الفتوى (355) :
العربية أقدم اللغات السامية، لكنها آخر اللغات السامية تدوينا (نستثني من ذلك عربية أهل الجنوب الذي دونت بخط المسند ابتداء من حوالي 1800 قبل الميلاد، فهذه أقدم من السريانية بألف سنة على الأقل). فالعربية أقدم من السريانية وغيرها من اللغات السامية أصواتا وصرفا ونحوا ومعجما. لكن ظاهرة الشعوبية المحدثة والشطط الحاصل لدى بعض الكتاب غير المتخصصين يجعلانهم ينسبون ألفاظا عربية تشترك العربية فيها مع السريانية إلى السريانية لأنها أقدم تدوينا من عربية الشمال (عربيتنا الحالية). وأسبقية التدوين لا يقول بها لغوي تجاوز عتبة الأبجدية في علم اللغة المقارن! وأكثر من يقول بها الشعوبيون وبعض الكتاب الذين يكتبون "على البركة" مثل الأب رافائيل نخلة اليسوعي في كتابه (غرائب اللغة العربية) (1)، حيث يرد فيه كل كلمة عربية ذات أصل سامي مشترك إلى السريانية لأنها أقدم تدوينا من العربية .. وهذا مذهب فاسد لأنه يقتضي بالمنطق رد جميع الكلمات السريانية ذات الأصول السامية إلى العبرية لأن العبرية أقدم تدوينا من السريانية. كما يجوز وفقا لذلك المذهب رد العبرية إلى الأوغاريتية لأنها أسبق تدوينا من العبرية، والأوغاريتية إلى الأكادية وهلم جرا. والباحث العربي الذي تفطن إلى هذا الأمر هو اللغوي السرياني الأصل الأب أنستاس ماري الكرملي الذي يقول في هذا الصدد: "ولا تكون الكلمة العربية من العبرية أو الآرامية/السريانية إلا إذا كانت تلك الكلمة خاصة بشؤون بني إرم أو بني إسرائيل. أما الألفاظ العامة المشتركة بين الساميين جميعا، فليس ثم فضل لغة على لغة (2). من قبيل ذلك أخذت العربية عن السريانية كلمات مثل ثالوث وأقنوم وراموز وغير ذلك مما هو مخصوصة بشؤون السريان من حيث هم نصارى.
وعلماء السريان واليهود يقدمون العربية على السريانية والعبرية لقدمها وغنائها وشرفها، لأن البحث العلمي أثبت أن العربية الشمالية – على الرغم من أنها أحدث تدوينا من سائر اللغات الجزيرية – أقدم من سائر اللغات الجزيرية، بما في ذلك الأكادية التي دونت ابتداء من مطلع الألفية الثالية قبل الميلاد. ونستأنس في هذا السياق بقول النحوي السرياني أقليميس يوسف داود، مطران دمشق على السريان في كتابه (اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية) الصادر سنة 1896: "وأشهر اللغات السامية هي العربية والعبرانية والسريانية والحبشية بفروعهن الكثيرة [..] وإنما ذكرنا العربية أولا بين اللغات الجزيرية لأن العربية باعتراف جميع المحققين هي أشرف اللغات السامية من حيث هي لغة وأقدمهن وأغناهن. ومعرفتها لازمة لمن يريد أن يتقن [إتقانا] حسنا معرفة سائر اللغات السامية ولا سيما السريانية(3). ويضيف: "ثم إننا لا نعتقد أن الآرامية هي أقدم اللغات السامية كما زعم قوم، وأقل من ذلك أنها أقدم لغات العالم كما زعم غيرهم بلا بينة ولا أساس. بل نثبت مع العلماء المحققين أن اللغة العربية هي التي تقرب إلى أم اللغات السامية أكثر من أخواتها(4). ويقصد أقليميس يوسف داود بالعلماء المحققين المستشرقين الذين قالوا بهذا الرأي الذي ينقله، وأهمهم في هذا السياق شخولتنز ونولدكة وبرغشتراسر وبروكلمان ورايت ودي لاسي الذين أثبتوا هذه الحقيقة بالدرس المقارن للغات السامية.
___________________________________
(1) غرائب اللغة العربية. المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1959.
(2) الكرملي، الأب أنستاس ماري (1938). نشوء اللغة العربية ونموها واكتمالها. ص 67.
(3) داود، أقليميس يوسف (1896). اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية. الموصل، مطبعة دير الآباء الدومنيكيين. ص 10.
(4) داود، أقليميس يوسف (1896). اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية. الموصل، مطبعة دير الآباء الدومنيكيين. ص 13. يمكن تحميله من الرابط التالي:
http://www.islameyat.com/post_detail...t=23&scat=150&
اللجنة المعنية بالفتوى:
أ.د. عبدالرحمن السليمان
(عضو المجمع)
أ.د. عبدالرحمن بودرع
(نائب رئيس المجمع)
أ.د. عبد العزيز بن علي الحربي
(رئيس المجمع)