المقال الرابع : المهارات الأساس لفن الخطابة والإلقاء
الاسم: لمرابط محمد بن أحمد
أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي بثانوية الحسن الأول التأهيلية أوفوس
جهة: درعة تافيلالت، المديرية الإقليمية بالرشيدية - المغرب
العنوان الشخصي: الزنقة 16 رقم 12 أزمور الجديد الرشيدية - المغرب
الهاتف: 212665047728 +
البريد الإلكتروني: lamrabetpoet@gmail.com
الخطابة فن نثري قديم، صاحب الإنسان على مر السنين، يتميز هذا الفن بتأثيره في النفس، وإثارة العواطف وبناء الأفكار وإبلاغها للناس، ومحاولة تغيير سلوكاتهم ومقارعة الأفكار بالحجة والدليل المبين. ويكون بأسلوب مؤثر في المستمع وفق ما يقتضيه المقام. فهو يتعامل مع الجانب العقلي والعاطفي للإنسان، إنه فن الإقناع والاستمالة.
وقد تمّ تأليف أول كتابٍ في فن الإلقاء من قِبَل (أرسطو) وسمّاه كتاب "الخطابة"، وقديماً كان الخطيب إذا أراد أن يخطب في الناس وقف على قدميه حتى يراه الجميع، فإن كانوا في العراء، فإنّه يقف على منطقةٍ مرتفعةٍ من الأرض، أو يصعد إلى راحلته، ويخطب عليها، وكان يعتمد في ذلك على الارتجال، وترتيب الأفكار، وتحدي المستمعين؛ حيث يعتمد على قوّته في الإلقاءِ، واختيار الألفاظ القوية، واستحضار الصور، والتشبيهات البلاغيةِ والبيانيةِ، متوخيا إيصال مجموعةً من المعلومات والمفاهيم للجمهور المستمع له بأسلوبٍ مقنعٍ ومؤثرٍ، ولذلك فإنّ الإقناع والتأثير يُعتبران أهمّ غايةٍ في الخطابة.
قد تكون الخطبة مبنية بإحكام شكلا ومضمونا، لكن الخطيب يحتاج إلى مهارات الإلقاء ومواجهة الجمهور، لذلك يعتبر فن الإلقاء ركنا أساسا في نجاح الخطبة، فيحتاج الخطيب باستمرار لتنويع الأساليب الخطابية تحقيقا لأعلى مستويات النجاح، فالخطيب ملزم بالابتعاد على أسلوب واحد معين أو طريقة إلقاء واحدة في كل خطبه ودروسه قصد تفادي الملل والرتابة لدى السامعين. ومن ثمة، بلجأ الخطيب إلى توظيف الأساليب اللغوية الرائعة التي تحمل في طياتها الكثير من البلاغة والتشويق والإثارة لدى المستمع. وبقدر ما يكون لدى الخطيب من قدرة تحصيلية ومهارة وظيفية على استخدام الأساليب البلاغية المختلفة، بقدر ما يكون خطيباً مؤثراً بكلامه المتضمن للمعاني والإيحاءات، بحيث يتمكن من تحقيق أهدافه من الخطابة بالإقناع والإمتاع.
وتقوم الخطابة والإلقاء على مجموعةٍ من القواعد، والأصول، والأساليب، والمفاهيم، وهو ما يدعوه البعض بمهارات الخطابة/ التحدثspeaking skills ويقصد بها: مختلف التقنيات والوسائل والآليات المساعدة على مخاطبة جمهور محدّد وإيصال الرسالة المرجوة بوضوح وثقة، سواءً كان ذلك أمام مجموعة من الأشخاص المألوفين للمتحدث؛ أو جمهورًا غريبًا عنه تمامًا. فلا بدّ للشخص من تعلّمها، وممارستها، والتعوّد عليها، فعلى الخطيب أن يكون قادراً على استمالة الأشخاص، ومعرفة كيفية توجيه عواطفهم، والتأثير في مشاعرهم، وهذا أساسٌ مهمٌّ من أسس فنّ الإلقاء. ومن اهم ما ينبغي التركيز عليه ما يلي:
+ البناء اللغوي المحكم: تحقق الخطابة نجاحا عندما يوظف الخطيب لغة رصينة تراعي مقام المخاطبين وتتماشى ومستواهم المعرفي والذهني، حيث ينبغي أن تكون موازية لقدراتهم على فهم دلالاتها وإدراك معانيها، إلى جانب التنويع في الأساليب اللغوية ( الإنشائية والخبرية) وحسن اختيار أمثلة الاستشهاد والأدلة الإقناعية من الشعر والقرآن والأحاديث النبوية والأمثال الشعبية والواقع والتاريخ...دون إغفال توظيف الأساليب البلاغية التي ترفع من شأو الخطابة وتزيدها رونقا وجمالية كالتشبيهات والاستعارات والمجازات اللغوية والمحسنات البديعية
+ فصاحة النطق: ينبغي على الخطيب أن يكون فصيح اللسان، متجنبا التلعثم وتهجي الحروف، وأن يتميز بحسن نطقها من مخارجها الأصلية، حيث يتمكن المتلقي من التقاط الأصوات دون عناء أو يحس بتداخل الحروف.
+ معرفة الخطيب لجمهوره: فالخطيب يجب أن يكون على معرفةٍ بالقيم والمبادئ التي يحملها المتلقي/ المستمع، ومدى الثقافة التي يتميز بها، ودرجة العلم التي يبلغها، وأهمية الموضوع بالنسبة له، ويتوقع الصدى الذي سيتركه الموضوع في نفسه إيجابا أو سلبا، ومن ثمة يبني خطابه وفق الجمهور المتوقع حضوره وعدده، وكل هذا له دورٌ مهمٌ في تحديد الكيفية التي سيسلكها الملقي في إلقائه، فإن كان العدد قليلا، فهذا يعني أنّ الانتباه سيكون أكثر، أما إن كان العدد كبيراً، فشرود الأذهان وارد والتركيز بعيد والهمس مع الجار كثير، والتشتت موجود، فيذهب الإصغاء وتنعدم الفائدة. وفي هذه الحالة على الملقي أن يربط النقاط ببعضها، ويعمل على تكرار النقاط المهمة؛ للمحافظة على تركيز الجمهور وحضور انتباهه الذهني.
+ محاولة بناء علاقة جيّدة مع الجمهور وهي علاقة قد تنشأ قبل بضعة ثوانٍ فقط من بدء الخطاب، أي بمجرّد الوقوف أمام مجموعة من الناس والتحدّث إليهم قصد خلق تواصل إيجابي معهم، ولتقيق ذلك المطلب ينبغي على الخطيب توجيه التحية والسلام للحضور بمجرّد أن تقف على منصّة الخطاب، وأن ينتظر حتى يوجّه الجميع أنظارهم إليه فيبدأ بالكلام.
+ تحديد الهدف العام للمحادثة: ينبغي على الشخص تحديد الهدف الذي دفعه للتحدث إلى الآخرين، فإذا كان لديه هدف واضح المعالم، تكون عملية الإلقاء سهلةً ومسيرة، ولكي يكون العمل ناجحا لدى الخطيب ينبغي جعل هدفه الرئيس إبلاغ الجمهور أمراً جديداً لم يعرفهُ من قبل، ويجعلهُ يُفكّر فيه، ويشعر به أثناء الإلقاء.
+ التحلي بالثقة في النفس ورباطة الجأش: الخطيب الذي يسعى للتميز ينبغي عليه أن يثق بنفسه أولاً، وبما يقول ثانياً، وهذه الثقة يجب أن تظهر على أفعالهِ وأقواله دون الوصول إلى درجة الغرور بالنفس. ومن الأمور التي تُعين الشخص على الثقة بالنفس، أن يتغلّب على القلق والتوتر لديه، وأن يتوكل على الله سبحانه وتعالى في عمله، وعليه ألا يُرهق نفسه قبل الإلقاء، فالاستعداد البدني له أهميةٌ كبيرة، وأن يثق بما لديه من قدرات، وخصوصاً في الموضوع الذي سيتحدث عنه، وأنّه مُلمٌّ به من كافة جوانبه وهذا الأمر يأتي مع الممارسة والتدريب، ولذلك على المتحدث أن يُراعي هذا الأمر بالإكثار من التدريب على الإلقاء أمام الآخرين.
+ قوة الصوت وتعزيز الكلام: يُستخدم الخطيب صوتا مسموعا وينوع من نبرة الصوت بين الارتفاع والانخفاض تجنبا للرتابة وتوظيف التنغيم لتعزيز الأساليب اللغوية في الحديث وإدراك المعاني والدلالات وتثبيت المعلومةِ لدى المستمع. فالصوت يشد انتباه المتلقي ويجعله مُشاركا مع المتحدث؛ ويتابع الموضوع الذي يناقشهُ، فتتقرب المعاني، والصور إلى ذهنه، وقد لا ينساه إلى الأبد.
+ توزيع النظرات على الجمهور: وهذه العملية تسمح للمتحدث معرفة وإدراك حقيقة فهم الجمهور للصورة التي عبّر عنها، هل تم فهمها أم لا، أو أنّ الطريقة التي استخدمها في الحديث قد أوصلت الفكرة لهم بصورتها الصحيحة.
+ ملامح الوجه: فمن الجيد للمتحدث استرخاء عضلات وجهه، وأن تكون هذه التعابير توافق مضمون ومحتوى الموضوع الذي يتم الحديث عنه.
+ توظيف الحركات الجسدية : استعمال الإيماءات والإشارات الدالة على الكلمةِ والعبارة التي ألقاها المتحدّث أثناء الحديث وينبغي أن تكون مناسبة وغير مبتذلة أن توظف في اللحظة المناسبة لها أثناء الكلام، وعلى المتحدث الحرص وإيلاء الاهتمام الخاص إلى لغة جسده، فالكلمات ليست الطريقة الوحيدة لإيصال معلومة معيّنة، فالحركة أو الإشارة يمكن أن توصل أحيانا ما لا توصله الكلمات. لذا ينبغي على المرء استخدام لغة الجسد المناسبة،. والانتباه لتعابير الوجه دائمًا والحرص على أن تكون متوافقة مع الكلمات. فمثلا إن كان يحكي قصّة حزينة فليس من المنطقي بالطبع أن يبتسم أو يضحك خلال الحديث.
+ وضعية الوقوف أو الجلوس: وتعني الوقوف بشموخٍ وقوة، فلا يُظهر الضعف والارتجاف والخوف أمام الجمهور أن يجلس مستقيم الجسم بلا تردد أو وضع رجل فوق أخرى، درّب نفسك على الوقوف بشكل مستقيم وبوضعية تنمّ عن الارتياح. ضع يديك على جانبيك أو مدّهما أمامك إلاّ في حال كنت تستخدم إيماءة معيّنة لتأكيد نقطة ما في خطابك.
+ تجنب الحركات اللاإرادية: وهي الحركة الطبيعية التي يقوم بها الفرد بشكل تلقائي في حياته اليومية مع زملائه وأصدقائه دون أن يعيروا لها اعتبارا رغم رداءتها، فتوظيفها بشكل كبير يلفت أنظار المستمعين وتقلل من قيمة الملقي ويعاب عليها، لأنها قد تُشتت الأفكار لدى المستمع. + العناية بالهندام: أثناء الإلقاء، يستحسن على المرء اختيار لباس يليق بالمقام الذي هو فيه من حيث الشكل والنظافة وحسن المظهر، فيرتدي ثيابا مريحة، غير مخلة بالحياء.