#شيء_من_اللغة:
(أعدّك) و(أعتبرك) ما الفرق؟
د. هادي حسن حمودي
كتب لي صديق عزيز أنّ ثمة من قال: إنه لا يجوز أنْ نقول: يُعتبر، بل يجب أن نقول: يُعدّ. فأجبت: يُعدّ ويُعتبر صحيحتان، كلّ في معناها وموردها. فأحَبّ صاحبي تفصيلا في كيفية استعمال كلّ منهما في موضعه. هنا الجواب، مع الشكر له.
** أولئك الذين حكموا بخطأ كلمة (يُعْتَبَر) وحكموا بوجوب قول: (يُعَدّ)، رفضوا الأفصح من التعبيرين. وإليكم حقيقة الفرق بينهما.
أما (عدّ) فيدل على الإحصاء، وتهيئة الشيء. ومنه شيء معدود، أنا أعدّه وهو معدود. والعديد الكثرة. وفلان في عِداد الصالحين، أي يُعَدّ معهم فهو واحد منهم. ذلك أن (عَدّ) يعني أنك إذا قلت: أعدّ فلانا صديقي، أن لك مجموعة من الأصدقاء، هذا واحد منهم، هو مثلهم وهم مثله. وفي التنزيل العزيز: (وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ) فهي سنوات تتكون من أيام وأسابيع وشهور لا تختلف واحدة عن أخرى. وفي الآية (وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الاشْرَارِ) فأهل النار يتساءلون عن رجال عدّوهم من الأشرار، أي كانوا ينظرون إليهم أنهم عدد من الأشرار لا يختلف بعضهم عن بعض. كما أنك تعدّ كتبك، فتقول: هذا كتاب واحد وذلك ثان وآخر ثالث. فهي متشابهة. وحين تقول: أعدّك صديقي، فقد جعلته كغيره من أصدقائك. الجذر كله في هذا الإطار.
فالعدد مقدار ما يُعَدّ. وما أكثر عدَدَهم. واستعددت للشيء، جهزت له عُدّته. ومن أمثالهم: كل امرئ يَعْدُو بما استعدّا. والعِدّان: الزمان. وسُمّي بذلك لأن كلّ زمان فهو محدود معدود، يُشبه بعضه بعضا.
واختلف القدماء في وزن قبيلة (مَعدَ) فجعله بعضهم من (عدّ)، فالميم زائدة ووزنه (مَفْعَل). وجعله أخرون (فَعَلٌّ) والميم أصلية عندهم. (وهذا يذكرنا بالخلاف في وزن مدير).
***
أما (عبر) فهو أصل يدلّ على النفوذ والمضيّ في الشيء. وذكر ابن فارس (الاعتبار) الذي هو مثل (الاحترام) وذكره الإسكافيّ أيضا . فالاعتبار من: اعتبره يعتبرُه اعتبارا. مثل اشتقاق: احترمه يحترمه احتراما.
وفي التنزيل العزيز: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ) . فهي عِبرة للناس يعتبرون بها. فما معنى الاعتبار بها؟ معناه أن في قصصهم أمورا يجب أن يهتم بها الناس، وبها يتعظون. وفي التنزيل العزيز: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الابْصَارِ) فحوادث التاريخ ليست متشابهة فبعضها يمر بلا أثر وبعضها يؤثر أو يجب أن يؤثّر.
ومن الصحيح أنْ تقول: هذا رأي مُعتَبَر، أي يَعتبر به الآخرون، ولن يحدث الاعتبار إلا بمزيد من الاعتناء ومزيد من الاحترام. وكلّ منهما يتضمن معنى الاهتمام بالشيء المذكور في الجملة.
فقولك: أعدّك صديقا، أي هو واحد من أصدقائك. أما (أعتبرك صديقا) فأنت تعرب عن تقديرك له واحترامك، وأنه ليس مثل غيره من أصدقائك. وحتى في قولك: أعتبرُ فلانا عدوّا، دلالة على أنك تهتم به وتقيم له وزنا.
ومن الجذر: المَعْبَر: الشطّ المجهّز للعبور. والعبير: أخلاط من الطيب.
وعَبِرَ: حزن، ولا يكون الحزن إلا لأمر يُهتمّ له وبه يُعتنى. أمّا استعبر: فطلب العبور من حالة الحزن إلى الحالة الطبيعية. كأن يكون قد تذكر عزيزا عليه فارقه فتألم واستعبر، فدمعت عيناه حزنا، وساعده هذا على أن يعود إلى حالته المعتادة. ولذا فإن من الشعراء من رفض أن يبكي حزنا لأن الدموع تخفف ألمه.
وعَبَّرَ عمّا في نفسه، أي: بيّن وأوضحَ. وعَبَر الكتابَ: تدبَّرَه في نفسه، وتفكّر فيه فأولاه مزيد عنايته واهتمامه واحترامه. ومنه في التنزيل العزيز: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الابْصَارِ).
وينطبق على هذا ما ذكرناه من دلالة الجذر على الاهتمام والعناية ومزيد الاحترام.
ونصل إلى أن قولك: أعتبرك صديقي أكثر دلالة على الاهتمام والمحبّة من: أعدّك صديقي.
ولقد شاع وانتشر مصطلح قانوني حين يُدان شخص بذنب مخلّ بالشرف ثم تتّضح براءته فيحكَم له بها: لقد رُدَّ اعتبارُ فلان إليه. ولا يُقال رُدّ عدّه إليه.
المصدر