#شيء من اللغة: مصطلحات الأزمنة (1)
د. هادي حسن حمّودي
لأن الشاعر الرحالة باسم فرات يعشق لغته العربية إلى أقصى مدى للعشق، فقد وجه لي رسالة شاعرية يذكر فيها أنه سُئل عن الفرق بين العصر والحقبة. وكتب (وأضيف الفترة والمدة) ووصفني بأني ثقته، وأنه يريد أن يكون دقيقا لإجابة صاحبه، حتى لا يكون ضالا مضلا إن أجاب من غير تأكد.
إجابتي:
شكرا أيها العزيز أستاذ باسم فرات على رسالتك الدالة على مدى دقتك وحذاقتك اللغوية. وتدري أن الإجابة السريعة لن تكون مقنعة فلا بد من شيء من التوضيح، أي أن أخصص حلقة لكل مصطلح من هذه المصطلحات، حسب حجم الحلقة المخصص للتواجه. وثمة توضيحات أشمل في الكتاب المؤمل إنجازه أواخر شهر شباط/ فبراير القادم، بإذن الله.
نبدأ من (الفترة) فنضيف مزيدا من التوضيح على حلقة سابقة.
المشهور أن الفترة دالّة على التغيّر عند الخليل: فتَرَ فُتورا: خفّ عن حِدّته، ولانَ بعد شِدّته. ويجدُ فلان في جسده فَتْرَةً، أي: ضَعفا، تغيّر من القوة إلى الضعف. وأخذ ابن فارس المعنى الأخير وجعله أصل الجذر.
كل هذا صحيح، ولكن، ما العلاقة بينه وقول اللغويين ومنهم الخليل وابن فارس: الفِتْرُ: مقدار ما بين طرف الإبهام وطرف المشيرة (يقصد السبابة). وهو الفِتْر المعروف إلى اليوم. فترتُ الشيء بفِتْري وشَبَرْتُه بشِبري. ثم قول اللغويين: والفَترة: ما بين كل رسول إلى رسول. حسب عبارة كتاب العين؟
من حكم بالخطأ على استعمال الفترة دالة على الزمن أخطأ وجه الصواب. وقد ناقشنا هذا في الحلقة السابقة. ولنلاحظ هذه النقاط:
1- نرى أن الأصل في الدلالة ما ورد في الآية (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ) فهي مرحلة زمنية خلت من ظهور الرسل والأنبياء. فلا علاقة لها بالضَّعْف. فلا يمكن فهمها بـ(على ضعف من الرسل). وهل توصف الفترة بين رسولين بالضعف أو القوة؟ وإنما سميت فترة لدلالتها على التغير، فهي مرحلة لم يظهر فيها رسل بين زمنين ظهر فيهما رسل.
2- وبناء على أن (الفترة) هي الزمن بين كل رسولين، فيحق لك أن تقول: تزايدت الأصنام في تلك الفترة (أي التي كانت بين المسيح والنبي الكريم، أو بين كل رسولين). وهذا مما لا خلاف عليه، لغويا. وهو اشتقاق معنوي من المعنى الذي حدده المفسرون واللغويون.
3- قد تعترض بالآيتين (لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ / أي العذاب/ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) و(يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ).
فأتساءل: ترى: هل ثمة ما يمنع من أن نفهمهما كما فهمنا معنى الفترة في (عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ)؟ بمعنى أن العذاب في الآية الأولى مستمر متواصل بلا فترة انقطاع؟ وهل ثمة ما يمنع من أن يكون المسبحون ملتزمين بالتسبيح بقوة لا ضَعْفَ يعتريهم فيها؟
نرى هذين المعنيين ينسجمان تماما مع (فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ) للدلالة على زمان محدّد اختلف عما سبقه وما أعقبه.
4- والفِتْر: المسافة بين طرف الإبهام وطرف السبّابة (هي المشيرة بتعبير الخليل) في حالة فتحهما. والشِّبْر هو المسافة بين طرف الإبهام وطرف الخنصر في حالة فتح الكفّ كلّها. فلا ضعف وإنما هي قطعة من شيء ما بذلك الطول أو العرض. فيتلاقى معنى قطعة من الزمان في (الفترة) مع معنى قطعة من المكان، في (الفِتْر).
فالجذر ( ف ت ر) دال على تغير محدد ماديا ومعنويا، زمنيا ومكانيا، أما التغير الزمني فنراه مرحلة من الزمن تقع بين مرحلتين مختلفتين عنها. هذا من حيث أفصح الاستعمال. فإن أشبهت ما قبلها أو ما بعدها فلا خطأ في ذلك، ولكن نزل التعبير من مستوى الأفصح. فنقول من الأفصح: حدث في الفترة النبوية، لأنها اختلفت عما سبقها وعما أعقبها بوجود الرسول الكريم فيها. وكذلك فترة الشباب، وفترة الكهولة، مرحلة قوة تعقبها مرحلة ضعف.... هذا والله أعلم.
المصدر