شريف إبراهيم:
من خلال هذه القصائد التي كتبها الأستاذ" محمود شاكر" بجانب هذا التأثر واهتمامه و حرصه على الحفاظ على اللغة العربية كان لديه هذا الذوق و الفن يظهر في أعماله، إلى أي حد؟
د.محمد جمال صقر:
أنت لك مدخل إلى هذا السؤال و عذر، عذرك عذر تاريخي؛ فما أكثر ما تكلم الناس قديما و حديثا عن صعوبة اجتماع العلم و الفن في قلب رجل واحد ، لماذا؟ لتعليق سهل جدا، أما العلم فينطلق من منطلقات محددة، يسير في طريق صحيحة معروفة واضحة بينة، لا يميل عنها، ليصل من مقدمات مُتَرَتِّبٍ بعضُها على بعض إلى نتائج، وأما الفن فشاذ عن أساليب العلم، طائرٌ مُحَلِّقٌ مُعتمِد على الخيال، لا ينطلق من منطلقات ثابتة نعرفها، يصل إلى النتيجة بطريقة غير التي نعرفها،فكيف يجتمع هذا و ذاك في قلب رجل واحد.. إلا إذا كان ضعيفا في جانب من هذين، فقديما قالوا لم يجتمع الفن و العلم في قلبٍ مثل قلب"خلف الأحمر" و هو عالم من علماء تاريخنا القديم، كان يستطيع متى شاء أن يقول قصيدة تشبه شعر أي شاعر شاء، لا يستطيع الناس- إلا خبراؤهم خبرة واسعة - أن يميزوها من شعره، و جاء بعد ذلك رجل كأبى تمام و كالمعري علماء فنانون ، علماء شعراء.
حتى إن هذا لدى الغرب، و يذكر الغربيون أن هذا صعب لديهم كذلك، ويَعُدّون على الأصابع العلماء الفنانين ، لماذا يا أخي ؟ لأن العلم مختلف كمــا ترى، ولأن الفنان منحاز غير منصف، فعدم الإنصاف لا يناسب العلم، الذى يناسب العلم الإنصاف، فالفنان شاذ إلى الجور و العالم يلتمس قدر الطاقة الإنصاف لا الموضوعية، و هى أسطورة تحتاج نفسها إلى كلام.
فإذن لك الحق في أن تسأل هذا السؤال ، كيف اجتمع له .. لم أمثل بأمثلة من الغرب يعدونها على الأصابع: كوليردج من الإنجليز، و وردزويرث من الفرنسيين،و أشباههم كانوا علماء شعراء، يُنَظِّرون، و يَتَفَنَّنون فكيف صح لهم هذا؟ لنعلم أولا أنه لم يستحل فقد حدث لدينا و لدى الغرب، لكن حدث بقلة، و كيف حدث؟ يبدوأن أولئك الفنانين كانوا يدخلون إلى العلم من مداخل فنية، يتناولون قضايا العلم بطرائق الفنانين، حتى إن الأستاذ" محمود" نفسه صرح بهذا في مقال في قضية الانتحال في" طبقات فحول الشعراء" لابن سلّام - أصدره في مجلة" العربي" في سنة سبعين أو في سنة متقدمة، ثم أعيد طبعه في كتاب في سنة تسع و سبعين- صرح بهذا و قال في كلمته على ملأ من الحضور - و كان المقال محاضرة - : طريقتي مختلفة ، طريقتى تخالف طريقتكم - يقصد طريقته في تناول مسائل العلم - فلك أن تقول هنا إنه كان يتناول مسائل العلم بروح الفنان و مداخله التي لا ينحصر بها ،لا يستطيع تقدير ما سينتقل منه إلى ما بعده .. و هكذا . فالفن لديه جماع تلك المسائل كلها.
شريف إبراهيم:
في عجالة سريعة، طبعا نحن في مثل هذا البرنامج لن نستطيع أن نأتي على أعمال علم كبير من أعلام اللغة العربية و أعلام هذه الأمة بحيث نحصرها- و لكن نريد أن نمر عليها مرورا، نشير إلى أهم هذه الأعمال التي تركها لنا الأستاذ" محمود محمد شاكر".
د.محمد جمال صقر:
أحسنت يا أخي ، هذا الرجل ولد سنة تسع و مات سنة سبع و تسعين، فهو رجل مُعَمَّر لو اطَّلعتَ على كتاب الأساتذة عايدة الشريف " محمود محمد شاكر حياة قلم " – رحمهما الله! – لوجدتها تذكر لك السنة و ما فعل فيها،ما هذا! إذن شغل حياته كلها حتى إنها كانت طريفة جدا، تذكر في السنة الأحداث التاريخية و ما كتبه"محمود شاكر"، و كأنها تريد أن تقول هذا مرتبط بهذا، و هو من الأهم الذي ينبغي أن يُذْكَر معها ، مثلا تذكر ثورة كذا و عمله،تذكر حرب كذا و عملا من أعماله - فإذن هو مستمر العمل ، ثم عمله مهم ، ثم عمله مرتبط بالحدث الذي كان . هكذا العلماء لا يَحْيَوْنَ في عُزلة ، لا تَظُنَّنَّه قد انعزل طائعا في أواخر حياته ، و لكنه لم يجد لكلامه من أثر، مكث زمانا ينادي و ما من مجيب، فاضطُر إلى أن يَعْكُف.
إذا حاولنا أن ننتقي بعض أعماله لم نستطع أن نُغْفِلَ مثلا ما ذُكِر في براءة حصوله على جائزة الملك فيصل و هو كتابه " المتنبي" الذى كتبه وهو في السادسة والعشرين ، و كان فتحا في التأليف؛ حيث رتَّب الشعر واستنبط سمات النفس و أحداث التاريخ من الشعر، و له كذلك مقالات عظيمة ، المقال كتاب! أغلبها محفوظ نرجو أن تُفَضَّ عنه الأستار، و لكنَّ بعضها خرج في كتابه " نمط صعب و نمط مخيف " و بعضها صدر في " أباطيل و أسمار " هذه من المقالات ،أنا رأيت في مكتبه حقائب متجاورة ، فسألت عنها، فأُخْبِرْتُ أنها المقالات قد جُمِّعَتْ في حقائب وحدها ، فمتى .. متى تخرج هذه ، أما تحقيقاته و كتبه ، فهذه يُمَثَّلُ لها و لا تُحْصى؛ يكفي تحقيقه لنصف تفسير" الطبري" الذي قال فيه بعض الناس أنني كنت أقرأ ما كان يكتبه "محمود شاكر" في الحاشية قبل أو دون أن أقرأ كلام "الطبري" و هو إمام المفسرين أو أمير المؤمنين في التفسير كما يقال ، له تحقيق" طبقات فحول الشعراء" لابن سلام، له تحقيق" تهذيب الآثار" . و له كذلك في الشعر" القوس العذراء" ، و هي ملحمة كثر فيها النقد و الخَوْضُ من كبار الناس، و " اعصفي يا رياح " الذي سنخرجه له . هذا شئ يسير .. إطلاله يسيرة ، نرجو أن نُوَصِّلَها.
شريف إبراهيم:
ذكرت في الكلام عن الأستاذ" محمود محمد شاكر" أنه حاز جائزة الملك فيصل عن كتابه" المتنبي"، فهل حاز الأستاذ" محمود محمد شاكر" جوائز أخرى ؟
د.محمد جمال صقر:
هذا سؤال في محله ، كأنك تقول : كَرَّمَه الناس خارج مصر فلِمَ لَمْ يُكَرِّّّموه داخل مصر؟!
هو كُرِّّم أخيرا ، أنا لا أرى هذا تقديرا كافيا - لكن حصل على أعلى جائزة و هي جائزة الدولة التقديرية ، حصل عليها فيما بعد حصوله على جائزة الملك فيصل، و ربما كانت جوائز ناشرين .. جوائز كتب .. لكن هذه الجائزة التي حصل عليها!
شريف إبراهيم:
بمناسبة الكلام عن الجوائز - أعزائي المستمعين - ضيفنا اليوم الدكتور" محمد جمال صقر" وهو من تلامذة الأستاذ" محمود محمد شاكر" شيخ العربية - حاز على أكثر من جائزة من نادي أعضاء هيئة التدريس من جامعة القاهرة في القصة و في الشعر.
د.محمد جمال صقر:
يا أخي ، أحسن الله إليك ،أعظم جائزة- فيما يبدو لي- إذا أردت أن تتحدث عن الجوائز - فهي إكرام الأستاذ" محمود محمد شاكر" نفسه لي بحضوره بعض أعمالي،و كان هذا مُدهشا للحاضرين؛لأنه كان في عمر قد تأخرتْ، و رغم هذا حضر، و جلس من قبل أن نبدأ و إلى أن انتهينا وإلى ما بعد أن انتهينا، فكان هذا أعظم جائزة فيما أرى ؛لأنه تقدير،حتى إن بعض الناس قال: نَعْرِفُهُ، و نَحْسُدُهُ عليه!
شريف إبراهيم:
أعزائي المستمعين، في ختام هذه الحلقة من برنامج"حديث الفكر"- أسعدني جدا و إياكم أن يكون معنا ضيفا على البرنامج الدكتور" محمد جمال صقر" مدرس اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة السلطان قابوس بعُمان.
دكتور، شكرا لك على الحضور في هذا البرنامج، و هذا الحديث الطيب.
د.محمد جمال صقر:
أحسنت ، شكرالله لك،
شريف إبراهيم:
أعزائي المستمعين، في ختام هذه الحلقة التي كانت عن الأستاذ" محمود محمد شاكر" شيخ العربية -لا أجد ما أختم به هذه الحلقة إلا ما بدأت به وهو هذه الكلمات للدكتور" محمد جمال صقر" في وصف شيخه حيث يقول:
كانَ و لا شيءَ غَيْرَهُ مَلَأَ الوَهْمَ يَقينا و الحُلْمَ إقْرارا.
يُزْهِرُ في حيث حَلَّ مُرْتَبَعُ الشمس بَهِيَّ الأنواء مدرارا.
يَنْسُجُ ثوبَ الإبداع مِنْ وَرَقِ الصدق و يَكْسو العقول أفكارا.
يَبْني قِلاعَ الأرواح من حَجَر الحق و يُعْلي الشُّّّّّّّّّّّّّّّموخ إصرارا!