اللسان العربي شعار الإسلام وأهله واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون
خالد بن حسن بن أحمد المالكي
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:
فإن "اللغة العربية أشرف اللغات، وشعار الإسلام؛ ولهذا اختصها الله تعالى وأنزل بها أفضل كتبه، وهو القرآن الكريم، وجعلها لغة خاتم الرسل وأفضلهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين"[1].
قال الله عز وجل: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ [الشعراء: 192 - 195].
وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ [فصلت: 44].
وعن بريدة، قال: ((أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بلالًا، فقال: يا بلال، بمَ سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خَشْخَشَتَكَ أمامي، دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي، فأتيتُ على قصر مُربِّعٍ مُشرِفٍ من ذهب، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لرجلٍ من العرب، فقلت: أنا عربي، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجلٍ من قريش، فقلت: أنا قرشِيٌّ، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجلٍ من أمة محمد؟ فقلت: أنا محمد، لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب، فقال بلال: يا رسول الله، ما أذَّنت قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها، ورأيت أن لله عليَّ ركعتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بهما))؛ [أخرجه الترمذي (3689)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي].
وعن واثلة بن الأسقع، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم))؛ [أخرجه مسلم (2276)].
وقال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون"[2].
وقال أيضًا: "كان المسلمون المتقدمون لما سكنوا أرض الشام ومصر، ولغة أهلهما رومية، وأرض العراق وخراسان ولغة أهلهما فارسية، وأهل المغرب، ولغة أهلها بربرية عوَّدوا أهل هذه البلاد العربيةَ، حتى غلبت على أهل هذه الأمصار: مسلمهم وكافرهم"[3].
وقال أيضًا: "الطريق الحسن اعتياد الخطاب بالعربية، حتى يتلقنها الصغار في المكاتب، وفي الدور فيظهر شعار الإسلام وأهله، ويكون ذلك أسهل على أهل الإسلام في فقه معاني الكتاب والسنة وكلام السلف، بخلاف من اعتاد لغة، ثم أراد أن ينتقل إلى أخرى فإنه يصعب"[4].
وقال أيضًا: "كان السلف يؤدبون أولادهم على اللحن"[5].
وقال أيضًا: "اعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرًا قويًّا بيِّنًا، ويؤثر أيضًا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق، وأيضًا فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يُفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"[6].
وقال الشيخ محمد بن رشيد بن رضا رحمه الله تعالى: "وقد كان الذين يدخلون في الإسلام من الأعاجم على عهد الصدر الأول يبادرون إلى تعلم اللغة العربية؛ لأجل فهم القرآن والسنة، والارتباط بصلة اللغة التي لا تتحقق وحدة الأمة بدونها، وكان الصحابة يخطبون الناس باللغة العربية في كل بلاد يفتحونها، وما كان يمر الزمن الطويل على بلاد يدخلونها إلا وتتحول لغتها إلى لغتهم في زمن قصير بتأثير روح الإسلام"[7].
إلا "أننا نجد في زماننا من يزهد بلغته العربية، تبعية للغرب الذي سلب لبه بمدنيته الزائفة، وحضارته الموهومة، فأصبح يستبدل العبارات العربية بالكلمات الإنجليزية تارة، أو بالفرنسية تارة أخرى، حتى انحرف لسانه عن لغته الأصيلة، وانحرفت أخلاقه وأطباعه تبعًا لذلك"[8].
وهؤلاء المقلدون للكفار يشعرون بعقدة النقص، ويتحلَّون بالانهزامية والتردي؛ لذا يسارعون إلى سد نقصهم بتقليد من يعظمونهم، ولو وقف هؤلاء على عظمة تشريعات الإسلام، وعرفوا فساد تلك الحضارة التي يركضون خلفها، لعلموا أنهم على خطأ، وأنهم تركوا ما هو كمالٌ وحق إلى ما هو نقص وفساد[9].
فضعف المسلمين وقوة أعدائهم المادية الظاهرة ليست مبررًا للتقليد والتبعية؛ فالأيام دول بين الناس؛ كما قال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [آل عمران: 140]، ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: 128]، وما عند الناس ﴿ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ﴾ [النحل: 96]، و ﴿ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ﴾ [القصص: 80].
"فينبغي للمسلم أن يعتز باللغة العربية، ويحرص عليها، ولا يتكلم بغيرها إلا لحاجة"[10]، وينبغي على جميع المسلمين - عربهم وعجمهم - "العناية التامة باللغة العربية، وتعلمها، والممارسة الجادة على إجادتها بطلاقة لسان، وحسن صياغة؛ فإنها لغة القرآن، ولغة النبي صلى الله عليه وسلم، وصحبه الكرام رضي الله عنهم"[11]، "وبها تُفهم الشريعة، وتدرك معاني القرآن والسنة"[12].
وكذلك ينبغي على عموم المسلمين الاهتمام بجعل اللغة العربية لغة العلم والتدريس لشتى الفنون الشرعية والحياتية[13]، فلا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها[14]، وإنا كنَّا أذلَّ قوم فأعزنا الله بالإسلام؛ فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به، أذلنا الله[15].
والله تعالى أعلم.
المصدر