أيُّها الشّاكي المُبْتَلَى، ماذا تَعتبُ على الدّهرِ من جَديدٍ و بِــلى. ماذا تنقمُ من دنياكَ وقد برمْتَ من الناسِ حينَ تولَّوْا عنكَ،
فيما جدَّ من دُنْياهُم وما هَزُلا.ضمّتْكَ أجنحةُ الأماني باسطاتٍ قابضاتٍ فعَلا شأنُك بزعْمكَ فوقَ الأنامِ وما نَزَلا. وزعمتَ أنّكَ
ضِقْتَ ذرعاً حين استخفَّ الهَوى والأوهامُ بالأشياءِ والأحياءِ، وبَنَوْا من السّرابِ أمَلا.
يعدو الناسُ والجماداتُ وكلُّ الخَلقِ طاردٌ ومطرودٌ وأنت شاخصٌ مُثبتُ القَدَمين في وَحلِ الحَياةِ حتّى جفَّ طينُك وغَدوْتَ مُثقلا.
أراكَ عاقدَ الجَبينِ مقطِّباً لكنّكَ أيها الباهتُ لن تُعْطى على التّخلّي والتّبرُّمِ أجراً ما حَرَصْتَ وما أحبَّكَ من الخَلْقِ مُحبٌّ أو خَلا.
طالَما ساءَك المشهدُ وراعَتكَ جُموعُ السائرينَ. ولكنّكَ أغمضْتَ جفْنكَ علّكَ تُبصرُ من خَلفِ الظّلامِ نوراً مُسترشداً ما حَييتَ،
وما أدبرَ الليلُ البهيمُ وما أقْبَلا. وتأملتَ السماءَ علّكَ تخرقُ عيناكَ الغُيومَ فتبصرُ صحوَ السَّماءِ نهاراً وبَريقَ النجومِ ما امتدَّ ليلٌ
واسترْسَلا. وتَحسَّستَ بالقَدَميْن الثَّرى عَسى أن تُدرِكَ تحتَ الثرى المروجَ الخُضْرَ، ثمّ مسحْتَ عن عينيْكَ الغِشاوةَ، وجَلَوْتَ
فهمَكَ من صَدأ العَمى ففتحْتَ من أبوابِ قلبكَ ما كانَ مُقفلا.
فالخيرُ في ما قبسْتَ من جذوةٍ وصبرْتَ على ظلمِ الأنامِ علَّكَ تنفذُ من أوجاعِ ظلمهِم إلى بلسمٍ تَعلو به، فلقَد علمتَ أنّ وراءَ
رمسكَ يقظةً وتحتَ اللّحدِ مبعثاً بعد المماتِ، وستاراً مُسْدلاً. فلَن يبقى من حكايتكَ بعد رحيلِكَ إلا ما رَوَيْتَ ممّا قلَّ أو كَمُلا.
وستشهدُ افتتاحَ فصلٍ جديدٍ من كتابكَ المثقَلِ غيرَ مُعتَبٍ ويُطْوى فيه حزنُك متغشِّياً والدّموعُ هَواطلا.