الْهُرُوبُ مِنَ السِّيَاسَةِ
قَالَ:
بِرَغْمِ إِيمَانِي بِالْعَمَلِ الثَّقَافِيِّ إِلَّا أَنَّ مَنْصِبَ الْوَزِيرِ ذَاتَهُ لَا مَفَرَّ مِنْ أَنْ يُدْخِلَنِي فِي غَمْرَةِ الْمُشْتَغِلِينَ بِالسِّيَاسَةِ، وَهُمْ فِي كُلِّ بِلَادِ الْعَالَمِ -وَلَيْسَ فِي مِصْرَ وَحْدَهَا- رِجَالٌ ذَوُو اسْتِعْدَادٍ طَبِيعِيٍّ وَطِبَاعٍ خَاصَّةٍ تُمْلِيهَا عَلَيْهِمْ حِرْفَةُ السِّيَاسَةِ، وَأَنَا عَلَى طَبْعٍ مُغَايِرٍ. فَحِينَ انْضَمَمْتُ إِلَى الضُّبَّاطِ الْأَحْرَارِ، كُنْتُ أَحْمِلُ بَيْنَ جَوَانِحِي شُعُورًا عَامًّا لِتَحْرِيرِ الْوَطَنِ وَالشَّعْبِ، دُونَ تَفْكِيرٍ فِي أَنْ أَزُجَّ بِنَفْسِي فِي غَمْرَةِ السِّيَاسَةِ؛ وَلِهَذَا وَبَعْدَ نَجَاحِ الثَّوْرَةِ تَنَازَلْتُ طَوَاعِيَةً عَنْ مَكَانِي الَّذِي عَرَضَهُ عَلَيَّ جَمَالْ عَبْدِ النَّاصِرْ فِي مَجْلِسِ قِيَادَةِ الثَّوْرَةِ لِزَمِيلٍ كَرِيمٍ فَاضِلٍ لِأَسْبَابٍ ذَكَرْتُهَا قَبْلُ، مُبْتَعِدًا بِنَفْسِي عَنْ تَيَّارَاتِ السِّيَاسَةِ وَاضِعًا نُصْبَ عَيْنَيَّ أَنْ أُقَدِّمَ لِوَطَنِي مَا تَسْمَحُ بِهِ إِمْكَانَاتِي. وَكَانَ تَعَطُّشِي إِلَى الْمَعْرِفَةِ يَجْعَلُ الْكِتَابَ أَقْرَبَ رَفِيقٍ لِي، كَمَا كَانَ وَلَعِي بِالْمُوسِيقَى يَشُدُّنِي إِلَى مَوَاطِنِ النَّغَمِ! وَهَكَذَا كَانَتْ هِوَايَاتِي الْفَنِّيَّةُ تَسْتَحْوِذُ عَلَى أَوْقَاتِ فَرَاغِي كُلِّهِ، فَتَنْأَى بِي عَنْ أَنْ أُشَارِكَ فِي جَلَسَاتِ الدَّرْدَشَةِ، مِمَّا خَالَ الْبَعْضُ مَعَهُ أَنَّ بِي تَبَاعُدًا أَوْ تَعَالِيًا، وَمَا كَانَ هَذَا حَقًّا، بَلْ هِيَ رَغْبَةٌ مُلِحَّةٌ فِي مُطَالَعَةِ كِتَابٍ جَدِيدٍ أَوْ سَمَاعِ لَحْنٍ شَجِيٍّ!
قُلْتُ:
عجبا لك! أبعد ذلك كله تنكر السياسة!
فَتْحِي رِضْوَانْ
قَالَ:
كَانَ هَذَا بِفَضْلِ الْمُثَقَّفِينَ الَّذِينَ اسْتَعَنْتُ بِهِمْ وَالَّذِينَ هَيَّأَتْهُمُ النَّهْضَةُ الْفِكْرِيَّةُ الَّتِي بَدَأَتْ مَعَ مَطَالِعِ الْعِشْرِينِيَّاتِ، وَبِالِاسْتِئْنَاسِ بِجُهُودِ أُسْتَاذِنَا النَّابِهِ فَتْحِي رِضْوَانَ الَّذِي حَقَّقَتْ وَزَارَةُ الثَّقَافَةِ وَالْإِرْشَادِ الْقَوْمِيِّ فِي عَهْدِهِ إِنْجَازَاتٍ فَنِّيَّةً عَظِيمَةً فِيهَا الْجِدَّةُ وَالِابْتِكَارُ، وَأَرْسَتْ أُسُسًا لِلْفُنُونِ عَلَى قَاعِدَةٍ صَحِيحَةٍ، بِالرَّغْمِ مِنْ قِصَرِ الْمُدَّةِ الَّتِي تَوَلَّى خِلَالَهَا مَسْؤُولِيَّتَهَا الْجَدِيدَةَ.
قُلْتُ:
يا سلام!
إِنَّمَا يَعْرِفُ ذَا الْفَضْلِ مِنَ النَّاسِ ذَوُوهُ!
لا بد لمن عاش في مجلس أستاذنا شاكر -رحمه الله!- على ذكراه الطيبة، من أن يكون كذلك! وكان فتحي رضوان وزير الثقافة قبل ثروة عكاشة، أي مع الثورة.
مُمْكِنُ الْعَالَمِيَّةِ وَمُسْتَحِيلُهَا
قَالَ:
لَنْ يُكْتَبَ لِثَقَافَةٍ رَفِيعَةٍ النَّجَاحُ إِلَّا إِذَا حَرَصَتْ عَلَى أَنْ تَجْنِيَ أَنْضَجَ الثِّمَارِ الثَّقَافِيَّةِ وَالْفَنِّيَّةِ وَالتِّكْنُولُوجِيَّةِ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَاكَ؛ فَنَحْنُ لَمْ نَرَ مِنْ قَبْلُ ظَاهِرَةَ عَالَمِيَّةِ الْفَنِّ تَتَجَلَّى بِمِثْلِ مَا نَرَاهُ حِينَ نُشَاهِدُ عَبْقَرِيَّةَ شَاعِرٍ مَسْرَحِيٍّ فَذٍّ مِثْلِ شِكِسْبِيرَ الْإِنْجِلِيزِيِّ، تَجْتَمِعُ مَعَهَا مَوَاهِبُ مُوسِيقِيٍّ عِمْلَاقٍ مِثْلِ فِرْدِي الْإِيطَالِيِّ لِيَخْلُقَ مِنْهَا أُوبِرَا مِثْلَ عُطَيْلَ، يِتَضَافَرُ عَلَى الْعَزْفِ لَهَا أُورْكِسْتِرَا فَرَنْسِيٌّ يَقُودُهُ مَايِسْتُرُو مِنَ الْيَابَانِ، وَيُصَمِّمُ مَنَاظِرَهَا فَنَّانٌ مِنْ إِسْبَانْيَا، وَيَعْطِفُ عَلَى الْأَدْوَارِ الْغِنَائِيَّةِ الرَّئِيسِيَّةِ فِيهَا مُغَنُّونَ مِنْ أَمْرِيكَا وَأَلْمَانْيَا وَإِيطَالْيَا، وَيَقُومُ بِالْأَدْوَارِ الرَّاقِصَةِ بَالِيرِينَاتٌ مِنَ السُّوِيدِ وَالدَّانْمَرْكِ وَرَاقِصُونَ مِنْ رُوسْيَا بَلْ وَمِنْ مِصْرَ... -أَجَلْ مِنْ مِصْرَ!- وَمِنْ خِرِّيجِي مَعْهَدِ الْبَالِيْهِ بِأَكَادِيمِيَّةِ الْفُنُونِ الْمِصْرِيَّةِ بِالْجِيزَةِ؛ فَيَسْتَهْوِي نُفُوسَ الْمُشَاهِدِينَ غَرْبًا وَشَرْقًا بِنَفْسِ الشَّجَنِ وَالِانْبِهَارِ! إِنَّ الْإِنْسَانِيَّةَ لَمْ تَشْهَدْ مِنْ قَبْلُ أَبْدًا، مِثْلَ هَذِهِ الْإِمْكَانَاتِ لِتَحْقِيقِ أَحْلَامٍ لَمْ تَكُنْ لِتَتَحَقَّقَ إِلَّا فِي الْخَيَالِ الَّذِي لَا يُعَشِّشُ إِلَّا فِي وُجْدَانِ الطُّفُولَةِ النَّقِيَّةِ؛ فَالْجَمَالُ طَلِيقٌ لَا يَحُدُّه مَكَانٌ، وَلَا يُحِيطُ بِهِ زَمَانٌ!
قُلْتُ:
لكن ألا يمكن أن تنطلق هذه العالمية من ثقافتنا العربية الإسلامية! أم دون ذلك حقد وكيد، وذكريات عروش تزلزلت وكؤوس انكفأت!