بِنْياتُ اللغة في القرآن الكريم
د. عبد الرحمن بودرع
عندَما تقرأ القرآنَ الكريمَ، تجد أنّك أمامَ بنيات لغوية كثيرةٍ متنوِّعةٍ، تجدُ أمامَكَ الجملةَ والعبارَةَ القصيرَةَ والجملَ الطويلةَ التي ترابَطَت أجزاؤُها وأفرادُها، والجُمَلَ المُتداخلةَ التي لا يوقَفُ على بعضِها دون إتمامها جميعاً، ولستَ واجِداً مَعنىً ولا عاثراً على حكمةٍ ولا مُستنبطاً حُكْماً إذا أنتَ فرَّقْتَ بين الأجزاء، وقرأتَها جملةً جملةً أو عبارةً عبارةً، وفصلْتَ بين المُتَّصِلاتِ، ولكنّكَ تجد نفسَك أمام نصّ لغويّ ذي مَسافاتٍ طويلةٍ وتجدُ له أبعاداً وأعماقاً وأبنيةً متشعبةً موغِلةً في التشعُّب، ولن تنفكَّ خارجاً منها لتظفرَ بمعنىً ذي بالٍ إلا إذا عَلوْتَ على المقاييس التي بين يدَيْكَ وعَزمْتَ على حُسن إدراكِ مرابطِ المَعاني وروابط الألفاظِ والجُمَلِ والعباراتِ والنصوصِ
وأضيفُ ههنا أنّك قد تَرى في النص القُرآنيّ الشاسع المُترامي الأطراف والمَسافاتِ والمِساحاتِ بنيةً زمانيةً، فيها الزمن القريب والزمن البعيد، والماضي والحال والمُستقبل، والممكنُ والمُفترَض المُعلَّق بشرط، والزمن النسبيّ والمُطلَق غيرُ المُدرَك بالحواسّ، وتجد أنّ أدواتِ قياس الزمان النحوي والصرفي لا تَفي ولا تَكفي لقياس الزمان القُرآني.
أو بنيةً مكانيةً فيها الأرضون والجبالُ والبحارُ والفضاءُ والسماواتُ، وأماكنُ من التاريخ الذي سادَ ثُم باد، وآثار مكانيةٌ وبيرٌ مُعطّلةٌ وقُصورٌ مَشيدةٌ وبيوت منحوتة في الجبال وبقايا عاد وثمود وفرعون بقيت آثاراً بعد عَيْن، وأماكنُ الشعائر وغير ذلك كثير جدا...
أو بنيةً من الأشخاص والأفراد والجَماعات فيهم الأمم السابقة والأنياءُ والرسلُ والأشخاص في قصص يُراد منها العبَر وأخبار مَن غَبَر
أو بنيةً من الأحداث والوقائع التي طرأت في الأزمنة الغابرَة والحاضرة والمتجددة، التي يصنعُها الإنسان بيديه أو تُصنع له
وتتداخلُ البنى السابقَة في علاقاتِ تفاعُلٍ وتتوزَّع وفقاً لقوانينَ وقَواعدَ لا تُدرك إلا بإدمان النظر في القُرآن الكريم وكثرة قراءَته وتدبرِه وفَهمِه.
المصدر