الرؤية والتشكيل في كتاب الدكتور أنور الشعر «جماليات النص الشعري»
محمد المشايخ
بعيدا عن الكتب التي تستعرض المدارس والمذاهب النقدية القديمة والمعاصرة، يُقدّم الدكتور أنور الشعر (وهو الشاعر والناقد والروائي والأكاديمي) في كتابه (جماليات النص الشعري: دراسات في الشعر الأردني المعاصر)، يُقدّم دروسا نقدية لنخبة النخبة من قرائه، ليستزيدوا رغم ما امتلكوه من أدوات ومعارف في الأبحاث والدراسات والقراءات النقدية، وليطالعوا نماذج تطبيقية تتغلغل في أعماق النصوص الشعرية، وتقوم بتأويلها وتحليلها، وإبراز ما فيها من معانٍ وجماليات لم ينتبه لها حتى الشعراء الذين أبدعوها، وعند كل محطة نقدية، كان أ.د.أنور يزيد المتلقين من علمه ومعرفته بالنقد ما يبعث على الدهشة، وما يدعو إلى السموّ والارتقاء إلى مراتب أدبية تمناها المؤلف للوسط الأدبي والنقدي العربي، الذي كانت إصداراته النقدية في طليعة مراجعه.
حمل الفصل الأول في الكتاب عنوان»تجليات المدينة في شعر أ. د. إبراهيم الكوفحي»، وتوقف فيه عند رؤية الشاعر للمدينة عامة، باعتبارها مصدرا للتهديد والخطر، ولما فيها من اضطهاد للإنسان، ومن زيف ودجل، وغربة، وجوع ودمار، ثم توقف عند تجليات مدن محددة وهي:اربد، عمان، القدس، البتراء، مكة، غزة..وعند كل عنوان من هذه العناوين الفرعية، أبرز الناقد د.أنور الشعر ما يتحلى به من ثقافة موسوعية، ومن قدرة على مغادرة القفص الأكاديمي، ليبوح بما توحي به قصائد الشاعر أ. د. إبراهيم الكوفحي، وليغوص في أعماقها اللغوية والنحوية والبلاغية والصرفية والعروضية، وإن كان المقام هنا لا يحتمل التوقف عند أدق التفاصيل النقدية التي أبداها العلاّمة أ.د.أنور الشعر في هذا الفصل، فيكفي أن أشير موقف نقدي مهم، أورده ردا على سؤال افتراضي هو:هل من مسوّغ فني للانتقال من نمط الشعر العمودي إلى نمط شعر التفعيلة في القصيدة نفسها، حيث قال:أجل، فقد تحدث الشاعر في الفقرة الأولى من قصيدته التي جاءت على مشطور الرجز عن إنسان هذه المدائن وسماته وتصرفاته، أما الفقرة الثانية من القصيدة التي جاءت على شعر التفعيلة فقد قدم فيها الشاعر صورتين عن المدائن، صورة زائفة تبدو مشرقة، والثانية صورة قاتمة كل ما فيها يوحي بالقسوة، وأضاف إن هذا الانتقال من موضوع إلى موضوع شكل مسوغا لانتقال الشاعر من نظام شعر الشطرين إلى نظام شعر التفعيلة.
ورغم أن الناقد د.أنور الشعر، أراح كل من سيكتب عن سفره النقدي، حين أورد في مقدمة كتابه، وفي خاتمة الكتاب وفصوله، أبرز النتائج التي توصل إليها، إلا أن هذا التواضع النقدي لا يغني مطالعة إبداعه النقدي في صفحات الكتاب، ولا سيما المادة النقدية الدسمة التي قدمها في فصله الثاني الذي حمل عنوان(جماليات التعبير الفني في المجموعة الشعرية(«هذا أنا المجنون..قال»للشاعر عبد الله رضوان)، فثمة مقدمة، وتوقف عند عتبات النص: «سيمياء العنوان والإهداء»، وعند الثنائيات غير الضدية، وثنائية الحبيبة/ الوطن، ثم الثنائيات الضدية، وثنائية الحضور والغياب، وثنائية الحلم والحقيقة، ثم توقف عند التقنيات الفنية ومنها الأسطورة، والصور الفنية، وتوقف أكثر عند الأساليب اللغوية والبلاغية، ومنها التكرار، والحذف، والتشخيص، والاستعارة والانزياحات اللغوية، ولأن المقام لا يتسع عنا لإيراد أدق التفاصيل، فسأكتفي إلى إشارة د.أنور إلى استخدام الشاعر رضوان لأسلوب الالتفات، وهو التحول من ضمير المخاطب إلى ضمير الغائب، أو العكس، وهو قيمة أسلوبية جديدة لها أهميتها وجمالياتها، وتتسق مع عادة الناس في افتتانهم في الكلام وتصرفهم فيه ولأن الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب، كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع وإيقاظا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد.
وتوقف الناقد د.أنور الشعر في الفصل الثالث من كتابه عند»الزمن المهيمن في الشعر الأردني المعاصر»: ديوان «أزرق مما أظن» للشاعر علي الفاعوري أنموذجا)، وأورد فيه مقدمة، تلتها وقفات نقدية عند توظيف الزمن الماضي، ثم الزمن الخاص، ثم الزمن المستقبل، ثم الزمنين الداخلي والخارجي، ورغم ما في هذا الفصل من تجليات نقدية تـُثري ثقافة الناقد وتـُقدم له دروسا نقدية جديدة لم يُطلعه عليها غير العلاّمة أ.د.أنور الشعر من النقاد، ومن ذلك تلك اللفتات النقدية المقترنة بالإحصاءات الجميلة والجديدة، والتي يذكر فيها كم مرة استخدم الشاعر حرفا، أو كرر فعلا أو اسما، ودور ذلك كله في إثراء القصيدة، ليخلص إلى نتائج منها: أن الشاعر الفاعوري استخدم(السين) الدالة على المستقبل القريب77مرة، بينما وظف كلمة(سوف) الدالة على المستقبل البعيد مرتين في هذه المجموعة الشعرية، ودلالة ذلك أن الشاعر كان مستغرقا في المستقبل القريب، متناسيا أو مؤجلا النظر في المستقبل البعيد، لأن فيه فسحة من الزمن أوسع مما هي في المستقبل القريب.
الفصل الرابع من الكتاب حمل عنوان: (النزعة الإنسانية في شعر الشاعرة «مريم الصيفي»)، واشتمل على مقدمة، ودراسات توضح معنى ومفهوم «النزعة الإنسانية»، ثم ملامحها في شعر الشاعرة مريم الصيفي ولا سيما حب الوطن والعمل من أجله، ثم الدعوة إلى الحرية والعدالة والمساواة، ثم تصوير حياة الغربة والمنافي والحنين للوطن والحلم، وبلغت تجلياته النقدية أوجها، عندما أورد دلالة كل حرف أو كلمة استخدمتها الشاعرة في قصائدها من وذلك قوله: (وظفت الشاعرة في هذا المقطع بعض الكلمات الوظيفية من مثل»لكنّ» الدالة على الاستدراك، و»كم» الدالة على التكثير، للدلالة على كثرة العقول المتحجرة والأسيرة للغربيين، وكلمة «أو» الدالة على التخيير، لتدين الخيارات المتاحة للغربيين في التعامل مع الأمة العربية وهي اللين، وإن لم يُجد فالعنف سيد الموقف).
وحمل الفصل الأخير من الكتاب عنوان: (ثنائية الوطن والمنفى في شعر نضال القاسم)، مبتدئا بمقدمة، ثم بدراسات نقدية حول الوطن والمنفى في شعره، وخلال دراسته النقدية المهمة حول دواوين نضال القاسم، أوضح د.أنور، أن القاسم يستخدم الصور الشعرية المركبة من عدة عناصر:الصوت واللون والحركة، وأنه يستدعي العناصر التاريخية للأمة، ومن ذلك تقنية فنية لتخصيب النصوص وللاستقواء على الظرف الراهن للأمة بما فيه من ضعف، وانقسام، وهوان، وأن القاسم نجح في التوفيق بين الشكل الفني وبين الموضوع، أو بين الرؤية والتشكيل، إذ جاء التغيير الفني للفقرات الشعرية وفق مسوغات موضوعية.
يفتح العلاّمة أنور الشعر في هذا الكتاب باب النقد على مصراعيه، الأمر الذي أثار شهيتنا لمطالعة المزيد من دراساته النقدية المهمة حوله حول دواوين شعراء الأردن كافة، وإذا ما أعطينا القوس لباريها، فإنه بالتأكيد سيقدم لنا ما يُعلمنا وما يدهشنا، وما ينصف شعراءنا.
جريدة الدستور