حول مناهج البحث اللغوي
أ.د. هادي حسن حمودي
حاورني أكثر من صديق مهتم بمناهج البحث اللغوي، في ميادينه المتشعبة، عن إمكانية مناهج دراسات اللغات الأجنبية، في تقديم نفع للدراسات اللغوية المختصة باللغة العربية، وعن سبب الغموض الذي يلاحظونه في عديد من الدراسات اللغوية الآخذة بالمنهج الغربي، الفرنسي خاصة؟
وقد طال الحوار وتشعب. ولكني أوجز رأيي، هنا، بخمس نقاط:
الأولى: اللغة ظاهرة اجتماعية، وهي كأية ظاهرة اجتماعية، لا يصح أن تدرس إلا بمنهج مستوحى من ذاتها، ووفق معاييرها.
الثانية: إن كثيرا من الدراسات التي تتبع خطى الدراسات اللغوية الغربية بقضها وقضيضها (والدراسات الفرنسية أكثرها تأثيرا) لم تستطع أن تقدم للعربية نفعا بيّنا. لأن معظمها رؤى نظرية مهومة في الفضاء، ومن أجل إضفاء طابع العلمية عليها، اختبأت خلف المصطلحات الغربية الحديثة، (الفرنسية خاصة).
الثالثة: إن الدراسات الغربية، كالتي كتبها فرديناند دي سوسير الذي يوصف بأنه (ابو علم اللغة الحديث) وكذلك غريماس، ورولان بارت، وتشومسكي، وعلماء مدرسة براغ، وغيرهم من قبل البنيوية ومن بعدها، يمكن أن تقدم نفعا لدارسي اللغة العربية، ولكن من غير الوقوع في إسارها واحتذائها خطوة خطوة. للاختلاف البين بين العربية وغيرها في الأصول وفي قوانين التطور، مع ضرورة ابتكار المصطلحات العربية المقابلة لما لدى القوم.
الرابعة: وهذا الذي ذكرناه في النقطة الثالثة ينطبق، إلى حد كبير، على بعض جوانب الموروث العربي أيضا.
الخامسة: تلتقي اللغات في الأصوات، وتختلف في الدلالات، فما ينطبق على دلالة الصوت في لغة حديثة ليس من الضروري أن ينطبق على دلالة الصوت نفسه في اللغة العربية، فهذه اللغة، على الرغم من تطورها تركيبا ودلالة ومعنى لم تقطع علاقتها بجذورها القديمة. بل احتفظت بها، وجعلتها كالنسغ الصاعد في شرايين أي تطور انتابها، استعمالا ودلالة. بينما ابتعدت أصوات اللغات الأخرى عن تلك الأصول بمستويات متفاوتة.
وثمة نقاط أخرى بطبيعة الحال، ولكن ما ذكرته خلاصة الحوار المشار إليه.
المصدر