بلاغة العصر (البلاغة التكوينية) نهج النقد الثقافي
أ.د. عبد القادر الرباعي
أتابع منذ مدة قراءات عن بلاغة معاصرة عنوانها ( البلاغة التكوينية )، وتسمى عند بعضهم بالتأسيسية. وسأبدأ بإبراز المرتكزات الأساسية لهذه البلاغة – بلاغة العصر. وهي بلاغة بدأت في الظهور عام 1984 في أعقاب بلاغة الحجاج 1958. لقد أشرت لهذه البلاغة في مقدمة كتابي ( بلاغة الصورة- دار فضاءات 2022) وكتابي ( البلاغة الجديدة وتحليل الخطاب. دار فضاءات 2023). مؤسس هذه البلاغة هو جيمس بويد وايت James Boyd White أستاذ الأدب الإنجليزي، وأستاذ القانون في جامعة ميتشيغان الأمريكية.
البلاغة التكوينة – بلاغة العصر، تسمى بلاغة العلوم الإنسانية أيضًا. وتعتمد–كما جاء على لسان مؤلفها: اتساق منطلقاتها مع اللغة، والأدب، والتكوين الفني، والثقافة، والإبداع، والهوية الذاتية المجتمعية، والفنية، والثقافية. وفي إطار تسميتها الجانبية الثانية: ( بلاغة العلوم الإنسانية ) فإنها تنهج إلى حد معين، نهج النقد الثقافي لتركيزها على الخطاب الثقافي، والنسق المضمر. وقد تطلب هذا أن تلتزم نظرتها التعدد والشمولية، وأن يجسدها المجمع البلاغي للنص بمكوناته كاملة، دون التوقف عند جزئيات لا تستند إلى مرجعيتها في النص ا?كلي..
سنركز تاليًا على ثلاث منصات في وسم هذه البلاغة التكوينية، الأولى: السمات الأساسية للبلاغة التكوينية من خلال مقالتي جيمس بويد: (عندما تفقد الكلمات معانيها). و ( قوس هرقل )، الثانية: مقالته حول ( القانون بلاغة البلاغة قانونًا)، والثالثة: مقالته عن (العدالة ترجمة بما في ذلك تحليل قصيدة اختارها بوصفها تطبيقًا على أفكاره حول هذه البلاغة- بلاغة التكوين ( بلاغة العصر ).
سنقف تاليًا عند أهم المرتكزات الأساسية لهذه البلاغة مما حوته تلك البحوث المشار إليها هنا:
النظرية الأساسية التي طرحها جيمس بويد وايت، James Boyd White ولخصها بالقول التالي: هي تكوين فني، وليس ذاتًا فارغة، إنها تبتدع وتقوي الثقافة والمجتمع، ولا يمكن أن ترى مجرد علم عاجز وضعيف، ولا هي مجرد فن وضيع للإقناع كما هي الآن وغالبًا، ولكنها تقوم على أساس فني مركزي يؤسس لثقافة ومجتمع جديدين ثابتين. أنا أدعو هذه البلاغة: ( البلاغة التكوينية Constitutive Rhetoric )
وورد في وكيبيديا Wikipedia: البلاغة التكوينية هي نظرية ابتكرها جيمس بويد وايت، حول قدرة اللغة والرموز على إنشاء هوية جماعية للجمهور، وخاصة طريق رموز التكثيف، والأدب، والسرد، وغالبًا ما تتطلب هذه البلاغة اتخاذ إجراء لتعزيز الهوية والمعتقدات.
وقد تابع جيمس وايت شرح هذه البلاغة وتحليلها؛ فجمع بينها والنقد الثقافي لأنها نهجت نهجه في الاهتمام بثقافة المجتمعات المتعددة، وجعلتها ركنًا أساسيًا في بنائها المجمعي العام، وجزءًا لا ينفصم عن هويتها.
لجيمس وايت في متابعة البلاغة التكوينية، التي تسمى عند بعضهم بالتأسيسية، مجموعة من الكتب التي قيدتها في نهاية متابعتنا لأربعة كتب منها، هي: العدالة ترجمة، والقانون بلاغة، البلاغة قانونًا، قوس هرقل. عندما تفقد الكلمات معانيها. وقد استعرضنا أهم الأفكار التي حوتها هذه الكتب الأربعة من خلال ترجمتنا للمتوفر منها كما مر سابقًا.
ولما خص وايت كتاب ( القانون بلاغة، البلاغة قانونًا ) بمقالة ضافية، فقد ترجمنا هذه المقالة وثبتناها ضمن مقولات المؤلف حول موضوع البلاغة التكوينية الكلي. وقد يكون من المناسب هنا استعادة بعض الفقرات المهمة من هذا البحث المفاجئ للقارئ بشكل عام. فمن أقوال المؤلف في هذا البحث خاصة، ومخرجات الكتب الثلاثة الأخرى عامة ما يلي:
- يقول جازينسكي Jasinski: التكوين ( Constitutive ) إنما هو مصطلح البلاغة المعاصرة.
- ويقول وايت White: القانون فن مركزي لتأسيس مجتمع ثقافي محافط ومتطور في آن.
-وبالقانون تكتمل العدالة لأنها تحوز على العدالة في ذروة حالاتها. وصف جورجياس البلاغي القديم البلاغة بأنها فن إقناع الشعب بمسائل العدالة في كل مكان.
-والوجه الثالث للبلاغة القانونية هو ما يمكن أن يسمى بالقيمة الأخلاقية، أو السلوك الاجتماعي العام.
-والبلاغة في الحاضر تتكلم مقارنة بالعلم الاستدلالي... فمن وجهة النظر هذه فإن البلاغة تعمل حين يتوقف ذلك العلم عن العمل. أي أنها تتعامل مع ما يمكن أن يكون احتمالًا، أو القياس المضمر الذي وصفه أرسطو بالافتراضي... فالبلاغة هي فن تأسيس الاحتمال.
- والبلاغة مرتبطة بالإبداع، وهو خيالي، وغالبًا ما يكون شعريًا، فالمعرفة المطروحة افتراضية.
- وما العالم المفترض في النص؟ وما المستخدم في النص أيضًا؟ مثل هذه الأسئلة هي الوحيدة التي يبتدئ منها النقد الثقافي، والقيمي. وذلك لكونهما اللذين يمكن أن يسعفانا للوصول إلى مغزى النصوص.
- والقانون هو فن الإقناع الذي يبتكر موضوعاته، وهذه الوسائل تجعل القانون ابتكاريًا، وثقافيًا، وفنيًا.
- والمحامي في حقيقته شبيه بالبلاغي الذي يبدأ باللغة التي يتكلم بها مستمعه.
- والمتكلم بلغة القانون يستخدم اللغة التي يتكلم بها لأجل تعديلها. وفي هذه الحالة تطرح البلاغة جدلًا تكوينيًا للغة المستخدمة.
- والبلاغي شبيه بالمحامي يندمج في عملية إنتاج المعنى، وبناء المجتمع الذي سيكون جزءًا منه.
- والبلاغة التكوينية هي نظرية الخطاب التي ابتكرها جيمس بوايد وايت حول قدرة اللغة والرموز على خلق هوية حماعية للجمهور وخاصة عن طريق تكثيف الرموز والأدب والسرد.
- والبلاغة التكوينية طريق إلى تجربة نوع من الهوية الفكرية الإنسانية.
- والمتناظرات في هذه البلاغة تبدو في اللغة والدراما والسرد والشعر، جدلية المنحى.
- والفن في البلاغة التكوينية قاعدة حيوية بشخصية تكاملية ثقافية مؤسسة على أنها فن مركزي للثقافة والشمولية والتطور في المعنى اللغوي المتجدد. وهي سلطة في الأدب، والسياسة، والقانون.
- وأن تتخيل اللغة في البلاغة التكوينية يعني أن تتخيل شكل الحياة.
فالعمل في اللغة هو تحريك للعالم.
- وفي البلاغة التكوينية ليس هناك أمر خارج اللغة، أو خارج فعل اللغة، فكل مقولة لها معان فيما بعد المعاني الذهنية النقية؛ أي ما يعدل ( معنى المعنى عند عبد القاهر الجرجاني ).
- والكلمات في البلاغة التكوينية هي أسماء، والخطاب هو الذي يجمع تلك الأسماء بعضها إلى بعض.
- والإنسان في البلاغة التكوينية يشكل نصفًا، أما النصف الآخر فقدرته على التعبير. هذا ما قاله إميرسون في الشاعر Emerson Like the Poet.
- والبلاغة التكوينية ذات قيمة لغوية ثقافية فنية وأدبية لتأسيس هوية ثقافية واكتساب المعنى.
- وتنظر البلاغة التكوينية إلى اللغة باعتبارها عملية صنع المعنى وبناء الثقافة. وهي لا تتعامل مع اللغة كأداة للإقناع، أو التواصل فحسب، بل تؤكد بدلًا من ذلك على الطرق التي تحدد بها اللغة الفنية، وتوجد المجتمعات، وتصوغ الهويات المشتركة، وتتوسط التجارب الفنية.
-وبدأ البلاغيون يحثون الخطى لإعادة التفكير في مسألة التأثير البلاغي منذ عام 1980.
- والبلاغي – بمن في ذلك نحن – عندما يتكلم ليؤسس مجتمعًا بطريق آخر، وجب أن يقبل ثنائية الحقيقة بأن اختلافًا مهمًا بين الثقافات، وأن لكل فرد حقيقته في إنتاج ثقافته الخاصة.
- ونحن نعيش معاني الكلمات، وأن تأثيرها على الآخرين غير محدود.
- والمعرفة التي تستوعب وظائف البلاغة لن تكون علمية، أو نظرية في المقام الأول، وإنما ستكون عملية تجريبية.
- وإن المعنى الذي يدركه إنسان ما، هو كيفية القدرة على عمل أشياء مع اللغة ومع الآخرين. هذه هي الحقيقة. هي معرفتنا الاجتماعية والفكرية الأولى. هذه هي المعرفة التي صنعتها اللغة والعلاقات.
- والمعرفة البلاغية في تحالفها مع المعرفة الفنية تفتح طريقًا إلى إبداع صامت.
- وإن التحليل البلاغي مزود بطريق لمعالجة أسئلة مركزية ذات كينونة جماعية في حياة مشتركة، منظمة، ومتناغمة دون التزام بقواعد صارمة، توجه انتباهنا لأسئلة هي الأبهج ضمن منظومة مشتركة، تشير كلها إلى معرفة خارج الحدود المقننة؛ فالعدالة والقيم هي موضوعها الطبيعي، والفن نموذجها الإيجابي. فبالتحرك من زاوية أكاديمية معينة، ومن حقل اجتماعي آخر، قد نكون قادرين بعملنا الدؤوب أن نوحدهما معًا في إطار بلاغي تكويني يانع الثمر.
- والبلاغة التكوينية أنشأها كما ذكرنا حتى الآن جيمس بوايد وايت James Boyd White لكن باحثًا آخر اشترك وإياه في نشر هذه البلاغة بشكل محدد لما يمكن أن ندعوه إطارًا تكوينيًا للنقد البلاغي هو موريس تشارلاند Maurice Charland. ومع الاختلاف في تطبيق الإطار التكويني العام لهذه البلاغة، فإنهما قد طورا مفهوميهما للبلاغة التكوينية، ورسما كذلك نظريتين مختلفتين في المنحى التراثي، مثلما أكد ذلك كل من جازينسكي وميرسيك في تحليلهماالتالي للبلاغات التكوينية، واللذين لابد من العودة لتحليلهما حول موقف كل من وايت وتشارلاند من ا?بلاغة التكوينية، وتوظيفه لها في أعماله المتنوعة، وذلك للأهمية البالغة في مساري البلاغة التكوينية.
أما نحن هنا فيمكننا القول اختصارًا:
- لقد تأثر تشارلاند في فهمه وتطبيقه للبلاغة التكوينية بكنيث بورك Kenneth Burrkeمن ناحية والتوسيرLauis Althueser في فلسفته للاستجواب من ناحية ثانية. وقد ساعده هذا في البحث المعمق للهويات المتعددة في المستويين الإنساني والعملي.
- أما وايت فقد تأثر بمجموعة من الكتاب والشعراء المحدثين، لذا عمل على تأسيس النصوص، كون هذه الطريقة هي النافذة التي تتوازى مع تشارلاند في مساعدته _ أي وايت–على تكوين هوية إنسانية فنية.
- فإذا كان تشالاند يميل بمفهومه للبلاغة التكوينية إلى إطار فعلي عملي، فإن وايت يميل بمفهومه للبلاغة ذاتها إلى إطار خيالي فني جميل. وهذا ما نميل نحن إليه ونسير معه فيه.
- لقد أظهرا جانب التنوع لهذه البلاغة – التراث النظري المعاصر، والمتضمن دراسات في اللغة والفلسفة والأدب، والثقافة، وفلسفة التفكيك فيما بعد البنيوية. ونحن نرصد التنافس بينهما في مدى الارتباط بالبلاغة التكوينية، وكذلك الدراسات النقدية المتنوعة..
****
الأردن والنقد الثقافي (ألقيت في ندوة بمعرض عمان الدولي للكتاب، 2024)
أنا سعيد بأن حفزت وأحفز طلبتي على أن يسيروا مع العصر مجددين في كل دراساتهم، وما النقد الثقافي إلا واحد من نتاج هذه المحفزات. لقد أيقظتُ في بعض طلبتي حسًا نقديًا جماليًا استوعب معظم النظريات النقدية الحديثة. وكم أنا سعيد بأنني أصبحت على مستوى الدراسات النقدية الحديثة يقرن بي طلبتي النابهون وأقرن بهم، أمثال المرحوم يوسف عليمات، وأحمد المرازيق، وهيثم العزام، ونادر كساسبة، و آلاء الطاهر وغيرهم، ممن خص النقد الثقافي موضوعًا لأطروحته في الدكتوراة، وتابع المستجدات من الدراسات حوله حتى أصبح النقد الثقافي التخصص ال?كثر درسًا في عالم البحث لديه.
كم سعدت حين أصبح طلبتي هؤلاء أعلامًا في النقد الثقافي يشار لهم بالبنان، بل إن سعادتي لتزداد حين يطلق في محافل الدرس والعلم والثقافة أنّ النقد الثقافي في الأردن يديره عبد القادر الرباعي وتلامذته؟ كم أنا فخور بطلبتي المجتهدين الذين أقنعوا علماء الدرس النقدي بأنهم مع أستاذهم أنجزوا منهجًا علميًا جماليًا صائبًا في موضوع علمي جديد في الساحة النقدية العربية، هو النقد الثقافي بلون أردني.
من المعروف أنّ من جلب منهج النقد الثقافي فيما بعد المنهج البنيوي هو الناقد السعودي الفذ الأستاذ الدكتور عبد الله الغذامي. إن هذا العمل المميز الذي قدمه الغذامي للثقافة العربية والنقد الثقافي العربي سيظل يحسب له بلا منافس، وهو -لأجل ذلك- يستحق التكريم المميز. وسواء اتفقنا أو اختلفنا معه على التفاصيل، سيظل هو صاحبَ فضل يعرف به، ويستحقه على مستوى العالم العربي كله.
سنقتطف بعضًا مما قدم حول النقد الثقافي في كتابه ذي العنوان التالي: ( النقد الثقافي – قراءة في الأنساق الثقافية العربية ) نشر المركز الثقافي العربي – الدار البضاء، عام 2000م.
يقول: لقد أدى النقد الأدبي دورًا مهمًا في الوقوف على جماليات النصوص... ولكن النقد الأدبي – مع هذا وعلى الرغم من هذا، أو بسببه أوقع نفسه، وأوقعنا في حالة من العمى الثقافي التام عن العيون النسقية المختبئة من تحت عباءة الجمالي، الشعري والبلاغي، حنى صارت نموذجًا سلوكيًا يتحكم فينا فنيًا، ذهنيًا وعمليًا... وما يتراءى لنا جماليًا وحداثيًا في مقياس الدرس الأدبي هو رجعي ونسقي في مقياس النقد الثقافي. وبما أن النقد الأدبي غير مؤهل لكشف هذا الخلل، فقد كانت دعوتي بإعلان موت النقد الأدبي، وإحلال النقد الثقافي مكانه؟ ؟ ؟ !!!.
وفي إطار النقد الثقافي – حسب فهم الغذامي – فإن الشعر العربي يبدو في ظاهره جميلًا، لكن هذا الجمال يخفي في طياته قبحًا!. فالجميل ظاهرًا، قبيح باطنًا. وتابع
يقول: ( وإذا كنا صرفنا قروناً من الإعجاب، والاستمتاع بالشعر العربي، وحق لنا أن نفعل، فهو شعر عظيم، ولاشك، غير أن جمالياته العظيمة تخفي قبحيات عظيمة ).
هذا هو مفهومه للنسق المضمر. وهو يتساءل عن المتنبي: أهو شاعر عظيم أم شحاذ عظيم؟؟!!.
وإذا عدنا إلى الأستاذ الذي ألهمه اهتمامه بالنقد الثقافي- أعني فنسنت ليش، وجدناه أقرب إلى تقدير النقد الأدبي، بعيدًا عن المبالغات السلبية للغذامي. نستند في هذا ما يقوله الغذامي نفسه، قال: ( يطرح فنسنت ليش مصطلح النقد الثقافي... يستخدم ليش المعطيات النظرية والمنهجية في السوسيولوجيا والتاريخ، والسياسة، والمؤسساتية، من دون أن يتخلى عن مناهج التحليل الأدبي )؟؟!!. والواقع أن ليش يؤكد هذا في كتابه ( النقد الثقافي ) حين يقول: ( صحيح أن النقد الأدبي والنقد الثقافي غير متطابقين تمامًا، لكن تجمعهما مساحات اهتمام متدا?لة ) أين هذا من آراء الغذامي الذي يريد محو النقد الأدبي ليحل محله النقد الثقافي؟!.
في ندواتنا المفتوحة لطلبة الدكتوراة في جامعة اليرموك قرأت أنا وطلابي كتاب الغذامي، وحللناه تحليلًا علميًا جادًا، ثم توصلنا إلى أن معظم طروحاته في هذا المستوى السلبي للثقافة العربية قديمها، وجديدها. وقد تشاركنا في حصيلة واحدة، مؤداها أننا نحترم صاحب كتاب النقد الثقافي، ونقدر له طرحه هذا النقد لأول مرة في الثقافة النقدية العربية، لكننا معه على خلاف تام.
إننا لا نقف ضد النقد الثقافي، بل نرحب به نقدًا رديفًا للنقد الأدبي وليس بديلًا له. بل من الممكن أن تضمهما معًا مرجعية إنسانية جمالية أدبية نسقية واحدة. وذهب بعض الطلبة الذين اقتنعوا بهذا المحتوى الجمالي للنقد الثقافي إلى أن يكون موضوعًا لأطروحاتهم للدكتوراة. وقد سعدت بهم وشجعتهم عليه، وأشرفت على رسائلهم العلمية فيه، وكتبت مقدمات للرسائل التي تحولت كتبًا في سرعة فائقة.بل لقد جاريتهم وكتبت كتابي الأول في هذا التوجه أسميته: ( تحولات النقد الثقافي ). إن واقع الحال يقول: إن عملنا كان يسير في الاتجاه الصحيح، ذلك أن نسخة النقد الثقافي الثانية خرجت من الأردن!. ولعل أول تعليق على ذلك أتي من السعودية بلد النسخة الأولى، وعلى لسان أحد أبنائها وهو المرحوم الأستاذ الدكتور خالد بن محمد الجديع، صاحب مقولة: ( الأردن يدير دفة النقد الثقافي )، وهي المقولة الأكثر تداولًا على مستوى الدرس العربي للنقد الثقافي. قال: ( رحل النقد الثقافي باحثًا عن بيئة أكثر خصوبة يمكن أن يبني فيها قواعده بعد أن أتم الغذامي غلقة، فاستقر به المسير في الأردن... انبعثت هناك بحوث وكتب وأطاريح جامعية كثيرة. وتابع قائلًا ( كان الناقد أ.?. عبد القادر الربّاعي أستاذ النظرية والنقد الأدبي في جامعة اليرموك هو المحفز لأولئك الشباب على اقتحام حمى النقد الثقافي... وكانت علاقة الجماليات بالأنساق هي الثغرة التي تم الدخول من خلالها إلى ذلك الحصن ).
كان لهذه المقالة دوي سمعه آخرون في بلدان عربية شرقًا وغربًا، أذكر منها أطروحتي دكتوراة: أولهما في جامعة القاهرة بعنوان: نقد النقد الثقافي، وصاحبها الدكتور هشام زغلول، بإشراف المرحوم الأستاذ الدكتور جابر عصفور. لقد نحا الدكتور هشام في أطروحته موازنةً بين اتجاهين: الأول: تيار الغذامي، والثاني تيار الرباعي وتلامذته. وقد طبع الكتاب الآن باسم ( تحديات النقد الثقافي )، مما أتيح المجال لمراجعته من آخرين أذكر أحدهم وهو الدكتور محمد السيد إسماعيل الذي قال بأن الدكتور هشام شايع تيار الرباعي وتلامذته لأنهم ضفروا الثق?في/ بالأدبي.
أما الأطروحة الثانية ففي جامعة بابل في العراق، وصاحبها الدكتور طارق زياد محمد، وقد نظر إلى عملنا بما أسماه ( المدرسة الأردنية للنقد الثقافي ) وفي رسالة صوتية أرسلها لي، أفاد بأنه امتدح المدرسة وأصر في المناقشة على هذه التسمية، لأنها اختطت لنفسها خطًا مغايرًا عن جميع النقاد العرب. لقد اعتمدت التاريخانية الجديدة، واستيفن غرينبلات والجماليات الثقافية في هذه المدرسة عمل جاد ومتعوب عليه.
وهناك دراسات كثيرة وأطاريح متعددة في المغرب العربي، خصت جهود المرحوم الدكتور يوسف عليمات بالبحث والتقصي، وجني القيمة والفائدة منها وهي كثيرة ومتنوعة
الرأي