المقال الثاني: الإيتوس استراتيجيّة خطابيّة
أ.د. عامر صلاّل الحسناويّ
جامعة المثنى. العراق
لمّا كانت انتماءات الخطابة تتجاذبها جملة علوم، منها: العلوم الفعلية المهتمة بخلق النشاطات البشرية وحال الخطابة ههنا من حال الفنون الأخرى؛ فإذا كان فنّ المأساة، يهدف إلى إنتاج دراما تثقيفية؛ فإنّ الخطابة تهدف إلى إنتاج خطاب مقنع، وأمّا انتماؤها للعلوم العملية المهتمة بالأداء البشري وحالها-أي الخطابة- من حال علم الأخلاق والسياسة، وأمّا عن نصيبها من العلوم النظرية فانطلاقًا من كينونة الخطابة الرامية إلى الحقيقة من أجل ذاتها، وبالاتكاء على هذه المرجعيات العلمية نقف على حقيقة انضوائها على وظيفة أساسية تتمحور في الاهتمام بمعالجة قضايا العِباد الدينية والدنيوية، باعتبار الخطابة من أكثر الطرق نجاعةً من خلال هيمنتها التأثيرية التفاعلية في تربية النفوس وشحذ الهمم بالنظر للتماسّ المباشر بين الخطيب وجمهوره، وهذا التأثير لا يتسنى لجميع من تصدّوا للخطابة ما لم يتكئ على جملة معطيات تؤهّلهم إلى جذب انتباه متلقّيهم والاستحواذ عليهم عاطفياً وفكرياً حين إلقاء الخطبة.
وعليه فالنفس البشرية في خطاباتها تنزع على الدوام إلى إيصال أفكارها ورؤاها وتطلعاتها على غير طريقة وأكثر من سبيل؛ إذ تختلف تلك الطرائق التأثيرية بحسب ماهية الدافعية المعوّل عليها من أجل حثّ الآخر وحضّه نحو سلوك ما أو فكرة معينة: فهناك من يجبر المستمعين عنوة على الاقناع والاقتناع القسري في اعتناق أفكاره والأخذ بها بجملة الوسائل الخطابية التي يعمد إليها، وما يأتي به من أدلّةٍ ومصاديق مؤيدة لتلك الأفكار، سواء أكانت بطرقٍ سويّةٍ وحججٍ سليمةٍ، أم لم تكن كذلك، فالمهم تحقيق الهدف المرسوم والمراد تحقيقه، وهناك من الخطباء من يعرّج على العزف على أوتار العقل، وآخر يقصد إلى إثارة المشاعر والجيشان العاطفي لدى سامعيه، أو التأثير باللجوء إلى استعمال أدوات أكثر تحضّراً تقوم على النقاش تارةً والإقناع تارةً أخرى بالنظر لكونهما من أوقع المؤثرات.
ممَا لاشكّ فيه أنّ القدرة الاقناعية تعدّ مزيّة بالغة الأهمية في الحياة والعمل على السواء، ومنذ أمدٍ بعيد حدّ أرسطو هذا الإقناع شفاهيًا وكتابيًا بصورة يمكن أن نتمثّلها بمجسّم هرمي أو مثلث يكتنف بين طيّاته ثلاثة مرتكزات (استراتيجيات)، هي:
الشخصية وأخلاق الخطيب وسمعته (الإيتوس/(ethos، والاستمالة العاطفية (الباتوس/(pathos، والحجج المنطقية (اللوغوس/logos)، ومن المؤكد أكثر الخطابات تأثيرًا تلك التي تجمع بين هذه الاستراتيجيات بصورة متوازنة ومدروسة تتناسب ومتلقيها.
الإيتوس بعبارة فيها شيء من السعة، هو حديث الخطيب الصريح عن نفسه سواء ما يتعلّق بمظهره الخارجي أم أخلاقياته بقصدٍ أو بدون قصد؛ من أجل إعطاء المتلقّي انطباعًا إيجابيًا وحسنَا عن نفسه كيما يضمن ذلك الخطيب فعاليته التأثيرية الاقناعية، فالايتوس هو سمة الهيئة الخطابية وصورتها الذاتية؛ وهذه الجزئية كانت مثار لغطٍ لدى النقّاد والباحثين من حيث القطع بماهية هذه الاستراتيجية وكينونتها ميكانيزم إقناع/إنجاز يلجأ إليه الخطيب من داخل نص الخطبة هذا من جهة.
ومن حيث كون هذه الركيزة مظهر سياقي خارج المنظومة اللسانية تتكئ على السمعة القبلية لهذا الخطيب أو ذاك لدى جمهور المتلقّين، وعندئذ تنتفي الحاجة لتوصيف الخطيب وحديثه عن نفسه وانتماءاته الحزبية أو العشائرية أو الأثنية المذهبية وما سواها، وحينها تعلو كفّة الشخصية الخطابية على نصّ الخطبة المتمثّل بـ(اللوغوس)، فيغدو هذا الرجحان لونًا من الاشهار الإعلامي وتصدير النجوم إلى ساحات المناظرة الخطابية، من جهة أخرى.