قبسات من"أضواء البيان .." للإمام الشنقيطي (13)
في الحلقة السابقة نقلتُ كلام الشيخ – رحم الله والديّ ورحمه – عند قوله تعالى :
(" ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ "
ظاهر هذه الآية الكريمة – بحسب الوضع اللغوي – التخيير بين الكفر والإيمان،ولكن المراد من الآية ليس هو التخيير،وإنما المراد بها التهديد والتخويف،والتهديد بمثل هذه الصيغة التي ظاهرها التخيير أسلوب من أساليب اللغة العربية.)
وقلت ما ورد على خاطري .. ثم استمعت إلى حوار جاء في بعض من الكتب الأدب .. رواه سيدنا حسان بن ثابت – رضي الله عنه – عن زيارته في الجاهلية لـ"جبلة بن الأيهم" .. وأنه زاره مادحا .. فوجده يجلس بين رجلين. فسأله "جبلة" إن كان يعرفهما؟
فرد بأنه يعرف أحدهما .. وهو "النابغة الذبياني" .. ولا يعرف الآخر .. فقال له هذا"علقمة بن عَبَدة : الفحل" ثم قال"جبلة" :
( فإن شئت استنشدتهما فسمعتهما ثم إن شئت أنشدت وإن شئت سكتِ.
فقال حسان نعم.)
فأنشد النابغة قصيدته التي مطلعها :
كِليني لِهَمٍ يا أميمة ناصب * وليل أعانيه بطيء الكواكب.
قال سيدنا حسان – رضي الله عنه –
(فذهب نصفي)
ثم أنشد علقمة :
طحا بك قلب في الحسان طروب * بُعيد الشباب عصرُ حانَ مشيب.
قال سيدنا حسان – رضي الله عنه –
(فذهب نصفي الآخر)
ثم التفت إليه "جبلة" وقال :
(آنت الآن أعلم إن شئت أنشدتَ وإن شئت سكتَ)
فأنشد سيدنا حسان – رضي الله عنه – قصيدته التي مطلعها :
أسألتَ رسم الدار أم لم تسأل * بين الجوابي فالبُضيع فحومل
ومنها الأبيات الذائعة :
لله در عصابة نادمتهم * بجلق في الزمان الأول
يمشون في الحلل المضاعف نسجها * مشي الجمال إلى الجمال البزل
الضاربون الكبش يبرق بيضه * ضربا يطيح له بنان المفصل
والخالطون فقيرهم بغنيهم * والمنعمون على الضعيف المرمل
أولاد جفنة حول قبر أبيهم * قبر ابن مارية الكريم المفضل
يُغشون حتى ما تهر كلابهم * لا يسألون عن السواد المقبل
قال "مقتبسه"غفر الله لوالديه وله وللشيخ :
عذرا .. جرني الشعر .. والسؤال :
هل قول"جبلة" لسيدنا "حسان" – رضي الله عنه - :
"إن شئت استنشدتهما ؟" هل هذا تخيير مطلق؟ ألا يحمل معنى الأمر؟ أي هل كان سيدنا "حسان" – رضي الله عنه – يستطيع أن يقول لـ"جبلة" .. سأنشد قبل الشاعرين؟
أعود إلى "القبسات"
كتب الشيخ،رحم الله والديّ ورحمه :
*
حول قتل تارك الصلاة :
(واعلم أن جمهور من قال بقتله يقولون : إنه يقتل بالسيف. وقال بعضهم : يضرب بالخشب حتى يموت . وقال ابن سريج : ينخس بحديدة أو يضرب بخشبة،ويقال له : صل وإلا قتلناك. ولا يزال يكرر عليه حتى يصلي أو يموت. – ص 395 – وقالت جماعة من أهل العلم ،منهم الإمام أبو حنيفة رحمه الله وأصحابه،وجماعة من أهل الكوفة،وسفيان الثوري،والمزني صاحب الشافعي : إن تارك الصلاة عمدا تكاسلا وتهاونا مع إقراره بوجوبها لا يقتل ولا يكفر،بل يعزر ويحبس حتى يصلي (..) واحتجوا لعدم قتله بأدلة،منها حديث ابن مسعود المتفق عليه الذي قدمناه في سورة"المائدة"وغيرها : "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني،والنفس بالنفس،والتارك لدينه المفارق للجماعة"(..) ولم يذكر منها ترك الصلاة){ جـ 4 ص 400 "أضواء البيان"}.
قال "مقتبسه"غفر الله لوالديه وله وللشيخ :
أكثر مرة أسمع خطيب الجمعة في مسجدنا يسرد أقوال القائلين بقتل "تارك الصلاة"دون أن يصل إلى الجزء الثاني ،ورأي الإمام أبي حنيفة .. إلخ.
وهنا يوجد خلط بين"تارك الصلاة" والذي ينخس بالسيف .. أو يضرب بالخشب .. حتى يصلي أو يموت .. وبين من يترك الصلاة "كسلا" .. ولا يُتصور أن شخصا يصل به"الكسل" إلى درجة يتمنع معها عن الصلاة .. وإن نُخس بالسيف .. !!
كتب الشيخ،رحم الله والديّ ورحمه :
(والأثاث : متاع بيت. وقيل : هو الجديد من الفرش. وغير الجديد منها يسمى"الخُرْثيّ"بضم الخاءوسكون الراء والثاء المثلثة بعدها ياء مشددة. وأنشد لهذا التفصيل الحسن بن علي الطوسي قول الشاعر :
تقادم العهد من أم الوليد بنا دهرا وصار أثاث البيت خُرْثيا
والإطلاق المشهور في العربية هو إطلاق الأثاث على متاع البيت مطلقا. قال الفراء : لا واحد له. ويطلق الأثاث على المال أجمع : الإبل،والغنم،والعبيد،والمتاع. والواحد أثاثة. وتأثث فلان : إذا أصاب رياشا،قاله الجوهري : عن أبي زيد ){ جـ 4 ص 446 – 447"أضواء البيان"}.
قال "مقتبسه"غفر الله لوالديه وله وللشيخ :
ما جاء هنا من كون"الأثاث" يطلق على جميع المال : الإبل والغنم ...إلخ
ذكرني بكلمة"الدبش" في لسان الشناقطة .. والتي تعني "الأثاث" ولكن لا تدخل فيها الحيوانات .. وكنتُ قد سمعتُ في بعض "لهجات البادية" لفظة"الدبش" والتي تعني "الحيوانات" : بحثت – في الشابكة – فوجدت التالي :
"الدَّبَشُ : أثاث البيت وسقط متاعه. "ج"أَدْبَش"
وفي سؤال عن معنى"الدبش" في لهجة البادية وجدتُ التالي :
"الدبش هو البهائم"
كتب الشيخ،رحم الله والديّ ورحمه :
*
(وقوله :" وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ"(..) وقرأ هذا الحرف / حمزة والكسائي "وَوُلْدًا"بضم الواو الثانية وسكون اللام. وقرأه الباقون بفتح الواو واللام معا،وهما لغتان معناهما واحد كالعَرَب والعُرْب ،والعَدَم والعُدْم. ){ جـ 4 ص 456"أضواء البيان"}.
قال "مقتبسه"غفر الله لوالديه وله وللشيخ :
"وُلْدْ" مسموعة – حتى الآن - في لهجات بعض أهل الصعيد.
كتب الشيخ،رحم الله والديّ ورحمه :
*
(قوله تعالى:" طه" أظهر الأقوال فيه عندي : أنه من الحروف المقطعة في أوائل السور،ويدل على ذلك أن الطاء والهاء المذكورتين في فاتحة هذه السورة،جاءتا في مواضع أخر لا نزاع فيها في أنهما من الحروف المقطعة. أما الطاء ففي فاتحة "الشعراء":"طسم"وفاتحة "النمل":"طس"،وفاتحة "القصص"وأما الهاء ففي "مريم "في قوله تعالى:" كهيعص"(..) وقال بعض أهل العلم : قوله"طه"معناه : يا رجل. قالوا : وهي لغة بني عك بن عدنان،وبني طيء،وبني عكل،قالوا : لو قلت لرجل من بني عك : يا رجل،لم يفهم أنك تناديه حتى تقول : طه،ومنه قول متمم بن نويرة التميمي :
دعوت بطه في القتال فلم يجب فخفت عليه أن يكون موئلا (..) وقال عبد الله بن عمرو : معنى"طه"بلغة عك : يا حبيبي،ذكره الغزنوي. وقال قطرب : هوبلغة طيء(..) وممن يروى عنه أن معنى"طه"يا رجل،ابن عباس ومجاهد وعطية العوفي والحسن وقتادة والضحاك والسدي وابن أبزى وغيرهم،(..) وذكر القاضي عياض في الشفاء عن الربيع بن أنس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى،فأنزل الله "طه"يعني طأ الأرض بقدميك يا محمد. وعلى هذا القول فالهاء مبدلة من الهمزة،والهمزة خففت (..) ولا يخفى ما في هذا القول من التعسف والبعد الظاهر){ جـ 4 ص 499 – 500 "أضواء البيان"}
كتب الشيخ،رحم الله والديّ ورحمه :
*
(وقد بين تعالى أن من آثار غضب موسى إلقاء الألواح التي فيها التوراة،وأخذه برأس أخيه يجره إليه،كما قال في "الأعراف": " ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ " وقال في"طه"مشيرا لأخذه برأس أخيه :" قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ"وهذه الآيات فيها الدلالة على أن الخبر ليس كالعيان،لأن الله لما أخبر موسى بكفر قومه بعبادتهم العجل كما بينه في قوله :"قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري"وهذا خبر من الله يقين لا شك فيه فلم يلق الألواح،ولكنه لما عاين قومه حول العجل يعبدونه أثرت فيه معاينة ذلك أثرا لم يؤثره فيه الخبر اليقين بذلك،فألقى الألواح حتى / تكسرت،وأخذ برأس أخيه يجره إليه لِمَا أصابه من شدة الغضب من انتهاك حرمات الله تعالى.){ جـ 4 ص 613"أضواء البيان"}
كتب الشيخ،رحم الله والديّ ورحمه :
*
(كل فعل مضارع في القرآن الكريم مجزوم بـ"لم"إذا تقدمتها همزة استفهام،كقوله هنا:" أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ"فيه وجهان معروفان عند العلماء :
الأول : أن مضارعته تنقلب ماضوية،ونفيه ينقلب إثباتا،فيصير قوله :" أَلَمْ يَعِدْكُمْ "بمعنى وعدكم،وقوله :"ألم نشرح"بمعنى شرحنا،وقوله:"ألم نجعل له عينين"بمعنى جعلنا له عينين. وهكذا. ووجه انقلاب المضارعة ماضوية ظاهر،لأن"لم"حرف قلب تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى المضي كما هو معروف. ووجه انقلاب النفي إثباتا ان الهمزة إنكارية،فهي مضمنة معنى النفي،فيتسلط النفي الكامن فيها على النفي الصريح في"لم"فينفيه،ونفي النفي إثبات فيؤول إلى معنى الإثبات.
الوجه الثاني : أن الاستفهام في ذلك التقرير،وهو حمل المخاطب على أن يقر فيقول : "بلى"وعليه فالمراد من قوله :" أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ"حملهم على أن يقروا بذلك فيقولون : بلى هكذا. ونظير هذا من كلام العرب قول جرير :
ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح ){ جـ 4 ص 615 – 616"أضواء البيان"}
كتب الشيخ،رحم الله والديّ ورحمه :
*
عند قوله تعالى : " كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ۚ" التوبة 69
(والمقصود أنه جمع بين الاستمتاع بالخلاق وبين الخوض بالباطل،لأن فساد الدين إما أن يقع بالاعتقاد الباطل والتكلم به وهو الخوض،أو يقع بالعمل،بخلاف الحق والصواب وهو الاستمتاع بالخلاق. فالأول : البدع ،والثاني : اتباع الهوى،وهذان هما أصل كل شر وفتنة وبلاء،وبهما كذبت الرسل وعُصي الرب،ودُخلت النار،وحلت العقوبات.
فالأول من جهة الشبهات،والثاني من جهة الشهوات،لهذا كان السلف يقولون : احذروا من الناس صنفين : صاحب هوى فَتَنه هواه،وصاحب دنيا أعجبه دنياه.) ابن القيم "أضواء البيان" جـ 4 ص 772}
هنا .. يدقق
ـــــــــــــــــــــ
(وفي بعض المراسل :"إن الله يحب البصرَ الناقد عند ورود الشبهات،ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات") : ابن القيم "أضواء البيان" جـ 4 ص 773}
ـــــــــــــــــــ
عند اجتهاد الصحابة رضي الله عنهم :
(ومنها : أن عليا رضي الله لما كان باليمن أتاه ثلاثة نفر يختصمون في غلام فقال كل واحد منهم : هو ابني. فأقرع بينهم،فجعل الولد للقارع وجعل عليه / للرجلين الآخرين ثلثي الدية،فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه من قضاء علي رضي الله عنه.){ جـ 4 ص 782"أضواء البيان"}.
ــــــــــــــــــــــــــــت
(وقوله :" فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ"فيه وجهان من التفسير لا يكذب أحدهما الآخر.
الأول : أن المعنى " لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ "أي : لن نضيق عليه في بطن الحوت./ ومن إطلاق"قدر"بمعنى"ضيق"في القرآن قوله تعالى :" اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ"أي : ويضيق الرزق على من يشاء،وقوله تعالى :"لينفق ذو سعة من سعته ومن قُدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله"الآية. فقوله :" ومن قُدر عليه رزقه "أي ومن ضيق عليه رزقه.
الوجه الثاني : أن معنى"لن نقدر عليه"لن نقضي عليه ذلك. وعليه فهو من القدر والقضاء."وقَدِر"بالتخفيف تأتي بمعنى "قدر"المضعفة،ومنه قوله تعالى :" فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ"أي : قدره الله. ومنه قول الشاعر وأنشده ثعلب شاهدا لذلك :
فليست عشيات الحمى برواجع لنا أبدا ما أورق السّلم النضر
ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى تباركْتَ ما تَقْدِر يقع ولك الشكر .
والعرب تقول : قدر الله لك الخير يَقْدِره قدرا،كضرب يضرب،ونصر ينصر،ومنه على أصح القولين "ليلة القدر"لأن الله يقدر فيها الأشياء،كما قال تعالى :" فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ "والقَدَر بالفتح،والقَدْر بالسكون : ومنه قول هدبة بن الخشرم :
ألا يا لقومي للنوائب والقَدْر وللأمر يأتي المرء من حيث لا يدري
أما قول من قال : إن"لن نقدر عليه"من القدرة،فهو قول باطل بلاشك،لأن نبي الله يونس لا يشك في قدرة الله على كل شيء،كما لا يخفى.){ جـ 4 ص 853 – 854"اضواء البيان"}.
إلى اللقاء في الحلقة القادمة .. إذا أذن الله.
محمود بن محمد للمختار الشنقيطي المدني :
رحم الله من أهدى إليَّ عيوبي