تداوُل المَعْنى في الشعر
د. عبد الرحمن بودرع
قال الشاعرُ الأمويُّ جرير في مَدحِ الخليفَةِ عبدِ الملكِ بنِ مروانَ :
أَتَصحو بَل فُؤادُكَ غَيرُ صاحِ /// عَشِيَّةَ هَمَّ صَحبُكَ بِالرَواحِ
ولأبي نواس مثلُها: أَتَصحو أَم فُؤادُكَ غَيرُ صاحٍ /// عَشِيَّةَ هَمَّ صَحبُكَ بِالرَواحِ
غير أن أبا نواس جاء بأمْ التسوية بعد الاستفهام، وهو أنسَبُ نحواً وأوفَقُ مَعْنىً، ثم إن بيتَ جرير هو المَطلَع لقصيدَته، أما أبو نواس فالبيت جزء من قصيدة مطلعُها:
تُعاتِبُني عَلى شُربِ اِصطِباحِ /// وَوَصلِ اللَيلِ مِن فَلَقِ الصَباحِ.
طَبعاً جرير أسبَق من أبي نواس فقد توفي الأول سنةَ 110هـ، وتوفي الثاني سنةَ 198هـ، ويدلّ ذلك على سَبْقه إلى أصل المعنى، أي مَعْنى الإنكار على نفسه وتنبيهها على الصحومن الغفلَة، أما أبو نواس فقَد أخذ معنى جرير وغيرَ فيه وأدخل عليْه ما ذكرْنا آنفاً، ولعلّ جريراً نفسَه أفادَ من أصل آخَر في تركيب مَعْناه، وهو جَميل بنُ مَعْمَر في قولِه:
تَنادى آلُ بَثنَةَ بِالرَواحِ /// وَقَد تَرَكوا فُؤادَكَ غَيرَ صاحِ
فقَد جَمَعَ في البيت بين صحو الفؤاد وبين الرواح ، وكذلكَ فَعَلَ جريرٌ بعَده ثمّ أبو نواس بعدَهُما.