جدل التراث بين العامية والفصحى
محمد كمال
مسألة الجدل، جدل التراث بين العامية والفصحى مسألةٌ تعود إلى العصور العباسية الأولى، وسنرى منذ البدء أنه لم يكن جدلَ نفار واختلاف، بل كان جدلَ وئام وائتلاف. ومعروف أن اللهَجات القبلية التي عُرفت في تاريخنا اللغوي غير العاميات التي انتشرت بالتدريج واتسعت حتى أيامنا هذه، فاللهَجات ظلَّت خاضعةً لقوانين الفصاحة والإعراب، لا يتوانى علماء اللغة وواضعو المعجمات عن الاستشهاد بها، وإن كانت تقتصر على المفردات والألفاظ، في حين نجد العاميات تخلَّت عن قانون الإعراب الذي هو السِّمة البارزة من سمات لغتنا العريقة، كما جانبت الفصاحةَ في العبارة في مجمل أدائها اللغوي، يضاف إلى ذلك أن هذه العاميات لم تقتصر على المفردات المستقلة بل تعدتها إلى الصيغ والعبارات.
وهي وإن كانت في بداية ظهورها تُناوِش الفصحى وتنهل من مَعِينها، فقد عَلِقَت بها على مرِّ الزمان ألفاظٌ وتعابيرُ دَهَمَتها في إثر اتصالها بالشعوب المجاورة كالفُرس والتُّرك والهنود في المشرق العربي، والإسبان والبرتغاليين في الأندلس، والبربر في بلاد المغرب العربي، وذلك بفعل التبادل التجاري والاحتكاك الحضاري المباشر، ثم في إثر اتصالها بالشعوب الحديثة الناطقة بالإنكليزية والفرنسية والإيطالية وغيرها كما نراها الآن.
رواية اللحن:
والحديث عن هذا الجدل قد يزلقنا إلى الحديث عن مسألة اللحن ومتى ظهر وكيف استمر، وإلى الحديث عمَّا أصاب الفصحى على لسان العوام من تحريف وتبديل، وعن العلماء الذين خفُّوا لتدارك الأمر فألَّفوا في تقويم اللسان ولحن العوام، ثم قد نصل إلى التذكير بالمعركة التي احتدمت في القرن الماضي بين الداعين إلى العامية والمتشبثين بالفصيح، وهذا كله وغيره من الأمور قد يكون معروفًا لدى النخب العلمية، قائمًا في أذهانهم، والعودة إليه تكرارٌ ممل غير ذي جدوى، لا سيَّما وقد انتصرت العربية بشهامة أبنائها ووعيهم الحضاري ووفائهم للتراث الذي هو الهُوية وهو الكِيان، فلمَ لا نحوِّل النظر إلى الجدل بين الناطقين بالفصحى والناطقين بالعامية، لعلنا نكتشف كيف استقبل أئمة الأدب والبيان كلام هؤلاء العوام الذين تفرغوا لشتى الاحتياجات اليومية الملحَّة، حتى لو خلا بلد منهم لتعطَّلت مصالح الناس وتوقفت حركة الحياة، ووُصفوا بأنهم يسدُّون البُثوق، وينقذون الغريق، ويطفئون الحريق، ويمشون في السوق، هؤلاء الذين غدت لهم لغتهم الخاصة في التواصل وأساليبهم في الخطاب، وهل كان من الإنصاف، أو في منطق العقل أو في مقتضى الغَيرة على الأصالة أن نُخرج هؤلاء من رحابة التاريخ، ونرميهم بالنفور والازدراء، ونقمع حضورهم الاجتماعي الكثيف!.
هذا أبو عثمان الجاحظ (ت 255هـ)، معلِّم العقل والأدب، جامع ثقافات عصره في شتى العلوم والفنون، أديب الحياة العامة فضلًا عن كونه أديب الطبقات الرسمية، يكتب عن الحمقى والنَّوكى واللصوص والبخلاء وأصحاب الحِرَف والصناعات... وينقل لنا ما تأدَّى إلى سمعه من محاوراتهم فيضع منهجًا مبكرًا في حسم الجدل بين الفصحى والعامية، وذلك في نص لا يتجاوز الأسطر القليلة، وما أظن أحدًا لم يتوقف عنده، وهو قوله: "وإذا سمعتَ بنادرة من نوادر العوام، ومُلحة من مُلَح الحشوة والطَّغام، فإياك وأن تستعملَ فيها الإعراب، أو أن تتخيَّر لها لفظًا حسنًا، أو تجعل لها من فيك مخرجًا سَريًّا، فإن ذلك يفسد الإمتاع بها، ويخرجها من صورتها ومن الذي أريدت له، ويُذهب استطابتهم إياها، واستملاحهم لها".
ثم قال الجاحظ في (الحيوان) 3/ 93: مؤكدًا ضرورة موافقة الكلام لمقتضى الحال: "ولكل ضربٍ من الحديث ضربٌ من اللفظ، ولكل نوعٍ من المعاني نوعٌ من الأسماء، فالسخيف للسخيف والخفيف للخفيف، فإن كان موضع الحديث على أنه مضحك ومُلهٍ وداخلٌ في باب المزاح والتفكيه، فاستعملتَ فيه الإعراب انقلب عن جهته، وإن كان في لفظه سخفٌ فأبدلت السخافة بالجزالة صار الحديثُ الذي وُضع على أن يسرَّ النفوس يُكربها ويأخذ بأكظامها".
وعلَّل ذلك بقوله في (الحيوان) 1/ 282: "إن الإعراب يفسد نوادر المولَّدين كما أن اللحن يفسد كلام الأعراب؛ لأن سامع النوادر إنما أعجبته تلك الصورةُ وذلك المخرج وتلك اللغة، فإذا أدخلتَ على هذا الأمر الذي إنما أضحك سخفُه وعُجمتُه حروفَ الإعراب والتخفيف والتثقيل وحوَّلته إلى صورة ألفاظ الأعراب الفصحاء وأهل المروءة والنجابة، إذا فعلتَ ذلك انقلب المعنى مع انقلاب نظمه وتبدَّلت صورته".
أفلا نرى في كلام الجاحظ هذا الاحتواء الدُّعابي الهادئ، وهذه المسالمة الوديعة لما يندُّ عن شِفاه العامة من طرائف الألفاظ ونوادر العبارات! ثم تبع أبا عثمان في هذا المنهج ابن قتيبة الذي جمع في كتابه (عيون الأخبار) ما تخيَّره من كلام البلغاء وفِطَن الشعراء وسِيَر الملوك وآثار السلف، إلا أنه لم يغفل العامة ولم ينحِّهم عن فصول كتابه، فقال في المقدمة: "وكذلك اللحن إن مرَّ بك في حديث من النوادر، فلا يذهبنَّ عليك أنَّا تعمَّدناه وأردنا منك أن تتعمَّده؛ لأن الإعراب ربما سلب بعض الحديث حُسنه، وشاطر النادرة حلاوتها".
بل إن حضور العامية الكثيف لم يكن العلماءُ أصحاب الدرس اللغوي يتحاشونه ويستخفُّون به، فإذا تعرَّضوا لكلام العوام كان ذلك بغرض الحماية لقداسة اللغة الفصيحة، والتنقية لها من الشوائب والدخيل، فقد جاء في (شرح فصيح ثعلب) للمرزوقي ص355: "الحائط: اسم الفاعل من حاطَ يَحُوْطُ، والعامة تقول: الحَيْط".
مُهادنة بلاغية:
إلا أن هذا الجدل ما فتئ أن اتخذ طابعًا عمليًّا تطبيقيًّا يؤكد المهادنة بين بلاغة العامة وبلاغة أهل البيان، فإذا كانت اللهجة العامية بتجلِّياتها التعبيرية قد نهلت الكثير من العبارات أو المفردات المأثورة عن الفصحاء، وأخضعته لما درجت عليه صياغتها من تحريف وتبديل، فلا غرابة في أن يستلطف الفصحاء أحيانًا ذَرْوًا من كلام العامة وأمثالهم فيُدخلوه في نسيج كلامهم وأشعارهم دون تحرُّج ولا تردد ولا أنفة، وهذا ما يطالعنا في بعض أشعار العباسيين ومَن تلاهم من شعراء العصور المتتابعة، لا سيَّما حين أخذ الشعراء والكتاب ينسحبون من قصور الخلفاء والسلاطين وذوي الشأن، وينزلون إلى الأسواق فيحترفون بعض المهن والصناعات، ويختلطون بالفئات الاجتماعية المختلفة في أماكن العمل ومحالِّ البيع والشراء، فحصل من جرَّاء ذلك بعضُ التقارب والتلاقح بين الأدب الرسمي والأدب الشعبي.
يروي نجم الدين بن الأثير في الفصل السادس من (المثل السَّائر) قولَ النبي صلى الله عليه وسلم: "الكلمة الحكمة ضالَّة المؤمن، فهو أحقُّ بها إذا وجدها". فيقول: (ومنذ سمعت هذا الخبر النبوي جعلت كَدِّي في تتبُّع أقوال الناس في مفاوضاتهم ومحاوراتهم، فإنه قد تصدر الأقوال البليغة والحكم والأمثال ممن لا يعلم مقدار ما يقوله، فاستفدت بذلك فوائد كثيرة لا أحصرها عددًا).
ويتابع فيقول: (وبلغَني عن الشيخ ابن الخشَّاب البغدادي، وكان إمامًا في علم العربية، فقيل إنه كان كثيرًا ما يقف على حِلَق القصَّاصين والمشعبِذين، فإذا أتاه طلبة العلم لا يجدونه في أكثر أوقاته إلا هناك، فلِيمَ على ذلك، وقيل له: أنت إمام الناس في العلم، وما الذي يبعثك على الوقوف بهذه المواقف الرذيلة؟! فقال: لو علمتم ما أعلم لما لمتُم، ولطالما استفدت من هؤلاء الجهَّال فوائد كثيرة، تجري في ضمن هذَيانهم معانٍ غريبةٌ لطيفة، ولو أردت أنا أو غيري أن نأتي بمثلها لما استطعنا ذلك). ويعلِّق ابن الأثير بقوله: (ولا شك أن هذا الرجل رأى ما رأيته، ونظر إلى ما نظرت إليه).
تداول خِطابي:
إن هذه الازدواجية اللغوية، أو لنقُل هذا التداول الخطابي بين نمطين لغويين لم يكن يضيق به حتى علماءُ القرن الثاني الهجري، فهذا السُّبكي في (مُعيد النِّعَم ومُبيد النِّقَم) ص72 يحدثنا "أن أبا عمرو بن العلاء (ت 154هـ) قصده طالبٌ ليقرأ عليه، فصادفه بكلَّاء البصرة (مجتمع السُّفن فيها) وهو مع العامة يتكلم بكلامهم، لا يفرق بينه وبينهم، فنقص من عينه، ثم لما نجَزَ أبو عمرو مما هو فيه تبعه الرجل إلى أن دخل الجامع، فأخذ يخاطب الفقهاء بغير ذلك اللسان فعظُم في عينه، وعلم أنه كلم كل طائفة بما يناسبها من الألفاظ".
ويرى ابن الأثير أيضًا في كتابه (الوَشْي المَرْقوم) ص4 أن على الكاتب "أن يعلم ما تقوله النادبة في المآتم، وما تقوله الماشطة عند جَلْوة العروس، وما يقوله المنادي في السوق على السِّلعة". وهؤلاء هل كانت لهجتهم إلا لهجة العوام، بها يتحاورون، وبمقتضاها يتفاهمون!
وفي هذا السياق ثمة خبر رواه الراغب الأصفهاني في (محاضراته) 2/ 399 تحت عنوان: (سرعة المكاره وتباطؤ المحابّ) قال: (كان لسفيان الثوري جارٌ مخنَّث، فمرض، فعاده سفيان بأصحابه، فقال: كيف تجدُكَ؟ فقال: إن العلل والآفات تجيء في الدنيا باقات، والعافية تجيء طاقات. فقال سفيان: ما خرجنا إلا بفائدة). وما قاله هذا الجار المخنَّث إنما هو مثل معروف أورده الطالَقاني في رسالته عن (الأمثال البغدادية) ص28. وأهل حلب يقولون اليوم: العافية بترو بالقنطار وبتجي بالمتقال.
وقد تنبه الحريري منذ القرن الخامس الهجري إلى ظاهرة التبادل السمح بين المستويين الأسلوبيين فقال في مقدمة كتابه (درَّة الغوَّاص): (فإني رأيت كثيرًا ممن تسنَّموا أسنِمةَ الرتب، وتوسموا بسِمة الأدب، قد ضاهَوا العامة في بعض ما يفرط من كلامهم، وترعف به مراعف أقلامهم، فدعاني الأَنَف لنباهة أخطارهم، والكَلَف بإطابة أخبارهم، إلى أن أدرأ عنهم الشُّبَه، وأبيِّن ما التبس عليهم واشتبه). ومما يؤكد هذا التبادل ويثبِّته في الذاكرة التراثية استشهادُ أبي هلال العسكري في كثير من مواطن كتابه (جمهرة الأمثال) بأمثال للعامة توافق في معانيها أمثال الخاصة، ففي 1/ 377 يورد المثل العربي: "الحديث ذو شجون" ويبدأ تعليقه عليه بقوله: وهو على حسب ما تقول العامة: الحديث يجرُّ بعضُه بعضًا.
ولكننا مع هذا الانفتاح على العامة غير المتعلمين، والقَبول بما تنطِق به ألسنتهم، وبما حفَلَت به أشعارهم من موضوعات خفيفة مستظرفة تبتعد عن وَقار الموضوعات المألوفة في الشعر الفصيح، لا نعدِمُ أن نجد من يترفَّع عن هذا الانفتاح، ويحذِّر منه، ويوصي باجتنابه، فقد كان القاضي الفقيه أبو الحسن الماوردي شديدَ التزمُّت والتحفُّظ في كتابه (أدب الدين والدنيا) ص459 حين قال: (ومن آداب المتكلم أن يجتنَّب أمثال العامة الغوغاء، ويتخصَّص بأمثال العلماء والأدباء، فإن لكل صنف من الناس أمثالًا تشاكلهم، فلا تجد لساقط إلا مثلًا ساقطًا، وتشبيهًا مستقبحًا).