قراءة جديدة لمصطلح "قهر الرجال"
أ.د. عبدالرحمن بودرع
الاستعاذةُ - في الحَديث النبوي - من "قَهْر الرِّجال" مُتعيِّنةٌ لأنّ الواقعَ يشهدُ أنّ من أشدِّ أنواعِ الظُّلم قَهْرَ الرجال.
قُرنَ قَهرُ الرجالِ بمصائبَ أخرى تتردَّدُ على بَني آدَم، منها الجُبْنُ والبُخلُ والهَمُّ والحَزَنُ وغَلَبَةُ الدَّيْن.
فُسِّرَ قهرُ الرجالِ تَفسيراتٍ مختلفةً منها جَورُ السُّلطة، ومنها غَلَبَةُ الرجالِ وشدّةُ تسلُّطِهم قاله صاحبُ عَون المَعْبود، ومنها تسلُّطُ الرِّجالِ كَاسْتِيلَاءِ الرَّعَاعِ هَرَجًا وَمَرَجًا (قالَه صاحبُ تُحفة الأحوَذيّ).
ولقهرِ الرجالِ وطأةٌ شديدةٌ على النفسِ ومن ذلكَ أن يَقهرَ الإنسانُ غيرَه ضربا جسديا أو قهرا صوتيا إذا رفع صوتَه عليه ولم يتركْ له فرصةً لحديثٍ، فيجدُه يملأ الفضاءَ صراخاً أو يتكلَّمُ بصوتٍ عالٍ كأنه عندما يصرخُ يملأ نفسَ مُخاطَبِه تَرويعاً ورهبةً من حيثُ يَشعُرُ أو لا يشعرُ، فيُضطرُّ المَقهورُ بالصوت إلى الصمتِ، وإلى التسليمِ للقاهرِ حتّى يَظفرَ من غنيمةِ الحوارِ بإنهائه والإيابِ سَليما.
ومن القهرِ السُّخريةُ والاستهزاءُ بالقولِ أو الإشارةِ أو التصويرِ، وذلكَ أدعى لِبَثِّ مشاعرِ الهزيمَةِ في نفسِ المَقْهورِ.
ومن القَهرِ أكلُ أموالِ اليَتامى والضُّعَفاءِ والأراملِ بغيرِ حقٍّ، ومن القَهرِ أكلُ القاهرِ أموالَ الشعبِ المُؤتَمَنِ عليْها، واختلاسها وقضاءِ مَصالحِ الناسِ بالمُقابِلِ وبالشروط الماليّةِ الثَّقيلَة، ومن القَهرِ سُكوتُ ذوي الحلِّ والعَقْد على أكَلَةِ أموالِ الناسِ بالباطلِ وعدمُ تَحريكِ الساكنِ بعدَ صدورِ تقاريرِ مجالسِ الحساباتِ والمُحاسباتِ وعدمِ مُعاقبةِ الأكَلَةِ بالحَبْسِ والتغريمِ وتقديمِهم للمُحاكَمَة حَتّى يعتبرَ المسؤولونَ الصاعدون. ومن القهرِ قهرُ الدولِ العُظمى للضعيفَةِ ودولِ الاحتلالِ القديمةِ للمُستعمَراتِ القَديمَة، باستغلالِ خيراتها واستعبادِ مُهاجريها بالسخرَة والقَهرِ ورخْص ثَمن الأعمال.
المصدر