فهلْ هذا الذي بَسطناه منْ حقائقَ لغويةٍ يشيرُ إلى لغةٍ نصفِ ميتةٍ تتكلمُها أمة مُتخلفة؟ أمْ هلْ مَنْ يتهمُ بغيرِ حقٍ وبغيرِ علمٍ هو المُفتري والمُتخلف؟ لا رَيْبَ عندي في أنّ مَنْ يتهمُ العربية وأهلها بالتخلفِ، بعدَ أنِ اتضحَ لنا عُمقُ هذه اللغةِ وجمالها ودقتها وسيرورتها، هو جاهلٌ وظالمٌ، وقد آنَ له أنْ يتقيَ اللهَ العزيزَ القهارَ.
ثم كيفَ تكونُ العربية نصفَ حيةٍ؟!؟ أليست هي إحدى اللغاتِ الرسميةِ في الأممِ المتحدةِ؟ وما يُنطقُ بها الآن من كلامٍ في وسائلِ الإعلامِ المُختلفةِ لا يُمكنُ حَصْرُه لأنه كمٌ هائلٌ، وكذلك ما يُدونُ بها من أدب في المعاهدِ والمؤتمراتِ كَمٌ هائلٌ كذلك. إنّ حياة أيِّ لغةٍ في الدنيا لا تكون في خطٍ مُستقيمٍ، كما يتوهمُ الكثيرون، ولكنها حياة دائمة الحركةِ في الاتجاهاتِ كلها، فهي تصحُ وتمرضُ، وتشبُ وتشيخُ، وقد تحيا ثم تموتُ، وهكذا، لأن اللغة ظاهرة حية تحيا كما تحيا سائرُ الكائناتِ الحيةِ في الكونِ. غير أن اللغة العربية، في السّرّاءِ والضَّرّاءِ، وبفضلٍ من اللهِ ومَنِّهِ، لغة شبابها دائم، وحيويتها وعطاؤها لا ينقطعان، على عكس ما يظن المفترون والجاهلون بنواميسِ هذه اللغةِ الشريفةِ، وإن عَهْدَنا بتَسَنُّمِ العربيةِ مركزَ الصدارةِ بين اللغاتِ الإنسانيةِ قادِمٌ بإذنِ اللهِ.
وَنسمعُ من بعضِ الناسِ أنّ العربية في خَطرٍ، فقد يكونُ هذا الكلامُ صحيحا إذا تقاعسَ أهلُ العربيةِ عن رعايتِها وعن الغيرةِ عليها، وعن الِاجْتهادِ في إيجادِ السبلِ والوسائلِ المُتنوِّرَةِ وَالكفيلةِ بتعليمِها وجذب المُتعلمين لها، وبثِ روح الاعتزازِ بها، وحِمايتِها من الأمراضِ التي تُصيبُها، وما كان هذا القولُ، أي الإعلانُ عن أنها في خطرٍ، إلا تذكيرا لأهلِها بأهميةِ لغتِهم عندما يلمسُ الناقدُ تقاعسا منهم في القيامِ بالواجب تجاه لغتِهم التي هي رَمْز وجودِهم وعَلمُ هُويّتِهم. وإنّي لأعلنُ من هذا المنبرِ أنّ العربية، بإذنِ اللهِ، ليستْ في خطرٍ، ما دامتْ هذه النواميسُ التي ذكرْنا بعضا منها حافظة لها طَوالَ الدهرِ. إنّ ما تتعرضُ له العربية اليومَ من صِراعٍ حَضاريٍّ مُخيفٍ يَسعى إلى استئصالِ وجودها من على وجهِ الأرضِ، قد تعرضتْ له في أوقاتٍ سابقةٍ من التاريخ الإسلاميِّ، ولم يَضرْها بشيءٍ، بلْ خرجتْ مُعافاة وأصلبَ عودا ومُنتجة إنتاجا علميا ليس له نظيرٌ في تاريخ البَشريّةِ. وليدرسْ منْ شاءَ، أو مَنْ يجْهلُ هذه الحقيقة، صراع العربيةِ مع اللغاتِ الأخرى في العَصْرِ العباسيِّ، أو في الأندلسِ، أو في غيرِهما من بيئاتِ المجتمعاتِ الإسلاميةِ سابقاً.
ونحنُ، وكذلك منْ يغارُ على العربيةِ، ومن يَسْعى إلى المُحافظةِ عليها، نُعلنُ أنه لا تصحُ هذه الغيرة والمحافظة على اللغةِ بالتعصب وذمِ الآخرين، أو بفرضِ الفصحى وازدراءِ العاميةِ، فلكلِ لغةٍ في هذا الكونِ مُريدوها وأحباؤها، والفُصحى والعامية لا خُصومة بينهما أبدا، ولم تكنْ هذه الخصومة قد حصلتْ يوما ما، فقد عاشَ التوأمانِ مَعاً، في وئامٍ تامٍ، منذ الجاهليةِ حتى يومِنا هذا، وليس بين أيدينا نصٌّ مُقدسٌ يدعو إلى هذا الاعوجاج، لأنّ القرآنَ اعتبرَ اللغة ظاهرة إنسانية وآية مِنْ آياتِ الكونِ. إنّ الغيرة على العربيةِ واحترامَ العاميةِ إنما يكونُ بقاعدةِ وضع الإنسانِ المُناسب في المَكانِ المناسب، أي بوضع الفصحى واستعمالها في ما وُجدتْ له، وكذلك العامية توضعُ في ما وُجدتْ له كذلك. فالفصحى لغة العلمِ والقضاءِ والتدريسِ والأدب والكتابةِ الفنيةِ وأما العامية فهي لغة الحياةِ الشعبيةِ، وليس من شكٍ في أنّ مَنْ لا يفرقُ بين هذين المُستويَيْن من الاستعمالِ اللغويِّ أعمى البصيرةِ أعمى البصرِ، ولا بدَّ له مِنْ أنْ يَصْحوَ من هذه الغفلةِ القاتلةِ للفصْحى وللعاميةِ، وربما لِحياةِ اللغةِ كلِها في الحاضرِ والمُستقبلِ.