من أعلام اللغة المعاصرين
يستضيء هذا الرِّواقُ بأحد أعلام العربية المعاصرين وعلمائها الشاهدين على تاريخها، نجتني من سيرته رُطبًا جنيًّا، ونقتطف من محاورته أفكارًا ورؤًى تنير دروب السالكين مهادَ العربيةِ، وتضيء آفاق الباحثين عن لآلئها بين الأصداف، وتقدم جزءًا من حق هؤلاء العلماء علينا، وتُزْخِرُ المكتبة العربية بإشراقات من حياة هؤلاء السادة وآثارهم الساطعة وسِيَرِهم الناصعة، فهم الذين جَلَوا بكلامهم الأبصارَ الكَليلةَ، وشَحَذوا بمنطقهم الأذهانَ العَليلة، فنبَّهوا القلوبَ مِنْ رَقْدتها، ونقلوها مِن سوء عادتها، فداوَوها من العيِّ الفاضح، ونهجوا لها الطريق الواضح.
(12) أ.د الطاهر أحمد مكي
أستاذ الدراسات الأدبية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة
وعضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة
[IMG]
[/IMG]
تتلألأ نجومُ اللغة في سماء العربية فتشِعُّ ضياءً وتتوهَّجُ إشراقًا فتُظهر لك كل جديد، والدكتور الطاهر مكي نجم في سماء العربية لغة وأدبًا، دائمًا يهديك جديده في خِلْعة من البهاء، ويأخذ بيديك إلى نظرته الوليدة في سلاسة وعذوبة وحجة ناصعة وبيان دامغ، حتى تصدر طريقته ونبغ فيها، وصارت سيرته مثلًا للعالم الرئيس الرَّيِّضِ في علمه وبابته، فأحببنا أن نأخذ منها بقبس نستضيء به في حوالك الليالي ، ونتلمس منها الهدى في بلوغ المعالي.
*تخرجه العلمي ومسيرته العملية:
ولد الطاهر أحمد مكي يوم 7 أبريل 1924 في محافظة قنا (جنوبي مصر)، ودرس في المعهد الأزهري في مسقط رأسه بقنا؛ حيث حفظ القرآن الكريم وتلقى علوم اللغة والأدب، فحصل على الابتدائية من المعهد الديني بقنا، ثم انتقل في المرحلة الثانوية إلى القاهرة فحصل على الثانوية ، ثم التحق بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة وتخرج فيها عام 1952م، ابتُعِثَ إلى إسبانيا للدراسات العليا وحصل على دكتوراه الدولة في الأدب والفلسفة بتقدير ممتاز من كلية الآداب، الجامعة المركزية بمدريد -إسبانيا عام 1961م.
ورغم أنه تلقى تعليمه في معهد أزهري، إلا أن مكي التحق بحركة يسارية عندما كان يدرس في القاهرة وغادرها عام 1948، ويقول في تصريح له إن هذه الفترة من حياته دفعته إلى القراءة وتثقيف نفسه.
غير أن التوجهات اليسارية لم تنعكس في كتابات الباحث المصري؛ إذ توجه إلى مجال الأدب الأندلسي والترجمة بحكم أنه كان يجيد الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية، إضافة إلى اللغة اللاتينية القديمة.
وكذلك شغفه بطبيعة الحال باللغة العربية، وكان معجبًا بالأديب المصري طه حسين، وقال إنه أحبه كخطيب أكثر من محبته له كأديب؛ لكونه -أي طه حسين- كان مناصرًا للعربية ويرفض تمامًا الكلام بالعامية.
*الكتب و البحوث العلمية المنشورة :
يملك مكي في رصيده إرثًا ثقافيًّا ثريًّا من المؤلفات والترجمات والدراسات استحق عنه لقب "عميد الأدب المقارن"؛ إذ ألّف عشرات الكتب في حقول معرفية مختلفة؛ من بينها "دراسة في مصادر الأدب"، و"الشعر العربي المعاصر.. روائعه ومدخل لقراءته"، و"امرؤ القيس.. حياته وشعره" عام 1968، و"الأدب المقارن.. دراسات نظرية وتطبيقية" عام 2002.
كما ألف كتاب "الأدب الأندلسي من منظور إسباني"، و"دراسات أندلسية في الأدب والتاريخ والفلسفة". و"بابلو نيرودا.. شاعر الحب والنضال" عام 1974. ومن أبرز أعماله أيضًا تحقيق كتاب "طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي.
ولم يتوقف مكي عند التراث الأندلسي فحسب، وإنما ترجم نحو عشرة كتب من لغات أجنبية إلى العربية؛ فترجم من الكتب الإسبانية ملحمة "السيد" عام 1970، وهي قصيدة ملحمية تتناول بطولات البطل القشتالي رودريغو دياث دي بيبار. ومن اللغة الفرنسية ترجم "الحضارة العربية في إسبانيا" لليفي بروفنسال وغيرهما.
وهاك كتبه ومؤلفاته في السرد التالي:
أ-مؤلفاته:
1-امرؤ القيس: حياته وشعره (1968)
2-دراسة في مصادر الأدب
3-بابلو نيرودا شاعر الحب والنضال (1974)
4-القصة القصيرة: دراسة ومختارات (1977)
5-الشعر العربي المعاصر: روائعه ومدخل لقراءته (1986)
6-الأدب الأندلسي من منظور إسباني (1991)
7-الشعر العربي المعاصر: روائعه ومدخل لقراءته (1996)
8-الأدب المقارن: أصوله وتطوره ومناهجه (2002)
9-مقدمة في الأدب الإسلامي المقارن (2002)
10-أصداء عربية وإسلامية في الفكر الأوروبي الوسيط (2005)
ب-كتبه المحققة:
1-طوق الحمامة لابن حزم الأندلسي
2-"الأخلاق والسير في مداواة النفوس" لابن حزم الأندلسي
ج-ترجماته:
له عدة ترجمات عن الإسبانية والفرنسية، منها:
1-ملحمة السيد (1970)
2-الحضارة العربية في إسبانيا ـ ليفي بروفنسال (عن الفرنسية)
3-الشعر الأندلسي في عصر الطوائف (عن الفرنسية)
4-التربية الإسلامية في الأندلس: أصولها المشرقية وتأثيراتها الغربية ـ خوليان ريبيرا
*الوظائف التي عمل بها والمناصب التي شغلها:
عمل مكي مدرسًا بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، فأستاذًا مساعدًا، فأستاذًا، فرئيسًا لقسم الدراسات الأدبية، فوكيلًا لكلية دار العلوم للدراسات العليا والبحوث حتى عام 1989، وقد شغل عدة وظائف في قطاعات التعليم العام والجامعي والدراسات العليا، وعمل أستاذًا متفرغًا بكلية دار العلوم إلى قبل وفاته رحمه الله.
قضى مكي عدة سنوات أستاذًا زائرًا بجامعة بوغوتا الكولومبية، تعرف فيها إلى الأدب المكتوب بالإسبانية في أمريكا اللاتينية، كما عمل أستاذا زائرا في جامعات تونس ومدريد والمغرب والجزائر والإمارات العربية المتحدة.
بالإضافة إلى مساهماته العديدة في مجالات الأبحاث، وعضويات المجالس واللجان المختصة بالشؤون الثقافية والأدبية والفنية واللغة العربية.
*الأوسمة التي حصل عليها:
حصل على عدة جوائز وأوسمة منها:
- جائزة الدولة التقديرية لعام 1992م.
- وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1992م.
- جائزة التميز من جامعة القاهرة لعام 2009م... وغيرها.
- كتبت عنه أطروحة لنيل درجة الدكتوراه.. وأخرى لرسالة ماجستير بعنوان "الإبداع والنقد في فكر الطاهر أحمد مكي".
ومن الأبحاث التي كُتبت عنه: منهج الطاهر مكي في الدراسات المقارنة نظرًا وتطبيقًا....د. يمنى رجب إبراهيم.
ورأس تحرير صحيفة دار العلوم وكما أنه عضوا بالمجالس القومية المتخصصة و المجلس الأعلى للثقافة وعضو في مجلس إدارة دار الكتب المصرية، وقد أشرف على أكثرمن 35 رسالة دكتوراه و75 رسالة ماجستير في الجامعات المصرية المختلفة؛ واختير عضوًاً بجمع اللغة العربية سنة 1999م.
*ملامح شخصيته ومنهجيته:
الطاهر مكي هو أحد أبرز علماء اللغة العربية و الأندلسيات ،لُقّب بـ"عميد الأدب المقارن"، وهو أحد أبرز علماء مصر في اللغة العربية والتراث الأندلسي بتنويعاته التاريخية والأدبية، وله مؤلفات عديدة مثل "الأدب المقارن.. دراسات نظرية وتطبيقية"، إضافة إلى كتب مترجمة ودراسات.
يقول وديع فلسطين: «صحيح أنني لم أتتلمذ على الدكتور الطاهر أحمد مكي؛ بمعنى الجلوس منه مجلس التلميذ في الفصل، ولكن الطاهر بسلوكه، وشخصيته جعلني مجرد واحد من طلابه المعجبين بأدبه، وعلمه، وخلقه. وفي اعتقادي؛ بأن الطاهر أحمد مكي لم يظفر بما يستحق من التقدير الأدبي والمادي، وهو ما تنبَّه إليه معالي الشيخ السعودي عبد المقصود خوجة راعي الإثنينية في جدة؛ حيث قام بتكريم الدكتور مكي في مهرجان كبير، شهده المئات من المدعوين، وتحدثت عنه الصحف السعودية بتوسع».
وقال الدكتور محمد عبد المطلب: «من يقرأ تحقيقات الدكتور الطاهر يدرك على الفور أنه واحد من أعلام المحققين الكبار الذين قدموا لنا التراث تقديماً علمياً موثقاً، وأشرُف بأن كثيراً من إنجازاتي، ودراساتي في الأدب، واللغة، والثقافة، والبلاغة؛ كانت محتكمة إلى كثير من توجيهاته، وربما كانت أهم هذه التوجيهات احترام التراث».
وقال الدكتور أحمد درويش: «لقد اختار الدكتور الطاهر مكي، المنهج الموسوعي في مؤلفاته المتعددة؛ فامتدت جهوده تأليفاً وتحقيقاً، وترجمة إلى معظم مجالات الأدب العربي، والأدب المقارن؛ فأنت تراه مع امرئ القيس مدافعاً عن إمارته للشعر الجاهلي، وأنت تراه مع المفضل الضبي، وحماد الراوية، وابن قتيبة، وابن عبد ربه، وأبي الفرج في مصادر الأدب، وتراه مع ابن حزم في طوق الحمامة، ومع الأندلسيين عموماً، وتراه في العصر الحديث مع القصة القصيرة ومختاراتها، والشعر المعاصر وفرائده، ويقف أحياناً مع شاعر كالبردوني؛ معلياً كثيراً من شأنه، ومع شعراء تجربة التفعيلة مقللاً من شأنهم؛ ولا يكاد يترك لمسة إلا وله فيها رأي توافقه عليه، أو تخالفه فيه؛ ولكنه لا يكاد ينتهي من واد؛ حتى ينتجع وادياً جديداً. ولم تكن مواقفه مع اللغات التي ينقل فيها، أو يترجم أقل موسوعية؛ فهو يعرف الإسبانية معرفة جيدة، ويفيد منها ويترجم عنها، ولكنه لا يتوقف عندها؛ فلديه نوافذ تطل على أخواتها من عائلة اللغات اللاتينية: كالفرنسية، والبرتغالية، والإيطالية، ولن تنعدم محاولات له للترجمة عن بعضها، لكن هذه المحاولات تمتد أحياناً إلى خارج هذه الدائرة؛ فنجد روائع الإنكليزية، والهولندية وغيرهما تفوح هنا أو هناك».