نشأة القاعدة النحوية وتطورها
أ.د. عبد الله أحمد جاد الكريم
القاعدة لغةً: القواعد جمع قاعدة، وهي في اللغة: الأساس، فقاعدة كل شيء هي أساسه، ومن ذلك قواعد البيت؛ أي: أسسه.
وهي في الأمور الحسية إلا أنها استعملت في الأمور المعنوية، ومن ذلك قواعد العلوم. والقاعدة: ما يقعد عليه الشيء؛ أي: يستقر ويثبت.
القاعدة اصطلاحًا: بمعنى الضابط، وهي الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته. والقاعدة النحوية قاعدة كلية؛ كالفاعل مرفوع، والمفعول منصوب...إلخ، والقاعدة الكلية يكون معناها حكمًا كليًا ينطبق على جزئيات كثيرة، أو القاعدة: هي قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها، والـذي يظهـر أن القاعدة أكثرية لا كلية. والقاعدة: تعبير عن شيء لاحظه الباحث، وكان عليه أن يصفه بعبارة مختصرة بقدر الإمكان، ويرى السيوطي أن القاعدة تجمع فروعًا من أبواب شتى، وهي "وصف لسلوك معين في تركيب اللغة". وقواعد النحو العربي " قانون لغوي، وهذا القانون اللغوي دستور عربي عام، وهو نتاج جماعي مشترك بين القادرين على الاستقراء والاستنتاج، ثم التقنين والتقعيد، فالأصل في كل علم أن يكون جمعًا لجهود متقاربة مجتمعة على أصل واحد وهدف واحد بعينه، فإذا كانت البصرة سباقةً إلى تقنين العربية فإن للكوفة فضل الإكمال والإتمام في كثير من الأحكام".
وقد بدأت أولى خطوات وضع القواعد النحوية بمرحلة جمع اللغة اعتمد فيها العلماء على السماع شفاهةً من أفواه العرب أنفسهم، فقد حدد اللغويون العرب إطارًا مكانيًا يقبلون منه اللغة، فخصوا أماكن وقبائل بعينها لتوغلها في العروبة والفصاحة وتمكنها؛ كقبائل وسط الجزيرة العربية، وابتعدوا عن اعتماد ما جاء على لسان القبائل الواقعة في أطراف الجزيرة والمتاخمة للفرس أو الروم...إلخ، وحددوا إطارًا زمانيًا ينتهي بنهاية القرن الثاني الهجري للقبائل التي في أطراف الجزيرة العربية، وحتى نهاية القرن الرابع بالنسبة للقبائل الواقعة في وسط الجزيرة العربية.
ثم جاءت بعد ذلك مرحلة فحص وتمحيص المجموع اللغوي، وبدأت خطوات مرحلة وضع القواعد النحوية، فمن المؤكد أن وضع القواعد قد "بدأ متأخرًا عن جمع اللغة؛ لأنه لا يمكن القيام به من دون مادة توضع تحت تصرف النحوي، وذلك لأن تقعيد القواعد ما هـو إلا فحص لمادة لغوية تم جمعها بالفعل ومحاولة تصنيفها واستنباط الأسس والنظريات التي تحكمها"، وبعد أن استقرأ النحاة العرب ما ورد لهم من نصوص اللغة اتخذوا مما كثر شيوعه وزادت نسبة وروده مقياسًا يؤسسون عليه القاعدة، ويستنبطون منه الصحيح المقبول.
ويؤكد كثير من العلماء أن علم النحو العربي " نشأ في العراق في صدر الإسلام لأسبابه نشأةً عربيةً على مقتضى الفطرة، ثم تدرج في النمو والتطور تمشيًا مع سنة الترقي حتى اكتملت أبوابه، غير مقتبس من لغة أخرى لا في نشأته ولا في تدرجه "، كما يؤكد بعضهم أن علم النحو " قد استكمل أسبابه، وأن أسسه قد رسخت، وقواعده قد وضعت، وأهله قد ضربوا في مناكبه، فوصلوا فيه إلى الغاية منه، وقد أفسحوا المجال لمن أتي بعدهم أن ينظم مسائله، ويحدد من شيوعه ويضيف إليه ما يرى أنه جدير بأن يضم إليه، ويدلي برأيه فيما وصل إليه سابقوه، وبالجملة يعمل فكره فيه؛ فهمًا وهضمًا وتوضيحًا وتفريعًا وتنقيحًا".
ومما لا شك فيه أن كل جماعة لغوية لديها رغبة في وجود قاعدة، وإلى جانب هذه الرغبة الجارفة في وجود سلطة مختصة يتخذها أعضاء الجماعة اللغوية قبلتهم وحكمهم في كل ما يعرض لهم من مشكلات لغوية، توجد رغبة اجتماعية أخرى، وهذه هي رغبة السواد الأعظم في وجود قواعد لغوية محددة مختصرة.