سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.
الحلقة العاشرة:
الأستاذ الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف نائب رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة،
ورأيه في مكانة الهمزة في الدرس الصرفي:
تحتل الهمزة مكانًا كبيرًا في الدرس الصرفي، وفي أبواب الإعلال والإبدال منه بخاصة، ولعل السبب في ذلك أن نحاتنا القدماء عدوا الهمزة أختًا لأصوات العلة (الألف والواو والياء)، فأبدلوا هذه الحروف التي منها الحركات؛ لأنها أخوات، وهي أمهات البدل، والزوائد. وليس حرف يخلو منها أو من بعضها، وبعضها حركاتها، وليس حرف أقرب إلى الهمزة من الألف، وهي إحدى الثلاث، والواو والياء شبيهة بها أيضًا مع شركتهما أقرب الحروف منها.
ومن جانب آخر، تنفرد الهمزة بأحكام خاصة تتعلق بتخفيفها، وجعلها بين بين، وإبدالها؛ فلتباعدها من الحروف، وثقل مخرجها، وأنها نبرة في الصدر جاز فيها التخفيف، فضلاً عن اختلاف قبائل العرب فيما بينهم في الهمز وعدمه، فكان الهمز خصيصة من الخصائص البدوية التي اشتُهرت بها قبائل وسط الجزيرة العربية وشرقيها.
وكان عدم الهمز خصيصة حضرية امتازت بها لهجة القبائل في شمالي الجزيرة العربية وغربيها؛ وذلك أن الهمزة لما كانت أدخل الحروف في الحلق، ولها نبرة كريهة تجري مجرى التهوّع (تكلّفُ القيء) ثقلت بذلك على لسان المتلفظ بها، فخففها قوم، وهم أكثر أهل الحجاز، ولاسيما قريش، رُوي عن أمير المؤمنين علي- رضي الله عنه-: نزل القرآن بلسان قريش وليسوا بأصحاب نبر، ولولا أن جبرائيل– عليه السلام– نزل بالهمزة على النبي– صلى الله عليه وسلم– ما همزنا، وحققها غيرهم، والتحقيق هو الأصل كسائر الحروف، والتخفيف استحسان.
وإذن تخفيف الهمزة أو تحقيقها يرجع في أصله إلى اختلاف اللهجات العربية، وقد رأى بعض الباحثين أن تخفيف الهمزة ظاهرة حضرية، وتحقيقها ظاهرة بدوية تناسب الخشونة والبداوة. وقد لاحظ النحويون أنها ثقيلة في مخرجها، وأن لها نبرة كريهة تجري مجرى التهوّع، ولكنه – مع ذلك – هو الأصل.
وعلى عادة النحاة لم يذكروا ما يعنون بالأصل: أهو الأصل التاريخي، أي إنه كان يُستعمل في فترة معينة ثم حدث تطور في النطق أدى إلى ما ليس بأصل؟ أو هو الأصل الصرفي، وأعني به القوالب التي وضعها الصرفيون موازين للمفردات، وحاولوا إخضاع كل مجموعة منها لقالب معين منها؟
المصدر: مجلة مجمع اللغة العربية – الجزء 69 – ص / 72271.
إعداد: مصطفى يوسف