مدد( ) يا رفاعى
إبراهيم إبراهيم محمد الوكيل
هذه الكلمات الثلاث لها مدلول كبيرعند الرجل الريفى البسيط الذى عاش وسط الحقول والترع ، فهو فى اعتقاده أنه اذا حبسه ثعبان أو حية فليس عليه إلا أن يقول هذه الكلمات الثلاث ويصدح بها، وسوف يفك الله حبسه ويهلك عدوه هذا الثعبان اللعين؛ ومع ما فى هذا من خطأ شنيع عقديا وعدم صحة هذا الأمر. ولكن كعادتنا نحن – الريفيون - البسطاء نبحث دائما عما يسكن آلامنا ويسلى وحدتنا وخوفنا، والرفاعى المقصود فى هذه الكلمات هو الشيخ أحمد الرفاعى شيخ الطريقة الرفاعية الصوفية، وهو جد للشاعر هاشم الرفاعى، هذا الشاعر الذى مع قصر المدة التى زار فيها هذه الحياة الدنيا ، فالرجل لم يتجاوز الأربع وعشرين عاما، ثم توفاه الله، مع ما دار من ملابسات حول موته، ومن قتله؟ ولكن الرجل خلف لنا فى هذه الفترة الوجيزة ما يربوا على ثمانون ومائة قصيدة فى كل المجالات و المناسبات الدينية والوطنية. فلهذا كلما حصر أحد الكتاب أو الخطباء فى مناسبة وجدنا الواحد منهم لسان حاله يقول " مدد يا رفاعى " ولكن ليس على طريقة البسطاء التى تخالف العقيدة ولكن معناه أى أمدنا بمعنى من معانيك الرائعة المؤثرة نطبع بها خطابنا وندمغ بها أدلتنا، فحقا كان الرجل غزير المعانى سلس الأسلوب تأتيه الكلمات طوع بنانه بدون تكلف ولا تشدق، وكا قلت فالرجل تكلم فى كل المناسبات ولكن همه الأول هو الدفاع عن الحق والتصدى للظلم والظالمين أينما كانوا وأنى كانوا فلم يرهب وزير، ولم يخش سجان أو أميربل صدح بالحقيقة المجردة على الأقل من وجهة نظره هو، كما رآها وأقتنع بها هو ، وهنا وجدنا المظلوم المغلوب على أمره الذى لا يستطيع أن يعبر عن شكواه ولسان حاله يقول " مدد يا رفاعى " بلغ عنى ما أنا فيه من ظلم وأصدح بصوتك فإن صوتى مكدود ولا أكاد أبين فنجد الرفاعى بإسلوبه العذب وكلماته الرنانة يصدح فى وجه الظلم لا يخاف ويقول الحق كما فى قصيدته التى ذاع صيتها فى الآفاق " فى ليلة التنفيذ " التى نال عليها جائزة المهرجان الأول الذى عقد فى العاصمة السورية دمشق عام 1959م وقف هاشم الرفاعى يخاطب أباه على لسان شهيد ينتظر ليلة الإعدام وهو يقول:
أبتاه ماذا قد يخط بناني
والحبل والجلاد ينتظرانِ
ويستمر يحكى ويصدح بالحق قائلا
أهوى الحياة كريمة لا قيد لا
إرهاب لا استخفاف بالإنسانِ
فإذا سقطت سقطت أحمل عزتي
يغلي دم الأحرار في شرياني
هذا هو هاشم الرفاعى الذى حير الكثير فى تحديد هويته مع أنها ظاهرة للعيان جلية هو رجل عاش باحثا عن الحقيقة مدافعا عن المظلوم محبا لوطنه أيما حب عاشقا لدينه ولا يرى بديلا عنه لسعادة البشرية، وتقدم الأمة ورقيها كما فعل الأجداد وظللنا نحمل شعاع العلم والتقدم لعددة قرون لما كنا متمسكين بديننا وحضارتنا فنجده يقول فى قصيدة " شباب الإسلام " :
ملكنا هذه الدنيا قرونا
وأخضعها جدود خالدونا
وسطّرنا صحائف من ضياء
فما نسي الزمان ولا نسينا
وآلمني وآلم كل حر
سؤال الدهر: أين المسلمونا
تُرى هل يرجع الماضي فإني
أذوب لذلك الماضي حنينا
ولا أجد مرثية أنهى بها هذه الكلمات أفضل من كلمات استاذه وأستاذ الشعر حينها فى كلية دار العلوم الشاعر على الجندى عميد الكلية فيقول :
لهف نفسي على الصبا المنضورِ
لفَّه الغدر في ظلام القبورِ
فجَعَتْنا عصابة الكفر والإلحاد
والبغي والخنا والفجورِ
قتلوه بغياً ليخفوا سناه
كيف يُخفى سنا الصباح
كتبه / إبراهيم إبراهيم محمد الوكيل