دمل / دبل / ذبل / زبل / زنبل / دمن / دمر
جاء في اللسان أن الدُّبلَة تُصَغّر على دُبَيْلة، وهي خُرّاج ودُمّل كبير، تظهر في الجوف لتقتل صاحبها غالباً. وبذا تلتقي مادتا : دبل، ودمل، على معنى واحد، وهو : الدمّل. وقد انتقلت دلالة ذلك إلى المرض الخطير والداهية، فقيل: الدّبْل: الداهية، ودبلتْهم دُبَيْلة أي هلكوا، بالدال والذال، والدَّبْل: الطاعون. كما انتقل المعنى إلى الهوان، فقيل: دِبْل دابل بالدال غير المعجمة، وقيل ذِبْل ذابل بالذال المعجمة، وهي لهجة تبادلت فيها الدال مع الذال، وهو نوع من التخلص من انفجاريّة الدال عند من يحيلونها ذالاً، أو نوع من التراجع عن مخرج الذال اللسانيّة الأسنانية إلى مخرج الدال. والظاهرتان معروفتان عربيّاً وساميّاً.
وقد دلت المواد : دبل ودمل ودمن على الزّبل، أو السماد، والجامع بين هذه وتلك، التغطية والدفن، فالدَّبال : السِّرجَين (أي : الزبل)، ودَبَلْت الأرض ودَمَلتها بالمعنى نفسه، أي دفنت فيها السماد أو أصلحتها بالزبل، وقال ابن منظور "دَمَنْتُ الأرض مثل دملتها" وقيل في الدَّمان بالنون : الدَّمال باللام، وقيل: الدَّمار بالراء، وكلها بالمعنى نفسه. وعلى هذا التقت المواد : دبل، وذبل، وزبل، ودمل، ودمن، ودمر.
إن تبادل هذه الأصوات الدال والذال والزاي ظاهرة تعرفها العربيّة واللغات الساميّة، ومن أمثلة تبادل الذال والزاي الزَّوْح والذوح أي السَّوق الشديد وزبرت الكتاب وذبرته : قرأته. ومن أمثلة تبادل هذه الأصوات في اللغات الساميّة، أن كلمة : ذَنَب، بالذال المعجمة قد قابلتها في الآراميّة وهي في كل من العبريّة و الحبشيّة zنnنb بالزاي وقد يكون منشأ هذه الظاهرة اختلافاً لهجيّاً، أو إعاقة نطقيّة. أمّا تبادل الباء والميم فكثير، وهنا يبرز أثر الظاهرة المرضية في الباء والميم، حين لا يخرج الهواء بوضوح من الأنف حتى في الحالة الفردية، حين يكون المرء مصاباً ببعض عوارض الطقس المعروفة. ويبدو أن العلاقة قائمة بين الدُّمّل، وتسمية الأبرص بالأَذْمل. وأمّا اللام والنون والميم فتبادلها معروف.
إن هذا القدر المشترك من معاني هذه المفردات يعود إلى التباين اللهجي، ولا سيما أن الأصوات التي مايزت بينها تتبادل في العادة. وقد تكون الإعاقة المرضيّة كما رأينا في دبل ودمل، سبباً من الأسباب، حتى في مراحل البيئة اللهجيّة الواحدة.
لقد احتفظت كل مادة من هذه المواد بالقدر المشترك الذي يعود بها إلى توحدها في أصل تاريخي واحد، ثم أخذت كل منها تنمو على نحو مستقل، فكان لها ما يميّز حياتها، بل لقد حدث في حياة الكلمة في مسارها الخاص تمايز كبير، وصل بها من النقيض إلى النقيض، فمن مكتسبات الذَّمل الدلالة على الخِسَة، والدلالة على الرحمة والرفق، والدلالة على الجِزْية أيضاً.
وربما كشفت المقابلة بين العربيّة وبعض اللّغات الساميّة عن توسع آخر في الاشتقاق، فقد رأينا في العربيّة أن الدَّبْل : الطاعون والبلاء والداهيّة، وقد وردت بالرّاء: الدّبار بمعنى الهلاك والدَّبَرة : القُرحة، وأما في العبريّة فقد وردت deberدالة على الطاعون والوباء، وفي الأكاديّة dibiru بالراء وتعني البلاء والداهية. كما وردت domen دالة على الزبل في العبريّة.
ولم تخف على ابن منظور العلاقة بين مادتي : زبل وزنبل، بدليل أنّه كرّر في : زنبل المعاني التي وردت عليها، في : زبل. وقال في زنبل: "والزَّنْبيل والزِّنبيل، لغة في : الزبيل" وحدّ معناها في زبل، إذ هي الجِراب أو القُفّة. وذكر الجوهري في مادة : زبل شكلين للكلمة : زِبِّيل، وزِنْبيل وقد جاءت هذه المادة الأكاديّة دالة على الحَمْل ومن أشكالها المشدّدة وتعني السلّة أو القُفّة التي يُحمل بها، وكل هذا دالّ على ارتباط وثيق بمفهوم الزِّبْل، وهو الروث لأنه يُحمل بالزِّبيل والزِّنْبيل، وقد دلت كلمة على الحَمْل، ومنها على الحمّال الذي يمتهن الحَمْل كما دلت على وعاء الحَمْل في السريانيّة.
دود / ذود
استعملت مِذْوَد في العربيّة الفصحى بالذّال المعجمة، وهي تعني مِعْلف الدوابّ، وقد استعملت هذه اللفظة في العاميّات بالدال المعجمة والمهملة، بالمعنى نفسه. وأحسب أن الدال المهملة كانت بتأثير من اللغات الساميّة كالسريانية والعبريّة. وقد استعملت هذه اللفظة في الأكاديّة بمعنى الحّلَّة، والزَّبْديّة، وقد وردت هذه اللفظة بالعبريّة بمعنى المِرْجل أو الوعاء الكبير تحفظ به السوائل، وقد استعملت أيضاً بمعنى السّلّة.
(34)
دور / دهر/تور/طور
تدل مادة دور على الدوران والاستدارة، ومن ذلك البيت المستدير، والدُّوار يصيب الرأس، ودائرة السوء... وقد جاء من هذه المادة ما دلّ على الدهر، فالدوّاري الدهر الدائر بالإنسان أحوالاً، والدهر دَوّار بالإنسان ودَواريّ، أي دائر به.
والسؤال : هل من علاقة اشتقاقية بين الدهر، و : دور، بعد أن رأينا العلاقة المعنوية واضحة.
لقد هُمِزت بعض مشتقات دور، فجَمْع دار أدْوُر، وأدؤر. قال الجوهري في همزة : أدؤر" الهمزة فيه مبدلة من واو مضمومة. ولك أن لا تهمز".
ويقال : دائرة، وديرة.
فاحتمال قلب الهمزة هاء، عند من يقلبها همزة، أمر وارد، وعلى هذا، قد تكون دور أصلاً لـ: دهر.
ومما يؤكد عودة الدهر إلى دور في اللغات الساميّة أن الأكاديّة جاءت فيها فدلت على الاستدارة وعلى الدهر، وهي في الآرامية القديمة وفي السريانيّة و وقد دلت على المنزل لاستدارته، ودلت على الأبدية في الأكادية. وفي العبريّة دلت على الزمن أو العصر كما دلت و على المكان أو السكن لاستدارته، وربما كانت كلمة (تارة) وكلمة (طَور) على علاقة أصليّة بدار يدور مع تبادل الدال مع التاء والطاء، إذ الطور يدل على الحقبة الزمنيّة ، وكذلك التارة.
دنس / دسم / سمد / ثدن / ثدم
جاء في تعريف الدَّسم أنه الدَّنَس والوَضَر، والثياب الدُّسم: الوسخة، وقد انتقلت هذه الدلالة من الحسي إلى المعنويّ، فقيل للرجل إذا تدنس بمذام الأخلاق: إنه لدسِمُ الثوب.
وجاء في مادة دنس: الدَّنَس في الثياب لَطَخُ الوسخ ونحوه حتى في الأخلاق".
وقد وردت هذه المادة في بعض اللغات الساميّة من مادة د ش ن ففي العبريّة وتعني: الدهن، والدسم، والسماد.
فالدسم تقابله في العبريّة بتبادل النون والميم الأنفيتين. وأما النون في دنس فهي على الأصل مع القلب المكاني دسن دنس. وقد جاءت هذه المادة في الأكادية بالميم ، ولا يستبعد أن تكون سمد، ومنها السماد على علاقة بذلك، مع القلب المكاني لـ: دسم ¬ سمد.