السائل (فرقان محمد): ذكرتم -حفظكم الله- في فتوى سابقة عدد الحروف العربية.. هل يمكن أن تكون الحروف الهجائية أكثر من ذلك؟
الفتوى 134: هذا غير ممكن، إلاّ أن يكون بإشراب حرفٍ حرفًا آخرَ، كالصّاد التي ينطق بها حمزة حين يُشمّها صوت الزاي في (الصراط)، و(أصدق).
ويروى أنَّ شيخَ المعرَّةِ أبا العلاء قال: لم يسكتني إلاّ غلام لقيني فسألني: ألست القائل:
وإنّي وإنْ كنتُ الأخيرَ زمانُه
لآتٍ بمَا لمْ تستطِعهُ الأَوائلُ ؟
قلت: بلى. قال: فإن حروف الهجاء ثمانية وعشرون حرفًا، فزد عليها حرفًا، فلم أدرِ ما أقول! أو قال كلامًا هذا معناه.
والسّرُّ في ذلك أنّ مواضعَ النُّطقِ اللسانُ والشفتانِ، والهواء الداخل في الفم والحلق والخيشوم، وما من صوتٍ يكون في هذه المواضع إلّا وله حرفٌ أو صفةٌ، وأعني بالصفة الغنَّة التي تخرج من الخيشوم، وتذكر الغنة في مخارج الحروف، وإن لم تكن حرفًا؛ لأنها أشبهت الحروف في حصولها على حيِّز مستقل، فصارت بمنزلةِ من قيل فيه: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم..
فإذا قيل: مخارج الحروف كذا وكذا، وعددنا فيها الغنّة، لم نحتج إلى أن نقول: مخارج الحروف والصفة، وإن كانت الغنة صفة، ومن قال: هؤلاءِ عشرون رجلاً قُبِلَ كلامه إذا كانوا تسعة عشر رجلاً وطفلاً.
والقصد: أن زيادة صوت من الأصوات التي يقبلها الذوق غير ممكن في الّلسانِ العربيّ الذي مضى عليهِ آلاف السنين، وتكلّم به أفصحُ مَن نطق بالضاد.
وما من صوت يكون من الإنسان، أو من غيره، سواء كان في مواضع تلك الحروف، أم كان حدوثه من مكان آخر من جسد الإنسان، إلاّ وحُكِي ببعض هذه الحروف، كالقَرْقرة، والغَرْغرة، والطَّقطقة، وكلام النحاة في أسماء الأصوات معروف، وليس فيها شيء زائد عن الحروف الثمانية والعشرين، فإن زعم أنه يقدر على الزيادة، فلن تخلو زيادته من واحد من أمرين، أوَّلها: أن تكون الزيادة مجرّد صوت معلّق لا موضوع له، وليس بحرف من حروف الجوف، ويكون حينئذٍ أشبه بصوت الحيوانات.
الثاني: أن يكون الحرف المزعوم الزيادة حرفًا من الحروف الثمانية والعشرين، ولم تكن الزيادة إلاّ في صفة من صفاته، كالتفخيم، والترقيق، كالنطق بالباء مفخَّمة، أو بالفاء، أو الواو، فلو قدِّر أنّ في بعض العرب من يفخمها، أو يفخم شيئًا لم يسغ لأحد أن يحدث لها اسمًا جديدًا، ويكفي في ذلك أن يلمح إلى الحرف بصفته، كما نقول: الراء المفخمة، والراء المرققة، ولا يسوغ لنا أن نسمّي الراء المرققة بالرَّيء، لأن بعض العرب يرقِّقها، ولو فتح هذا الباب لأحدثنا خمسين حرفًا أو أكثر دون تزيّد ولا مبالغة، والله المستعان.