادثة، وحجته أن الطالب يتحدث في القراءة والقواعد وباقي المهارات، فلماذا نخصص درسا للمحادثة! وكما أن من بين المعلمين من هو غير مقتنع بتخصيص درس للمحادثة فإننا نجد أيضا من بين الطلاب من هو غير مقتنع بدرس هكذا، وحجته في ذلك أننا لا نحتاج إلى المحادثة في أرض غير ناطقة بالعربية. وطالب ذو نظرة كهذه لن يتعلم المحادثة، ولو بذل المعلم قُصارى جهده.
وعلينا نحن المعلمين أن نقنع الطالب بأهمية المحادثة وانعكاساتها على تطوير باقي المهارات، حيث إن المحادثة تثبّت اللغة في الذهن، وهي وسيلة لا بد منها لإجادة أي لغة.
ومن مشكلات هذه المهارة ما هو متعلق بالفترة الزمنية. لا شك أن الفترة التي يقضيها الطالب في ممارسة اللغة هي فترة غير كافية لخلق متحدث باللغة مع العلم أننا ندرك أنه من النادر أن يحقق طالب طلاقة في لغة إذا اقتصر فقط على ما يتعلمه في الفصل الدراسي. فإذا كان طالبنا يشترك في درس المحادثة مع خمس وعشرين طالبا خلال أربع ساعات أسبوعيا فمن الممكن أن يفوز خلال العام الدراسي التحضيري بخمس ساعات في الحديث.
وإذا قارنا حال تعلم الطفل للغة مع حال الطالب نجد أن الطفل يتحدث بما له صلة بعالمه وبما له قيمة لديه تلك الساعات الخمس خلال أسبوع واحد.
وبناء على ذلك فإن مسألة إتقان اللغة ليست متعلقة بالعمر بقدر ما هي متعلقة بالبيئة؛ فإذا توفر للطالب الكبير ما يتوفر للصغير فيمكن أن يتفوق عليه، لأنه يتعلم اللغة بطريقتين حسب نظرية (كراشن) بطريقة الاكتساب وطريقة القياس.
وحتى لو سلمنا جدلا بتعرض الطالب للغة في الفصل الدراسي فهو لا يحتك بمتحدثيها؛ لأنه لا بد من وجود الاحتكاك اللغوي حتى يتم الاكتساب الناجح للغة الأولى. فالأطفال لا يتعلمون اللغة من مجرد استماعهم إلى كلام الآخرين أو استماعهم إلى المذياع، ولكن يتعلمونها بسبب كونهم جزءا من الحديث اللغوي نفسه، حيث يتم الحديث معهم، ويستجيبون له.
– بعض الحلول
لاختيار موضوعات جذابة تستنطق الطالب، وتسهم في رفع كفاءته في هذه المهارة لا بد أن نعتمد على أخصائيين في علم نفس الشباب، وأخصائيين في علم المجتمع؛ فما يصلح في بيئة لا يصلح -بالضرورة- في أخرى، وما يكون مُهما في بيئة قد يكون مُهمَلا في بيئة أخرى. وأن أساس بناء منهج في هذه المهارة يجب أن يقوم على ثلاثة أسس: الأساس النفسي واللغوي والثقافي.
يجب أن تكون الوحدة التعليمية وحدة حقيقية مترابطة، كالجسد الواحد يشد بعضه بعضا، حيث تكون القواعد هي العمود الفقري للوحدة، والقراءة هي القلب، والاستماع والمحادثة هي باقي الأعضاء.
الاحتكاك شرط أساسي لإتقان ما يسمى بالكفاية الاتصالية، ولقد فرق البحث العلمي في الكفاية الاتصالية خلال السبعينيات بين الكفاية اللغوية والكفاية الاتصالية، وذلك بإيضاح الفرق بين معرفة قواعد اللغة وأشكالها، وبين المعرفة التي تمكّن الشخص من الاتصال الوظيفي التفاعلي.
و لعل كمال تعلم اللغة لا يتمثل في إتقان أشكالها فحسب، بل لا بد من استعمالها في تحقيق الوظائف الاتصالية للغة ضمن سياقها الطبيعي.
وتعد لغة قاعة الدرس والمدرسة من الاتصال غير الطبيعي، بينما يعتبر الاتصال المباشر وجها لوجه مع الناس من الاتصال المستند إلى سياق طبيعي.
وفيما يتعلق بجانب البيئة والاحتكاك فمن الصعب إرسال الطالب إلى بلد ناطق بالعربية، إذا حصل وسافر فلن يسمع اللغة التي تعلمها في الفصل، وإذ ذاك فيتوجب علينا أن نصنع قرى لغوية يتم فيها التدريب الحقيقي على المحادثة. وقد عمل بعض المختصين في المجال على توفير مثل هذه البيئة فحصل على نتائج طيبة، ولكن تبقى جهودا فردية.
– الطريقة المقترحة لتدريس مهارة المحادثة
و معلوم أيضا -حسب ما رأيناه- أنّ استراتيجية التعلم من الأقران في مهارة المحادثة لا تقبلها ذهنية الطالب التركي، وكذلك استراتيجية المجموعات، فوضع هذه الاستراتيجيات غير صحيّ؛ لأنها -برأيه – لا تضيف له شيئا، وهي مضيعة للوقت؛ إذ كيف له أن يحادث زميله الذي يعرفه بلغة غير لغته؟ وأضف إلى ذلك فإن زميله – بنظره- عاجز عن تصحيحه إذا أخطأ، وهو عاجز أيضا عن الإتيان بالصحيح التام من اللغة.
ما الحل لهذه المشكلة إذن؟ لعل في طريقة الخرائط الذهنية في تدريس المحادثة نجد بُغيتنا، فهي تُعد أسهل طريقة لإدخال المعلومات إلى العقل وإخراجها منه، وهي إضافة إلى ذلك ترفع من كفاءة التعلم والاستيعاب، ومن ثم يتم تخزين المعلومات في الدماغ لأطول مدة ممكنة؛ لأنها تجمع بين الصور والكلمات، وتربط المعاني المختلفة بعضها بعض عن طريق الفروع المستخدمة في رسمها. فمثلا إذا كان الحديث عن رحلة فالخطوة الأولى نرسم الخريطة الذهنية في القسم الأيمن من السبورة بهذا الشكل:

وأما القسم الآخر من السبورة فنخصصه للمفردات والتعبيرات.
نرسم الخريطة بالتعاون مع الطلاب، ويجب أن يملأ قسما السبورة بوساطة المناقشة والحوار مع الطلاب.
وبعد رسم الخريطة وكتابة المفردات والتعبيرات تأتي المرحلة الثانية، وهي: حديث المعلم، يتحدث المعلم بأسلوب عربي فصيح عن الموضوع، فيُثريه بقصص واقعية أو خيالية لها معنى، فإذا كان الدرس عن اختلاف العادات فليتحدث عن العادات والتقاليد في بلده ضمن الخريطة الذهنية التي رسمها، وعليه أن يختار الطريف من الأحداث، والمُلفت منها. وبذلك يتحقق لدينا في هذه الخطوة هدفان: الأول هو أننا قدمنا للطالب نموذجا للمتحدث المثالي الذي يرنو الطالب إليه، وأما الثاني فإننا نخلق بذلك قناعة لدى الطالب بأنه معلمه هو المعلم الحقيقي والمثقف، وهذا يؤدي إلى خلق علاقة حب بين الطالب ومعلمه، فيتبعه ويحذو حذوه في الحديث.
وأما المرحلة الثالثة من درس المحادثة فتُخصّص لحديث الطالب: وهنا يطلب المعلم من كل طالب أن يتحدث في الموضوع، ويطلب من الآخرين الاستماع وتسجيل الملاحظات.
وقبل نهاية الدرس يمكن للمعلم أن يختمه بنشاط من الأنشطة، والأنشطة الصفية متنوعة، ولعب الدور هو أبرزها لأنه يصلح لكل المستويات.