يعجبُ المرءُ كلَّ العجبَ كيفَ يتحدّثُ باحثونا المُعاصرون عن مفهومِ "السيميوزيس Semiosis" عند العالم السيميائي الأمريكي شارلز أندرس بيرس وما تفرّعَ عن هذا المفهوم من مَفاهيمَ أخرى بُنيَت عليها النظريةُ السيميائيّةُ، كالسيروَة Processus التي تُدرجُ شيئاً ما في نسقِ العلاماتِ فيتّخذُ قانونَها السيميائيَّ الدّلاليّ ليُصبحَ علامةً سيميايّةً دالّةً. أعجبُ كيفَ يُنتَهَى بالنّشأة الأولى إلى ذلك السّقفِ القاصرِ القصيرِ ويُعرَضُ عمداً أو جهلاً عمّا ذكرَه أدباءُ العربيّة ولغويّوها وبلاغيّوها من أفكارٍ عميقةٍ في دلالات الأشياءِ وقَوانين هذه الدّلالاتِ، مثلما فعلَ الجاحظُ عندَما تكلّم عن أصنافِ الدّلالات، وما ألّفَه مَن كتَبَ في أيام العَرَب، وما ألّفَه فَخر الدّين الرّازي في [الفراسَة: دليلك لمعرفة أخلاق الناس وطباعهم] وفي الأنساب وفي علم القيافَة، وما الطرُقُ والوسائلُ التي كانَت تُعتَمدُ ويُتوسَّلُ بها لبُلوغ العلم بدلالاتها...
وأقفُ وقفةً قصيرةً عندَ دلالات الأزمنة عند العرب: فممّا لا شَكَّ فيه في سياق هذه الدّلالات السّيميائيّة أنّ عُلَماءَ اللّغةِ تَرَكوا تُراثاً يَتَناوَلُ الأزمِنَةَ و الأنواءَ في العربيّةِ ، بالعَرْضِ و الشّرحِ، وقَرَنوا بَيْنَ الأزمِنَةِ والأنواءِ لأنّ اعْتِمادَ العَرَبِ عَلى الاهْتِداءِ بالأهلّةِ و النُّجومِ دَفَعَهُم إلى رصْدِ تَغَيُّراتِها و ما يَنْجُمُ عَنْها مِن اخْتِلافِ مَنازِلِ النُّجومِ و الأقْمار ، و آثارِ هذِه التَّغيُّراتِ في الكَوْنِ والحَياةِ و الحَيَوانِ و في كُلِّ ما لَه اتِّصالٌ بِوُجودِ العَربِيّ وحَياتِه.
أمّا هذا التُّراثُ اللّغوِيّ فلَم يكنِ التّأليفُ فيه وَقْفاً على أهلِ الفَلَكِ و الجُغْرافِيا، مِن أمْثالِِ عبدِ الرّحمن الصّوفِيّ (ت.376)، و أبي معْشر جعفَر بْنِ محمّد البَلخيّ و ابنِ خرداذبّة و الحَسَنِ بنِ سَهْلِ بْنِ نوبَخْت وسِنان بْنِ ثابِت بْنِ قُرَّةَ... و لكنّه تَعَدّاه إلى أهلِ اللّغةِ و النَّحْوِ كمُؤرج السَّدوسيّ والنّضرِ بنِ شميل و الأصْمَعِيّ و قُطرُبٍ وابْنِ الأعرابيّ وابْنِ درسْتَوَيْه و الفَرّاء و المُبَرِّد و الأَخْفَشِ الأَصْغَرِ ... فَذَكَروا الفُصولَ الأربَعَةَ و الحَرَّ والبَرْدَ والأمطارَ والرِّياحَ، و أمورَ الفَلَكِ و بُروجَ الشّمسِ ومَنازِلَ القَمَرِ و النُّجومَ الثّابِتَةَ و السّيّارَةَ و أحوالَ اللّيلِ و النَّهارِ وأيّامَ العَرَبِ و العَجَمِ و الشُّهورَ و السّنينَ والدَّهْرَ، وما جاءَ في كُلِّ ذلِكَ من الأخْبارِ والأشْعارِ . و مِن هذِه الكُتُبِ [الأيّام واللّيالي و الشُّهور] لأبي زَكَرِيّا الفَرّاءِ (ت.207)، تح. إبراهيم الأبياري، [نشر وزارة التّربية و التّعليم المصرية، 1956م]، و كِتاب [الأيّام واللّيالي] لأبي يوسُفَ يَعقوب بنِ السّكّيتِ (ت.244) ذَكَرَه لَه أصْحابُ التَّراجِم، وكِتاب [الأنْواء في مَواسِمِ العَرَب] لأبي محمّد عبدِ الله بنِ مُسلِم بنِ قُتيبَةَ الدّينوريّ (ت.276) ، ط. حَيْدَرأباد الدّكن بالهِنْد 1965م، وكِتاب [الأنْواء و الأزْمِنَة] لأبي العَبّاس المُبرِّد (ت.285)، ذَكَرَه لَه أصْحاب التَّراجِم، وكِتاب [الأنْواء و البَوارِح] لأبي طالِبٍ المُفَضَّلِ بْنِ سَلَمَةَ (ت.291)، وكِتاب [الأزمِنَة و تَلْبِية الجاهِلِيّة] لأبي عَليّ محمّد بنِ المُسْتَنير قُطْرُب (ت.206) [تح. د. حَنّا جَميل حدّاد، مكتبة المَنار، الأردن، الزّرقاء، ط/1 ، 1405-1985]
وممّا ورَدَ في الأدبِ -وهو أكثرُ من أن يُحصى- قولُ الشّاعر نُصيب مادحاً سُليمانَ بنَ عبدِ الملكِ بنِ مروانَ:
فعاجُوا فأثنَوْا بالذي أنتَ أهْلُه/// ولو سكتُوا أثنَتْ عليك الحقائبُ
مُفردُها الحَقِيبةُ والحَقِيبةُ الرِّفادةُ في مُؤَخَّر القَتَبِ والجمع الحَقائبُ وكلُّ شيءٍ شُدّ في مؤَخَّر رَحْل أَو قَتَب فقد احْتُقِبَ، وكنّى الشّاعرُ بثناءِ الحَقائبِ على الممدوحِ على أنّه يُشهدُ بفضله وبالذي هو أهلُه
وكقولك : السَّحابُ يَضْحَكُ أَحْسَنَ الضَّحِكِ ويَتَحَدَّث أَحْسَن، معناه: أَنّ حَديثَ السّحابِ الرَّعْدُ وضَحِكَه البَرْقُ وشَبَّهه بالحَديث؛ لأَنه يُخْبِر عن المطر وقُرْبِ مجيئه فصار كالمُحَدِّث به. وهذا الضّربُ كثير في كلام العربِ وأشعارهم، ولعلّه يُرادُ بالضحك افْتِرارُ الأَرض بالنبات وظهور الأَزْهار وبالحديث ما يَتَحدَّثُ به الناسُ في صفة النبات وذِكْرِه. ويُسمى هذا النوعُ في علم البيان المجازَ التَّعْليقِيَّ وهو من أَحْسَن أَنواعه.
وأكثر المَجازاتِ والاستعاراتِ والكناياتِ يدخلُ في بابِ ما دلّ بغيرِ لفظِه على مَعْناه .
وبعدُ ...فلا يُعتمَدُ الشيءُ في بابِ الدّلالة السّيميائيّةِ ولا يُدرَسُ سيميائياً و لا يُتّخذُ موضوعاً للعلم به إلاّ إذا قيسَت الدّراسَةُ ووُزِنَت بميزان القاعدَة أو القانون أو النّسق:
- فلا تدلُّ الألفاظُ على مَعانيها إلاّ بقاعة الدّلالة المعجميّة،
- ولا دلالةَ نحويّة إلاّ وفقَ القواعدِ النّحويّةِ،
- ولا دلالةَ اجتماعيّة للصور والأيقونات واللاّفتاتِ والعادات والطّقوسِ وأنماط العيش واللباسِ والتّحيّة والجُلوسِ والاحتفالِ إلاّ وفقَ قوانينَ اجتماعيّةٍ تضبطُ العلاقات والدّلالات
- ولا دلالة سيميائية للرموز المختلفة والعلامات الكونية وغيرها إلاّ وفق أنساقٍ طبيعيّة أو عقليّة منطقيّة...