الألسنية اللغوية الحديثة وأصولها عند العرب
أ.د. علي عمار
اللغة وتعريفها :
اللغة نظام من الرموز المسموعة ، وقد عرفها اللغوي العربي ابن جني المتوفى عام 392هـ : " حدّ اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم " (1) ، وهذا التعريف يقصد به أن كل جماعة لغوية تصطلح فيما بينها على الرموز التي تستخدمها في عملية التفاهم فيما بينها، وأن هذه الرموز مجرد اصطلاح ، وليست هناك أية علاقة منطقية تربط بينها وبين المعاني التي تدل عليها.
وظيفة اللغة :
اللغة وظيفة اجتماعية ، هي الاتصال بين أفراد الجماعة اللغوية الواحدة ، ولإيضاح معنى هذا الاصطلاح وكيف يتم ، فإننا نورد المثال التالي : فإذا افترضنا أن لدينا متكلما نرمز له بالحرف (أ) وسامعا نرمز إليه بالحرف (ب) ، وأن (أ) يريد أن يقول لـ (ب) شيئا ما ، وأن (ب) سيفهمه ، هنا حدثت عملية اتصالية عن طريق اللغة ، وتتكون من الخطوات التالية :
1ــ اختيار الدلالات :
بالطبع سيكون عند (أ) معنى ما ، ويرغب في نقله إلى (ب) ، وأول خطوة سيقوم بها هي
تحديد الدلالات ، التي تعبر عن المعاني ، التي يريد التعبير عنها ، وهذا يشبه عملية تحرير الرسالة ، فالكاتب يحدد أولا الدلالات التي يرغب في التعبير عنها.
2ــ اختيار الأنماط النحوية :
بعد أن يحـدد المتكلم الوحـدات الدلاليـة الملائمـة لرسالته يقوم بتنظيمها بالطريقـة التـي
يتطلبها النظام النحوي في لغته ، فمثلا إذا كان لدى المتحدث الدلالات الآتية : محمد فريد، علي حمزة، ويريد أن يقول أن محمدا قابل عليا، سيضطر أن يجعل محمدا فاعلا وعليا مفعولا به ويقول قابل محمد عليا، أما إذا أراد أن يقول إن عليا هو الذي قابل محمدا، فعندئذ سيغير في النظام ، بحيث يجعل الذي قابل هو الفاعل ، والذي قوبل هو المفعول به، ويقول : قابل علي محمدا. (2)
ومن هنا نجد أن اللغة العربية تستخدم طريقتين لتنظيم الدلالات في قالب نحوي هما :
1ــ علامات الإعراب ، فالإعراب يدل على المعاني المقصودة.
2ــ موقع المعاني النحوية ، فلا شك أن رتبة الفاعل قبل رتبة المفعول به، والمنعوت قبل النعت وهكذا...
والوحدات الأساسية المستخدمة في تحويل الدلالات إلى علامات نحوية تسمى الوحدات الصرفية (Morphème)، والوحدة الصرفية قد تكون كلمة ، وهذه بدورها تنقسم إلى اسم وفعل وضمير وصفة وظرف وأداة وحرف ، (3) ولكل واحدة منها وظيفة نحوية خاصة ، وقد تكون جزء من كلمة مثل: الواو والنون، أو الياء والنون الدالة على جمع المذكر السالم، أو الألف والتاء الدالة على جمع المؤنث السالم.
3ــ تحويل الوحدات الصرفية إلى رموز ذهنية " فونيمات ".
4ــ تحويل كل فونيم إلى صوت.
5ــ نطق الصوت.
6ــ عندما ينطق الفم هذه الأصوات بطريقة متتابعة وسريعة تنتقل إلى محيط الهواء، وهنا
تحدث عملية خلخلة للهواء بمقتضاها تنتقل جزئيات الهواء التي تحمل كل صوت من هذه الأصوات إلى أذن السامع،التي تنقلها بدورها إلى جهازه العصبي، فيحولها إلى فونيمات أولا، ثم إلى وحدات صرفية ثانيا، ثم إلى علاقات نحوية ثالثا، ثم إلى دلالات رابعا فيفهم السامع مراد المتكلم.
طابع الدراسات اللغوية في العصور الوسطى :
اقتصرت الدراسات اللغوية في العصور الوسطى على النحو ، ويعتبر الكتّاب الأوروبيون (4) أن أفلاطون مؤسس علم النحو، وأفلاطون بالتالي هو ما أوجد ما يسمى بالأجناس النحوية، فهو الذي قسم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، وقسم الاسم إلى مذكر ومؤنث، وإلى مفرد ومثنى وجمع، وإلى حالات الإعراب الثلاثة : الضم والفتح والجر. كما درس أفلاطون الجملة ورأى أنها تتكون من جنسين منطقيين هما : المسند والمسند إليه، ورأى أفلاطون أن القواعد النحوية هي الوسيلة الوحيدة للمحافظة على نقاء اللغة، وأنه جزء من دراسة أوسع هي دراسة الفلسفة، ومن هنا فسّر القواعد النحوية تفسيرا فلسفيا، وكان يعتقد أن لدراسة الفلسفة أهمية كبيرة لفهم تركيب الجملة وتركيب الكلمة، وأكد أن الفرق بين الأحمق والحكيم يشبه الفرق بين النحوي الذي يجهل قوانين المنطق، والنحوي الذي يجيد هذه القواعد والقوانين، وكان يرى أن الفيلسوف وحده هو المؤهل لدراسة الأحكام النحوية، وكان يعتقد أنه لا يكفي أن يقوم النحو على مجرد الدراسة الشكلية للغة، ولكنه يقوم على قوانين العلة، لأن تعليل القواعد النحوية أهم في رأيه من القواعد نفسها.
ظهور المنهج المقارن :
تنسب أول محاولة للابتعاد عن الطابع الفلسفي في الدراسات اللغوية إلى المحاولة التي قام بها دانتي، ووصف بها اللغة الايطالية، فقد أصدر كتابا عنوانه (لغة الشعب) تحدث فيه عن أصل اللغة الايطالية، والعلاقة بينها وبين البروقسية. (3)
وقد شاءت الأقدار أن ينمو هذا الاتجاه فيما بعد في عصر الاكتشافات الجغرافيا، فقد اكتشفت فيه لغات كثيرة لم تكن معروفة من قبل، ودعت الضرورة إلى دراستها، ومن ثم اضطر اللغويون إلى التفكير في منهج غير منهج أفلاطون لدراسة هذه اللغات، وقد وجدت الدعوة إلى تقليد محاولة دانتي لدراسة اللغة الايطالية أذانا صاغية، ثم حدث بعد ذلك أن أعلن السير وليام جونز الانجليزي عن أرائه بالنسبة إلى العلاقات اللغوية بين السنسكريتية والفارسية القديمة واللاتينية واليونانية والجرمانية والكلتية. وقد كانت دراسة السير وليام جونز بمثابة تمهيد لمنهج تبلور فيما بعد، عرف باسم المنهج المقارن، وكان من رواد هذا المنهج شليجل (Schliegel) وراسك (Rask)، وبوب (Bopp)، وجريم (Grimm)، وفرنر (Ferner). (5)
ويقوم المنهج المقارن على ما يلي :
1ــ الحصول على أقدم المفردات والصيغ الصرفية والعلاقات النحوية في كل لغة من لغات المجموعة الهندو أوروبية.
2ــ وضع كل مفردة، أو صيغة، أو علاقة، بجانب الأخرى.
3ـ وصف ما بينها من أوجه التشابه والاختلاف 4ــ استخلاص المفردات أو الصيغ أو العلاقات المشتركة بين كل هذه اللغات، مع محاولة رسم صورة واضحة لما كانت عليه اللغة الأم. و كان من أهم نتائج المنهج المقارن أنه طبق على مجموعة اللغات التي كانت سائدة في
الشرق الأدنى القديم، واثبت أن بينها علاقات الجوانب الصوتية والصرفية والنحوية.
أــ الجانب الصوتي :
يتميز الجانب الصوتي بغنى ملحوظ في الحروف الصامتة، ففيها حروف كثيرة مخرجها من
الحنجرة والبلعوم واللهاة، وفيها ما نسميها الحروف المطبقة أو المفخمة، مثل : ص - ض - ظ -ط ، أما الحركات ففقيرة للغاية، لا يوجد فيها إلا ثلاث حركات فقط، هي الفتحة والضمة والكسرة، وهذا لا يعبر عن كتابة عن الحركات القصيرة وإنما يستنبطها القارئ من وضع الحروف الصامتة.
بــ الجانب الصرفي :
1ــ تقوم الصيغ على نظام الجذور، فهي إذا قوام الأسماء والأفعال، وتتكون من ثلاثة حروف صامتة، تعبر عن المعنى الأساسي للكلمة، ثم يحدد معنى الكلمة الدقيق ووظيفتها بإضافة الحركات، وبإضافة مقاطع في صدر الكلمة أو وسطها أو طرفها، فالحروف الثلاثة : ك - ت- ب ، مثلا هي الجذر، ومعناه الأساسي : الكتابة، ويمكن أن يصاغ منه : كتب - وكتبت -وكاتب - وكتاب - ومكتب.
2ــ يمتاز الفعل في هذه اللغات بسلسلة من الأوزان المزيدة، التي تعبر عن معان مشتقة من المعنى الأساسي، وتصاغ بتغيير الجذر تغييرات ثابتة، وهكذا يعبر عن شدة الفعل أو تكراره، وعن السببية، وعن البناء للمجهول والمطاوعة والمشاركة في الفعل، فمثلا : إذا كانت الصيغة الأساسية للفعل هي كتب، فإننا نستطيع أن نكون منها صيغة أخرى تدل على المشاركة بإضافة ألف بعد الكاف، فنقول كاتب، أي أن يكتب شخصان كل منهما إلى الآخر، وإذا أضفنا في الصدر همزة مفتوحة وأسقطنا حركة الفاء قلنا: اكتب، ومعناه أن يملي شخص على آخر شيئا يكتبه.
3ــ الاسم المعرب، ويرفع بالضمة وينصب بالفتحة ويجر بالكسرة، إذا كان مفردا، أما إن كان مثنى فيرفع بالألف وينصب ويجر بالياء، والجمع يرفع بالواو وينصب ويجر بالياء، أما جمع المؤنث السالم فيرفع بالضمة وينصب ويجر بالكسرة، ثم حدث أن أهمل الإعراب في كل هذه اللغات ماعدا اللغتين الأكادية والعربية.
جــ الجانب النحوي :
1ــ هناك نوعان للجملة في هذه اللغات، هي الجملة الاسمية، والجملة الفعلية، والجملة الاسمية تبدأ باسم، والجملة تبدأ بفعل.
2ــ تميل هذه اللغات إلى الجملة البسيطة، ولا تفضل الجملة الفرعية، وإنما تضع الجمل بعضها جانب بعض، ويستنتج القارئ من السياق العلاقة التي تربط بينهما، فمثلا : نعم أخلاق المؤمن محمد، فهنا نحن أمام جملتين، الأولى: نعم أخلاق المؤمن، والثانية : محمد ، وقد فهمنا هذا من السياق، والدليل على ذلك إعراب هذه الجملة، فنعم فعل المدح، والفاعل مضاف إلى ما فيه ال، ومحمد مخصوص بالمدح خبر المبتدأ محذوف، الم تكن جملة ثانية، وهذه الجملة موجودة، ولم توضح بأداة خاصة، إنما فهم السامع الجملتين بالرغم من وضعهما بجانب بعض. (6)
اللغات السامية :
اصطلح الباحثون على تسمية اللغات التي تشترك في هذه الجوانب باسم اللغات السامية، وأول من استخدم هذا المصطلح هو شلوتر الألماني في بداية القرن الثامن عشر، (7) وقسم الباحثون هذه اللغات إلى شمالية وجنوبية.
اــ القسم الشمالي :
ينقسم إلى شمال شرقي وشمال غربي : القسم الشمالي الشرقي : ويضم اللغة الأكادية، أو
البابلية الآشورية، وموطن هذه اللغة أرض الرافدين أو العراق حاليا.
• القسم الشمالي الغربي : ويضم شعبتين أساسيتين هما : الكنعانية والآرامية.
• الشعبـــة الكـنعــانيــة : وتضم العبرية والفينيقية والأوجاريتية.
• الشعبـــة الآراميــــة : وتضم الآرامية القديمة، والآرامية الدولية، وآرامية العهد القديم.(8)
بــ القسم الجنوبي :
ويضم العربية الشمالية وهي المعروفة بالعربية الفصحى، والعربية الجنوبية وتضم عدة
لهجات مثل : الحميرية والسبئية والمعينية والقتبانية والحبشية أو الجغرية.
بعد أن استعرضا خصائص هذه اللغات التي أطلق عليها اسم اللغات السامية وحصرها
كنتيجة مباشرة من نتائج علم اللغة المقارن، نؤكد أن العرب قد تنبهوا إلى العلاقة التي تربط بين اللغات التي كانت سائدة في بيئتهم في ذلك الوقت، وهي العربية والعبرية والسريانية، فقد توصل ابن حزم الأندلسي (9) إلى وجود قرابة بين العربية والعبرية والسريانية وشبه هذه القرابة بقرابة لهجات اللغة الواحدة وقال في هذا :
" والذي وقفنا عليه وعلمناه يقينا أن السريانية والعبرية والعربية التي هي لغة مضر وربيعة
لا لغة حمير واحدة، تبدلت مساكن أهلها، فحدث فيها جرش كالذي يحدث من الأندلسي إذا رام نغمة القيروان، ومن القيرواني إذا رام نغمة الأندلس، ونحن نجد من سمع لغة أهل فحص البلوط ، وهي على ليلة واحدة من قرطبة، كاد يقول أنها لغة أخرى غير لغة أهل قرطبة، وهكذا في كثير من البلاد، فإنه بمجاورة أهل البلدة بأمة أخرى تتبدل لغتها تبدلا لا يخفى على من تأمله وإذا تعرب الجيلقي أبدل من العين والحاء هاء فيقول، مهمدا، إذا أراد أن يقول محمدا، ومثل هذا كثير.
فمن تدبر العربية والسريانية أيقن أن اختلافها إنما هو من نحو ما ذكرناه، فمن تبديل ألفاظ
الناس على طول الأزمان، واختلاف البلدان ومجاورة الأمم، وإنها لغة واحدة في الأصل ". (10)