السائل (علي القحطاني): أريد أن أكون كاتبا، فما هي الطريقة إلى ذلك مع أني قرأت كثيرا في كتب القدماء وأنا معجب بالكتابة الأصيلة، ولكنني حاولت كثيرا فلم أخرج ما يرضيني؟
الفتوى 148 : هذا سؤال حسن، ومن الحسَن أن لا ترضى عن كتابتك، وكذلك أولوا العزائم وأصحاب الهمم لا يرضون كلّ الرضا عن أعمالهم، ورضى غيرك ممن يقرأ لك مطلوب، فإنك تكتب لهم، ولا تكتب لك، وأول شرط يشرطه عليك أهل البيان: أن تكون عارفا بقوانين النحو والصرف، ورسم القلم (الإملاء)، فهذه آلة الحرث، والبذر ما تولَّدَ من ذهنك من فِكر، وما ينتج عن ذلك هو النَّبْت، وسيكون النَّبت مختلفا على قدر الآلة وجودة البذر، ومناسبة الوقت، وستكون الثمرة مختلفة على قدر زكاء النّبت واخضراره، والثمرة هي الفائدة التي ترمي بها الرياح في قلب من يقرأ لك، والرياح مختلفة، والقلوب متفاوتة، ومن ثَمَّ كان تحديد الهدف ورسمه غداة اعتزامك على الكتابة مطلوبا، ولكنك تحتاج إلى أن تنوع في بذرك الذي تزرعه، فإنّ الناس لا يصبرون على طعام واحد، وتنويع ذلك وتنميته بالقراءة والحفظ في كتب البلغاء، وأن تحاكيهم، وتجهد في البحث عن كاتب يوافقك وتحبّ أسلوبه وبيانه، وقد يكون الداعي إلى محبتك لأسلوبه معرفَتَك بسيرته وحاله، والأغراض التي يكتب فيها، فلا تَعْدُ عيناك عن قراءة سيرته وخَبَره وخِبرته، فإنك لو تأملت في أحوال الكتبة لوجدت كلّ واحد منهم قد مسَّته نفحة من كاتب سبقه أو عاصره، أو عالم ناصرَه، أو صاحب آصَرَه، وتجد مَن طبيعتُه الغلظة يأنس بمن طبيعته كذلك، ويعجبه قوله الصَّلِفُ، وعبارته الجارحة، وردّه القاسي، وتجد من في طبعه رقّة وأريحية لا يدنو إلى ذلك ولا يحبه، ويرغب في لطيف الكلام ورقيقه.. وهناك أمر آخر لا تفوّته على نفسك، وهو العلم بشرف الكتابة ومآلها، ومالها من خلود، فهي قيد اللفظ، ولسان اليد، ومُجتَنى الألفاظ، ومتنزّه الألحاظ، وهي أثارة العلم والعلماء، كما قال الأولون، ويكفيها شرفاً وعلوّا أن في القرآن سورةً تسمَّى سورةَ القلم، وأن الخالق جلّ ذِكره أقسم بها وبآلتها وبمدادها، فقال سبحانه {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ }[ القلم:1] وقال في أول كلام أنزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) } [ العلق] وأوصيك بقراءة دواوين الشعر؛ ففيها كل ما تحتاجه، وابدأ بأيسرها وأمتعها لديك، واحفظ أقربها إلى روحك، لا سيّما الحَسَنَ من شعر ابن الحسين، أعني أحمد بن الحسين المتنبي.