منذ أن نزل القرآن الكريم واللغة العربية قد اكتسبت قدسيتها أولا وضمنت حفظها ثانيا، إذ حملت بألفاظها وضمت بمعانيها كلام رب العالمين الذي نزل بها الروح الأمين على قلب سيد المرسلين { وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) } [الشعراء : 192 - 195] ؛ فحفظها الله تعالى بحفظه لكتابه المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) } [الحجر : 9].
ولم يكتفِ أثر القرآن الكريم في إضفاء القدسية على اللغة العربية وحفظ لسانها فحسب، بل كان مفجرا لعلوم العربية قاطبة، تدور في فلكه تبيانا لأحكامه، وضبطا لألفاظه، "وقد كان القرآن الكريم صاحب الفضل في نشأة الدراسات اللغوية في التراث الإسلامي، فالقرآن نص لغوي اقتضت العناية به الخوض في دراسات لغوية وأدبية تطورت بمرور الزمن إلى ما نراها عليه الآن".
دوافع تعلم اللغة العربية:
ومع دخول الأمم في الإسلام أفواجا، ومع انتشار الفتوحات الإسلامية، زادت الرغبة في فهم القرآن الكريم وتعاليم الإسلام الحنيف، مما كان له دور بارز في إقبال الناس على تعلم اللغة العربية، حتى يقوموا بالشعائر والعبادات على الوجه الصحيح الذي تقضيه الشريعة، يدفعهم إلى هذا السعي إلى إقامة دين الله ونوال مرضاته.
وهو ما عبَّر عنه أبو منصور الثعالبي قائلا: "مَن أحب الله تعالى أحب رسوله محمدا - -، ومَن أحب الرسول العربي أحب العرب، ومَن أحب العرب أحب العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العرب والعجم، ومن أحب العربية عُني بها، وثابر عليها، وصرف همته إليها، ومن هداه الله للإسلام، وشرح صدره للإيمان، وآتاه حسن سريرة فيه اعتقد أن محمداً - - خيرُ الرسل، والإسلامَ خير الملل، والعربَ خير الأمم، والعربيةَ خير اللغات والألسنة، والإقبالَ على تفهمها من الديانة؛ إذ هي أداة العلم، ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد"( ).
ورغم ذلك فإنه لم تكن الرغبة الدينية هي الحافز الوحيد أو الدافع الفريد لتعلم اللغة العربية، وإن كانت سبباً رئيسياً، إلا أن الدوافع الدنيوية كان لها عظيم الأثر أيضا في الإقبال على اللغة العربية تعلّما وتعليما، فلما كانت العرب أمة فاتحة ولها السيادة والعزة على سائر الأمم المغلوبة؛ كانت لغتهم العربية ذات شأن وعلو يطمح إليها جمهور الناس؛ ليتصلوا بالخلفاء والأمراء، وقد رأوا "هؤلاء الخلفاء وعمالهم يجزلون العطاء لمن يجود شعرا أو نثرا، ويقربونهم إليهم ويولونهم مناصب في الدولة، كل ذلك له أثر أي أثر في إقبال الناس على اللغة، حتى إن الرجل ليدفع بابنه إلى تعلمها رجاء أن يجني ثمرة أو يحرز جاها"( ) ، و قال ابن شُبْرُمه "إذا سرّك أن تعظم في عين من كنت بعينه صغيراً ويصغر في عينك من كان في عينك عظيماً فتعلم العربية فإنها تجريك على المنطق وتدنيك من السلطان"
ولقد اعتنى علماؤنا القدامى منذ اللحظات الأولى بضرورة تعليم اللغة العربية إلى غير الناطقين بها من المسلمين الجدد، أو من المستعربين الجدد، وعدوا ذلك من تبليغ الرسالة، وأداء الأمانة، وفرائض الدين، وهو ما صرَّح به ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم حين قال: "فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"
ومن عناية الصحابة بتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ما صرح به أبو عثمان النهدي: "بأن كتاب عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أتاهم وهم بأذربيجان يأمرهم بأشياء، وذكر فيه: تعلموا العربية"
كما جاء عن عمر بن زيد: أن عمر بن الخطاب ـ أيضا ـ كتب إلى أبي موسى رضي الله عنه: "أما بعد: فتفقهوا في السنة، وتفقهوا في اللغة وأعربوا القرآن، فإنه عربي، وفي حديث آخر عن عمر رضي الله عنه أنه قال: تعلموا العربية فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم"
جهود العلماء على المستوى النحوي
وقد انبرى علماء الأمة في تعليم اللغة العربية وتيسيرها لغير الناطقين بها، ومن هذه الجهود العظيمة التي أخذوا بها على عاتقهم ما قام به أبو الأسود الدؤلي من وضع ٍللنحو العربي حتى يستقيم به لسان الأعاجم الراغبين في تعلم اللغة العربية وإتقانها.
فعن "ابن أبي سعد قال: حدثنا علي بن محمد الهاشيمي قال: سمعت أبي يذكر، قال: كان بدء ما وضع أبو الأسود الدؤلي النحو أنه مر به سعد ـ وكان رجلا فارسيا قدم البصرة مع أهله وهو يقود فرسه، فقال: مالك يا سعد؟ ألا تركب؟ فقال: فرسي ضالع، فضحك من حضره. قال أبو الأسود:هؤلاء الموالي قد رغبوا في الإسلام ودخلوا فيه، وصاروا لنا إخوة، فلو علمناهم الكلام! فوضع باب الفاعل والمفعول، لم يزد عليه. قال أبي: فزاد في ذلك الكتاب رجل من بني ليث أبوابا، ثم نظر فإذا في كلام العرب ما لا يدخل فيه فأقصر عنه، فلما كان عيسى بن عمر قال: أرى أن أضع الكتاب على الأكثر، وأسمي الأخرى لغات، فهو أول من بلغ غايته في كتاب النحو"
ولم يقتصر دور العلماء على وضع علم النحو فحسب، بل سعوا إلى تيسير دراسته وتبسيط تحصيله، فكان لهم في هذا المضمار دور مشهود وسبق معلوم، وعلى رأس هؤلاء العلماء عبد القاهر الجرجاني الذي قدَّم مجموعة مؤلفات في النحو العربي "رغبة في أن يقدم للراغبين في تعلم العربية من أبناء اللغات الأخرى النحو العربي في صورة سهلة، تيسر عليهم تعلم القرآن الكريم وتفهم معانيه"( ) وذلك لأنه يعلم أن تيسير قواعد اللغة (النحو) هو أيسر سبيل لتعليمها لأبناء اللغات الأخرى.
جهود العلماء على المستوى الصوتي:
وإن اهتم علماؤنا بتعليم النحو وتيسيره فإنهم لم يغفلوا الجانب الصوتي، حيث اهتموا بمخارج الحروف، بعدما انتشرت العجمة على الألسن بسبب اختلاط العرب بغيرهم من أبناء الأمم الأخرى، قال الزبيدي:
"ولم تزل العرب في جاهليتها وصدر من إسلامها ، تبرع في نطقها بالسجية ، وتتكلم على السليقة ، حتى فتحت المدائن، ومصّرت الأمصار، ودونت الدواوين، فاختلط العربي بالنبطي والتقى الحجازي بالفارسي، ودخل الدين أخلاط الأمم وسواقط البلدان، فوقع الخلل في الكلام، وبدأ اللحن في ألسنة العوام"
ومن أمثلة هذا الخلل الصوتي ما روت كتب الأدب واللغة أن مولى زياد قال لزياد: أهدوا لنا هُمار وهش ٍ (يعني حمار وحش)، فقال زياد: ما تقول؟ ويلك! فقال: أهدوا لنا أيرا (يعني عيرا)، فقال زياد: الأول خير
وكذلك ما روي عن زياد بن سلمى أبو أمامة وهو زياد الأعجم ومن أمثلة لكنته ما أنشده أبو عبيدة من قوله :
فتى زاده السلطان في الود رفعةً إذا غـيّر الـسلطان كـلّ خليل
قال: فكان يجعل السين شيناً والطاء تاء فيقول (فتى زاده الشّلتان)
فتصدى العلماء لهذه الظاهرة الفاشية بأن تناولوا مخارج الخروف وصفاتها بالشرح العميق والوصف الدقيق، وكان لهم السبق في هذا المضمار، ومما قاله الخليل بن أحمد صاحب أول معجم عربي إن "أقصى الحروف كلها العين ثم الحاء، ولولا بحة في الحاء لأشبهت العين لقرب مخرجها من العين، ثم الهاء ولولا هتّة في الهاء لأشبهت الحاء لقرب مخرج الهاء من الحاء، فهذه ثلاثة أحرف في حيز واحد بعضها أرفع من بعض"
ويُعد كتاب "أسباب حدوث الحروف" لابن سينا مصدرا مهما في هذا الباب؛ إذ تناول مخارج الحروف والأصوات وصفاتها؛ شارحا مكونات الحنجرة واللسان، واصفا العملية العضوية للأصوات والحروف، كما خصص فصلا للحروف الشبيهة بالحروف العربية في اللغات الأخرى فقال:
"وها هنا حروف غير هذه الحروف [العربية] تحدث بين حرفين حرفين فيما يجانس كل واحد منهما بشركه في سببه، فمن ذلك الكاف الخفيفة التي ذكرناها، وحروف تشبه الجيم وهي أربعة: منها الحرف الذي ينطق به في أول اسم البئر بالفارسية، وهو "چاه"، وهذه الجيم يفعلها إطباق من طرف اللسان أكثر وأشد وضغط عند القلع أقوى، ونسبة الجيم العربية إلى هذه الجيم هي نسبة الكاف الغير العربية على الكاف العربية، ومنها حروف ثلاثة لا توجد في العربية والفارسية، ولكن توجد في لغات أخري"
كما ذكر فاء تكاد تشبه الباء، وتقع في لغة الفرس عند قولهم: "ﭭـزوني"وتفارق الباء بأنه ليس فيها حبس تام، وتفارق الفاء بأن تضييق مخرج الصوت من الشفة فيها أكثر، وضغط الهواء أشد، حتى يكاد يحدث منه في السطح الذي في باطن الشفة اهتزاز، ومن ذلك الباء المشددة الواقعة في لغة الفرس عند قولهم: "پـيروزي" وتحدث بشد قوي للشفتين عند الحبس وقلع بعنف، وضغط للهواء بعنف"
جهود العلماء على مستوى الرسم الإملائي
ومن الوسائل العملية التي استخدمها علماء الإسلام لتعليم اللغة العربية لغير أبنائها النقط والتشكيل، ويبدو أن الرائد في هذا الأمر أبو الأسود الدؤلي الذي قام بهذه المهمة بعدما قال زياد له: "إن هذه الحمراء [يقصد العجم] قد كثرت، وأفسدت من ألسن العرب، فلو وضعت شيئا يُصلح به الناس كلامهم، ويعربون به كتاب الله تعالى" فما كان من أبي الأسود إلا الإذعان بعدما سمع من يقرأ " أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ " بالجر بدلا من رفع رسوله، واختار كاتبا ماهرا وقال له:
"خذ المصحف وصبغا يخالف لون المداد، فإذا فتحت شفتيّ فانقُط واحدة فوق الحرف، وإذا ضممتها فاجعل النقطة إلى جانب الحرف، وإذا كسرتهما فاجعل النقطة في أسفله، فإن أتبعت شيئا من هذه الحركات غنة فانقط نقطتين فابتدأ بالمصحف حتى أتى على آخره"
ومن الملاحظ أن أبا الأسود الدؤلي استخدم النقط للدلالة على الحركات الإعرابية وليس للتمييز بين الحروف، حتى جاء تلميذه نصر بن عاصم ليزيل اللبس بين الحروف بوضع النقط على متشابهها، وذلك عندما أمر الخليفة الأموي عبدُ الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق أن يضع علاجًا لمشكلة تفشي العجمة، وكثرة التصحيف، فاختار كلا من نصر بن عاصم، ويحيى بن يَعْمَر لهذه المهمة؛ لأنهما أعرف أهل عصرهما بعلوم العربية وأسرارها، وفنون القراءات وتوجيهها
وتروي لنا المصادر التراثية أن رجلا رومي أتى إلى الحجاج وألقى عليه بعض الأبيات الشعرية بطريقة مضحكة لأنها لم تكن منقطة، ونقطها على هواه فتغير المعنى تماما، فغضب الحجاج وأمر بجلده، فتوسط لدى الحجاج العالم (نصر بن عاصم) ليعفو عنه، فقبل الحجاج شفاعة نصر وطلب منه أن يجد طريقة كي يتلافى الناس خاصة الأعاجم الوقوع في الخطأ واللحن في اللغة، فكان أن وضع نصر النقاط فوق الحروف وتحتها على الصورة المتداولة حتى يومنا هذا.
وعندما اختلط الأمر بين نقط الإعراب الذي وضعه الدؤلي ونقط الإعجام الذي وضعه تلميذه نصر جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي فوضع أشكال الحركات المشهورة حتى الآن( )، فقد جعل الحركات حروفا صغيرة بدل النقط، وابتكر لكل حركة ما يناسبها في الشكل من الحروف ، فالفتحة ألف منبطحة فوق الحرف، والضمة واو صغيرة فوق الحرف، والكسرة ياء مردفة تحت الحرف، والهمزة رأس عين مقطوعة لقرب مخرجها منها، والشدة رأس شين اختصار لشديد، والسكون رأس خاء اختصار خفيف، وبهذه الطريقة أمكن أن يجمع بين كتابة الحروف وتمييزها بعضها من بعض، وضبطها بالشكل، بلون واحد.
طرق ووسائل التدريس
تتميز اللغة العربية بتجربة فريدة من نوعها في انتشارها بين الشعوب غير الناطقة بها، وتحولها إلى لغة أولى لأبناء هذه الشعوب في زمن قياسي، وبالرغم من ذلك فإنه ليس لدينا مصادر أو معلومات موثقة عن الطريقة التي اتبعها المسلمون الأوائل في تعليم هذه اللغة المقدسة في البلاد التي فتحوها؛ هل كانت عبر الانصهار والاختلاط المباشر بين العرب الفاتحين والمسلمين الجدد، أم كان عن طريق تعليم منظم من خلال مدارس أو كتاتيب أو حلقات العلم بالمساجد كما كان متبعاً في باقي العلوم بما فيها علوم اللغة.
وإن كانت هناك إشارات ـ مجرد إشارات ـ تشير إلى دور الاختلاط المباشر في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، يقول ابن خلدون ـ وهو يؤكد على دور العجم في تصنيف النحو: "فكان صاحب صناعة النحو سيبويه و الفارسي من بعده و الزجاج من بعدهما و كلهم عجم في أنسابهم، و إنما ربوا في اللسان العربي فاكتسبوه بالمربى و مخالطة العرب، و صيروه قوانين و فنا لمن بعدهم".
ويقول في موضع آخر: "فإذا تقدمت في اللسان ملكة العجمة صار مقصرا في اللغة العربية؛ لما قدمناه من أن الملكة إذا تقدمت في صناعة بمحل فقلّ أن يجيد صاحبها ملكة في صناعة أخرى، و هو ظاهر، و إذا كال مقصرا في اللغة العربية و دلالاتها اللفظية والخطية اعتاص عليه فهم المعاني منها كما مر، إلا أن تكون ملكة العجمة السابقة لم تستحكم حين انتقل منها إلى العربية، كأصاغر أبناء العجم الذين يربون مع العرب قبل أن تستحكم عجمتهم، فتكون اللغة العربية كأنها السابقة لهم، و لا يكون عندهم تقصير في فهم المعاني من العربية"
فهو يؤكد في هذين النصين على أن المخالطة والتربية بين العرب هي التي أكسبت هؤلاء العجم اللسان العربي وساعدتهم على إتقانه، بيد أن هذا لا يمنع أن يكون هناك مجالس أو مدارس أو وسائل أخرى؛ لتعليم اللغة العربية لغير أبنائها.
ويذكر أبو الفرج الأصبهاني صاحب الأغاني خبراً عن عدي بن زيد العبادي وهو شاعر جاهلي معروف، قد تعلم الكتابة والكلام بالفارسية، فيقول: "فلما تحرك عدي بن زيد، وأيفع طرحه أبوه في الكُتاب، حتى إذا حذَقَ أرسله المَرْزُبان مع ابنه (شاهان مَرْدْ) إلى كُتاب الفارسية، فكان يختلف مع ابنه، ويتعلم الكتابة والكلام بالفارسية، حتى خرج من أفهم الناس بها وأفصحهم بالعربية، وقال الشعر وتعلم الرمي بالنشاب "
ففي هذا الخبر دلالة واضحة، وإشارة ساطعة على أن العرب كانوا يعرفون استخدام الكتاتيب لتعليم اللغات الأجنبية، وليس هناك ما يمنع من أن يكون العرب قد استخدموا نظام الكتاتيب في تعليم اللغة العربية لغير أبنائها، "ومهما يكن من نقص المعلومات الموثقة فإن الذي لا شك فيه أن العربية انتشرت هذا الانتشار في نوعه وفي سرعته، لأن الإسلام والعربية كانا شيئا واحدا ولم يكن أن يُتصور فصل أحدهما عن الآخر"( ).
• د. هاني إسماعيل محمد محاضر بمعهد قرطبة للدراسات العربية