السائل (عبدالحميد حسن): أريد أن تدلّني على تفسير مختصر أبدأ به ثم تفسير آخر، وبعد ذلك تفسير كبير أستغني به عن كل التفاسير.
الفتوى 159: اعلم أن آلة التفسير هي معرفتك باللغة، وفهم يهبه الله لك، هذا أمر سئمت من تكراره والقول بأنه هو الذي كان لدى الجيل الأول، وأما أسباب النزول فأمرها يسير، وكثير منها لا يصح، وكذلك النّسخ آياته التي تثبت دعوى النسخ فيها معدودة، والادّعاء بأن آية السيف نسخت كل آي العفو والصفح والسلام زعم مردود لا يقوله الراسخون في العلم الذين يعلمون كلام الله، محكَمَه ومتشابهه، وتحصيل ذلك كله سهل.
وقد سمعت أحد الأساتذة بالأمس يقول: إن المفسّر يحتاج إلى أن يتعلم خمسين علماً، فليت شعري ما هذه العلوم، فإن علوم الإسلام كلها لا تبلغ ذلك العدد، إلا أن يكون قصد بذلك أبواب علوم القرآن وجعل كلَّ بابٍ علما، وما أظنها تبلغ الخمسين.
فعليك -يا عبدالحميد-بالعربية، نحوها وصرفها وبلاغتها وألفاظها ودلالاتها، وستجد ما تريد بعد ذلك داني الظلال، مذلّل القطوف.
ثم إذا أحببت أن تتدرَّج في التفسير، فطالع الجلالين، فإنه مع اختصاره يفسر الحروف والكلمات، ويشير إلى سبب النزول، ثم تفسير ابن كثير، وهو تفسير سهل، بالقرآن والأثر، ويخلو من شوائب التأويلات الباطلة المنكرة، وإن جنحت بعد ذلك إلى تفسير الزمخشري فلا جناح عليك، ولا تسمع إلى قول المخذلين الذين ينهون عنه وينأون عنه ما دمت قد أشربت الاعتقاد الحق، ومحال أن ينحرف عن عقيدة السلف من علقت بذهنه، وأشربها قلبه، فتفسيره هو الأول في بابه وأكثر التفاسير من بعده تأخذ منه، وعدّه ابن عاشور مجدّدا من المجدّدين.
وأقرب منه تفسير النسفي، وتفسير الماوردي، أو زاد الميسر، ثم القرطبي.
ثم لا تقف بعد ذلك عند تفسير، وأعمل التفكير، فلعلك تصل إلى مالم تجده في المطولات، وفي حواشي الكشاف والبيضاوي -وما أكثرها-لطائف وفوائد ودقائق لا تجدها في غيرها، بما يزيدك يقيناً وإيمانا وتسليما بأن كتاب الله عجائبه لا تنقضي، وغرائبه لا تنتهي.