اللغة من الطفولة.. حين تتقدم الهوية بخُطا واثقة
د. علي بن تميم *
من بين القرارات التي لا تقف عند حدود الجداول المدرسية، بل تنفذ إلى عمق المشروع الحضاري للأمم، يبرز القرار الذي اتّخذته وزارة التربية والتعليم في دولة الإمارات بإلزام المدارس الخاصة بتدريس اللغة العربية، والتربية الإسلامية، والمفاهيم الاجتماعية في مرحلة رياض الأطفال، بوصفه فعلًا تربويًّا متقدمًا يستند إلى رؤية ثقافية شاملة ترى أن البناء الحقيقي يبدأ من الطفولة، وأن اللغة ليست أداة تعليم، بل نواة وجود وهوية.
فاللغة، في جوهرها، ليست ترفًا مدرسيًّا، ولا تمارين قواعد، بل هي الوعاء الأول الذي يتشكّل فيه الوعي، وتتكوّن داخله علاقات الإنسان بمحيطه، وبالزمن، وبذاته. من هنا، فإن تخصيص 300 دقيقة أسبوعيًّا لتعليم اللغة العربية في مرحلة الطفولة المبكرة، وصولًا إلى العام الدراسي 2027 - 2028، لا يمكن قراءته بوصفه زيادة كمّيّة فحسب، بل يجب فهمه باعتباره تأسيسًا عميقًا لمنظومة تربوية جديدة، تنظر إلى اللغة باعتبارها قلب العملية التعليمية وروحها.
وقد أحسن القرار حين ربط تعليم العربية بتجربة الطفل اليومية، ودمجها بالجغرافيا، والأسرة، والتاريخ المحلي، في سياقٍ تفاعُليّ حيّ، يجعل اللغة حاضرةً لا بوصفها مادة دراسية منفصلة، بل كجزء من تكوين الطفل الحسي والوجداني والإدراكي. وهنا يكمن جوهر الفعل الحضاري: أن تكون اللغة مشهدًا يوميًّا، لا مناسبة احتفالية عابرة؛ أن تكون هي الوسيط الذي يرى الطفل من خلاله العالم، ويعبّر به عن نفسه، وينتمي عبره إلى مجتمعه.
لقد أدركت القيادة الإماراتية، وعلى رأسها سمو الشيخ محمد بن زايد، حفظه الله، منذ وقت مبكّر، أن النهضة لا تقوم على الاقتصاد وحده، بل على الثقافة أوّلًا، وأن اللغة ليست مجرد رصيد تراثي، بل هي رهان مستقبلي. فمجتمع لا يعرف لغته، لا يمكنه أن يبني ذاته، ولا أن يدير علاقته بالعالم بثقة. ومن هنا، فإن هذا القرار يعكس استشعار القيادة العميق لأهمية ترسيخ الانتماء الثقافي واللغوي منذ اللحظة الأولى في عمر الإنسان.
إن الدول التي أدركت أهمية الطفولة في صياغة المستقبل، كانت على وعي بأن اللغة الأم لا تُؤجَّل، بل تُمنح للطفل كما يُمنح الهواء والماء. في الصين، وفي كوريا، وفي فنلندا، لم يكن التعليم المبكر ممكنًا من دون تربة لغوية صُلبة. وفي كل هذه التجارب، كانت البداية من الطفولة، حيث تصاغ الحكايات الأولى، وتُبنى ذاكرة الإنسان اللغوية والثقافية، لا بالحشو والتلقين، بل بالحب والاكتشاف والمتعة.
ولا يمكننا في هذا السياق أن نغفل الدور الجوهري الذي تضطلع به الأسرة، بوصفها الشريك الأول في تشكيل علاقة الطفل بلغته. فاللغة التي تُقرأ في البيت، وتُتداول في الحديث اليومي، وتُغنى في الأناشيد، وتُروى في الحكايات، هي اللغة التي تَرسَخ في القلب قبل العقل. ومن هنا، فإن نجاح هذا القرار مرهون أيضًا بإحياء الثقافة الأسرية التي تؤمن بأن اللغة ليست شأنَ المدرسة وحدها، بل مشروع جماعي تشترك فيه كل أطراف المجتمع.
ولعل من أبرز ما يميز هذه المبادرة الإماراتية أنها لا تفصل بين اللغة والهوية والقيم. فقد جاء القرار متكاملًا، إذ نَصّ على تدريس التربية الإسلامية، وغرس المفاهيم الاجتماعية، ضمن بنية تعليمية تراعي سِنّ الطفل، وتدمج المعرفة بالقيم، والتعليم باللعب، والمعلومة بالانتماء. وهذا ما يجعل من التجربة الإماراتية نموذجًا يستحق التوقف: نموذج يرى أن تعليم اللغة ليس فعلًا تقنيًّا، بل فعل انتماء ومسؤولية حضارية.
إن قرارًا بهذا العمق لا يمكن أن يُتَرجَم إلى واقع من دون شراكات مؤسسية متكاملة، تضع على عاتقها تطوير المحتوى، وتأهيل المعلم، وبناء مناهج تُقدِّم العربية للطفل بلغة يحبها ويقبل عليها. وهنا يأتي دور المؤسسات الثقافية في الدولة، وفي طليعتها مركز أبوظبي للغة العربية، الذي يواصل جهوده في إنتاج المعارف، وتصميم البرامج، وبناء الشراكات، بوصفه ذراعًا وطنية تعزّز حضور اللغة في المجالين التعليمي والثقافي معًا، وتدفع باتجاه جعل اللغة العربية لغة حياة لا حصة تعليم.
وما نحتاجه اليوم هو أن نحمي هذه الخطوة الطموحة من أن تتحول إلى إجراء شكلي، أو عبء إداري، وأن نمنحها الحياة التي تستحقها. فليست المسألة مسألة حصّة مدرسية، بل مشروع لغوي واجتماعي يراد له أن يُعيد ترتيب علاقة الأجيال المقبلة بلغتها، وبهويتها، وبالفضاء الذي تعيش فيه.
إن تعليم اللغة العربية للأطفال ليس فعل تحصين فقط، بل فعل تمكين. تمكين من التفكير، من التعبير، من الحلم، من المشاركة. الطفل الذي يتقن لغته، يكون أكثر ثقة في ذاته، وأكثر وعيًا بمن حوله، وأكثر قدرة على التواصل مع العالم من موقع راسخ. واللغة، حين تُغرس في الوجدان في لحظة التكوين الأولى، لا تغادره، بل تظل رفيقته في الطريق.
وهكذا، فإن الإمارات، بهذا القرار، تؤكّد مرّةً أخرى أن مشروعها التنموي لا ينفصل عن مشروعها الثقافي، وأن التعليم فيها ليس مدخلًا للمعرفة فقط، بل للهوية أيضًا. وهذه فلسفة تستحقّ أن تُحتذى، لأنها تضع الإنسان في قلب السياسات، وتعيد الاعتبار للغة كمرآة للذات، وكجسر نحو المستقبل.
.....
* رئيس مركز أبوظبي للغة العربية
الأمين العام لجائزة الشيخ زايد للكتاب
المصدر