( هل في القرآن ألفاظ غير عربية .. !! )
هل اشتمل القرآن الكريم على ألفاظ مُعرَّبَة ؟
للعلماء في هذه المسألة أقوال معروفة.
أحدها: ليس في القرآن لفظ معرّب (والمعرّب: لفظ استعملته العرب من لغة غيرهم)؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى قال: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يوسف: 2]،
وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4]،
ويُعزى هذا القول للأكثرين وحامل لوائه: إمام في الفقه، وآخر في اللّغة، وثالث في التفسير:
(الشافعي، وأبو عبيدة، وابن جريرالطبريّ).
الثاني: في القرآن ألفاظ معروفة غير عربية، ووجودها في القرآن لا يخرجه عن اللسان العربية؛ لأنها ألفاظ يسيرة.
الثالث: القرآن عربيّ الأسلوب، وما كان عربيّ الأسلوب ودخله ألفاظ استعملت بالأسلوب العربي لم يخرجه عن لسانه، ولا يقال حينئذ اشتمل على ألفاظ ليست عربية؛
لأنها أخضعت لقوانين العرب، كما فعل بالأعلام الأعجمية كإبراهيم وإسماعيل وجبريل وإسرائيل.
والذين قالوا بالوقوع منهم من أوسع الدّائرة، فقال: في القرآن من كل لسان، وفي (الإتقان) للسيوطي عن أبي بكر الواسطي: <في القرآن من اللّغات خمسون لغة>
ومنهم من جعلها ألفاظًا معدودة.
والقول الذي تطمئن إليه نفسي قولٌ جامع يضمّ نشر ما سبق ذكره، وهو اشتمال القرآن على نوعين من تلك الألفاظ:
أحدهما: ألفاظ تلقفتها آذان العرب بمخالطتهم لغيرهم، إما لرحلة بعض العرب إليهم، أو رحلة غيرهم إليهم. وسَمْع العربيّ سمعٌ حاذق بأذن مرهفة، وما يرد على المرهفات من الآذان، لا يحتاج إلى استئذان، فيجري بعد ذلك على ألسنة العرب على طريقتهم وأساليبهم كما يحصل الآن، ولكنه محفوظ معروف المصدر.
الثاني: ألفاظ تواردت عليها اللّغات، إمّا لاتفاق حصل في ذلك اللّفظ عند الوضع، وإمّا لعلاقة بين اللّغتين علاقة تردّهما إلى الأصل السّاميّ، ففي اللّغات السامية ألفاظ مشتركة لا يُدرى في أيّ اللّسانين كانت قبل.
ووجود هذا أو ذاك لا ينافر أن يكون القرآن عربيًّا، أمّا ما تواردت عليه اللّغات فواضح، وأما ما تلقفته العرب فقد عرّبته، ولاكته بألسنتها حتى صار عربيًّا لا يميّزه إلاّ من عرفه، وهو مع ذلك قليل، فلو لم تعرّب تلك الألفاظ لما خرج القرآن عن كونه عربيًّا. ألا ترى أنّ المرء إذا كان لديه قدح كبير مملوء بالقمح، وفيه حبّات من شعير، لو قال: عندي قدح قمح = لم يكذَّب في ذلك. ولو قال: عندي قدح قمح وشعير، أنكر عليه قوله؛ لأنّ ذلك من أكبر أنواع الظلم في تسمية الأشياء ووصفها. ثم إن من تلك الألفاظ المعرّبة ما كان من صُنع غير العرب كالإستبرق والسندس، وصاحب الصّنعة أولى بتسميتها، ولم تكن عادة العرب المعروفة أن تتلقف أسماء المسمّيات التي لم يكن لها بها عهدٌ، ثم تبدّلها بألفاظ أخرى، بل كانت تأخذها وتعدل بها إلى سننها في النطق ..
ثم إنّ لغة العرب واسعة سعة الدّنيا، والإحاطة متعذِّرة، ومن تلك الألفاظ التي جعلها بعض العلماء ألفاظًا معربة ما هو من لهجاتها، وظُنّ أنها غير عربية،
ولهذا قال الشّافعي في كتابه (الرسالة):<لا يحيط بالعربية إلاّ نبيّ>.
ومن أراد المزيد في هذه المسألة فليقرأ في ذلك كتاب (الإتقان) للسيوطي،
وقد صنّف كتابًا مفردًافي هذا،
وليطالع أيضا ما كتبه أصحاب التفاسير المبسوطة في الآية الثانية من سورة يوسف عليه السلام.