اللغة العربية وحيويتها في إسرائيل
من كتاب اللغة العربية في إسرائيل سياقات وتحديات
لمحمد أمارة
في ضوء الواقع السياسي-الاجتماعي الذي نشأ بعد عام 1948، والذي تحوّل فيه العرب الفلسطينيون إلى أقلية مهمّشة في إسرائيل، يطرح السؤال التالي: ما مدى قدرتهم على الحفاظ على اللغة العربية، لغتهم الأم؟
أحد الأطر العلمية والنظرية التي تمكننا من فحص حيوية اللغة العربية في إسرائيل هو نموذج "الحيوية الإثنية اللغوية" ((ethnolinguistic vitality الذي عرضه (Giles, Bourhis & Taylor, 197) حيث يقترح هذا النموذج، باختصار، مجموعة من المتغيرات من خلال تقديم عوامل بنيوية تساعد على الحفاظ على لغة الأقلية على المدى البعيد أو فقدانها وقد تمّ الحديث عن المتغيرات تحت ثلاثة عناوين رئيسية: 1- متغيرات المكانة، 2- متغيرات ديموغرافية، 3- متغيرات الدعم السياسي.
يدّعي هذا النموذج أنه كلما كانت الحيوية اللغوية للمجموعات الإثنية أكبر، فانه تزداد قدرتها على حفظ هُويتها الاجتماعية الجماعية ولغتها الأم في مختلف مجالات الحياة. وفي المقابل، فإن المجموعات الإثنية اللغوية الأقل حيوية )أو التي تنقصها الحيوية( قد تفقد هُويتها الجماعية المميّزة ولغة الأم لديها، أيضًا.
في إطار عوامل المكانة، فإننا نتحدث عن الوضع الاقتصادي لدى المجموعة، مكانتها الاجتماعية والمكانة الرمزية للغتها. الفلسطينيون في إسرائيل متعلقون بشكل كامل، تقريبًا، بالأغلبية اليهودية من الناحية الاقتصادية، وللغة العربية قيمة متدنية في سوق اللغات الإسرائيلية. وفيما يتعلق بمكانة اللغة، رغم أنه معترفٌ بها كلغة رسمية، فهي لا تحظى بمكانة عالية في الدولة. لكنّ الفلسطينيين في إسرائيل يرون في اللغة العربية مركبًا هامًّا في هُويتهم الوطنية والقومية. وبناء على ذلك، فإن فحص عوامل المكانة يكشف لنا أن مستوى حيوية اللغة العربية في إسرائيل منخفض حتى دون المتوسط )أمارة، 2006 ب(.
ترتبط المتغيرات الديموغرافية ضمن نموذج "الحيوية الإثنية اللغوية" الذي وضعهGiles, Bourhis & Taylor بعدد المتحدثين بلغة معيّنة داخل منطقة معيّنة، بالتوزيعة الجغرافية لمجموعة لغة الأقلية، وبعدد حالات الزواج المختلط الثنائي اللغة. وخلافًا لعوامل المكانة، يشير تحليل العوامل الديموغرافية إلى أن حيوية العربية متوسطة- عالية . فالعربية هي لغة البيت، والمجتمع )إلى جانب تآكل مع في المدن المختلطة ولدى أشخاص يخدمون في الجيش الإسرائيلي ( ويتمّ نقلها للجيل القادم )أنظر أمارة، 2006 ب(.
هناك مجموعة من العوامل التي تؤثّر إلى حدّ كبير على حيوية لغة الأقلية، وهي ترتبط بالدعم المؤسسي الذي تتلقّاه اللغة. تشمل المؤسسات ذات الصلة "المؤسسات القطرية، اللوائية والمحلية، المنظمات الدينية والاجتماعية، الإعلام الجماهيري والتعليم، وهو ما لا يقل أهمية (53 : Baker, 1993 ) فكلما كان أعضاء مجموعة الأقلية ولغتها ممثلين أكثر في المؤسسات المختلفة، ازدادت حيوية لغتهم، ويتمّ، بالتالي، الحفاظ عليها. خلاصة القول، إن العربية تستعمل في المؤسسات الفلسطينية كافة . وتستخدم المؤسسات العاملة في مجال علاقات العرب واليهود كلاًّ من العربية والعبرية. لكن العبرية هي اللغة الأبرز على المستوى القطري، وهي تُستعمل كلغة اتصال بالنسبة إلى العرب واليهود. ففحص العوامل المؤسساتية يبين أن مستوى حيوية اللغة العربية في إسرائيل يعتبر متوسطا )أمارة، 2006 ب(.
أشير بإيجاز، رغم التحولات السياسية التي جرت في المنطقة، تم المحافظة على اللغة العربية بين الفلسطينيين من مواطني إسرائيل، ربما كان العامل الأكثر أهمية في حيوية العربية في إسرائيل هو قرار لجنة التعليم، مواصلة السياسة البريطانية التي مكّنت المدارس الفلسطينية من التعليم بالعربية. وفيما يتجاوز ذلك، فإن نجاح العربية في الحيّز القطري العامّ محدود جدًّا، وتكاد تكون هيمنة العبرية مطلقة. حين يخرج فلسطيني أو فلسطينية من بلدتهما اليوم، فإنهما لن يتمكنا، على الغالب، من إدارة شؤونهما من دون العبرية. فمعرفة العبرية هي شرط حيوي لإدارة الأمور بشكل ناجع. لقد ساهمت مواصلة التعليم باللغة العربية والتشبث بالدين الإسلامي في حفظ العربية في المشهد اللغوي-الاجتماعي في إسرائيل كلغة هامة، وبهذا تم الحفاظ على الهُوية الشخصية والقومية للفلسطينيين داخل الدولة العبرية.
رغم أننا نستطيع أن نقول أن اللغة العربية في إسرائيل معافاة ونابضة، وإنها لغة تنتقل من جيل إلى جيل وتُستعمل في سياقات وحيّزات كثيرة، إلا أن التحديات كبيرة، سواء كانت داخلية أو خارجية، وخاصة القادمة من اللغة العبرية والمرتبطة بالعولمة.