أيام المؤتمرات: حياة وعلم 3:
من ثمار مشاركتي في مؤتمر "الفصحى والنحو" ولقائي بأستاذنا الشيخ الرئيس الدكتور تمام حسان، أنني استنصحته في العلم وطريق البحث فيه، فقال: عليك بالنظر إلى العلاقات بين الأفكار والمجالات المختلفة وكشفها؛ فإن ذلك يؤدي إلى كتابة إنتاج علمي متين ورصين.
وما دام الشيء بالشيء يُذكر، فنظير هذا جوابات ونصائح أخر لكوكبة من أساتذتنا وشيوخنا العظماء، أذكرها على ترتيبها في الزمن:
فإمامنا وأستاذنا الجليل الأستاذ الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف، نائب رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة، في أثناء بعض أحاديثه معي قال: لا تكتب ولا تبحث إلا فيما تحب، وأفضل ما تكتبه هو ما تحبّه. وإمامنا الكبير الأستاذ الدكتور أحمد درويش، سألته مرة عن سر عذوبة محاضراته وسلاسة كلامه في العلم ووقوعه موقعاً حسناً لدى السامع، فقال: لا تقل إلا ما تفهمه حق الفهم، وأتقن الأداء، وأحسن التنغيم. وإمامنا وشيخنا الجليل الأستاذ الدكتور سعد مصلوح، الذي احتفلت الدوحة بمشاركته في مؤتمر "العربية والهوية"، وشرفتُ بلقائه في هذا العرس الثقافي، منذ قرابة عامين، سألته عن أساتذة اللغة العربية الجامعيين والباحثين فيها في المشرق والمغرب، وأهمية إتقانهم للغة أجنبية - فقال: إتقان اللغة مهم جداً، لكن الباحث المتمكن في التراث يستطيع بتمكنه وجده وبصيرته أن يكون باحثاً متميزًا.
أيام المؤتمرات: حياة وعلم 4:
يصعب على المرء أن يكتب في شأنه الخاص، والهم العام يشغله ويحزنه ويملأ عليه أقطار نفسه، لِما يحُلّ بمصر من نكبات تتلوها نكبات وظلم ما رأينا مثله من قبل، لكن لا بد من إكمال ما بدأته من حديث مؤتمراتي العلمية، وعسى أن يكون في ذلك بعض التسلي المباح والسلوان. فعودًا على بدء:
نشأ لديّ من مشاركتي في مؤتمري الأول الدرعميّ وما فيه من حديث عن تقسيم المعنى، اتجاه لدراسة المعنى والدلالة في النحو العربي، بدأ يكبر شيئاً فشيئاً في صورة أفكار وقراءات وبطاقات كثيرة جمعتُها في هذا المجال، ومع مرور الوقت صنّفتُ هذه البطاقات حتى ملأت مظاريف عديدة. وقدّرت في نفسي أن أكتب بحثاً كبيراً موسعاً في الفكرة نفسها، أنشره في مجلة مناسبة، ولما استولت الفكرة عليّ ورأيتُ أني مشغول بالمعنى هذا الانشغال، قلت: الأولى أن أقدّم لهذا الموضوع بمدخل أبيّن فيه سر انشغالي وانشغال غيري من الباحثين بالمعنى والدلالة، وكان من ذلك بحثي الذي أعتز به: "لماذا نعتني في دراسة النحو بالدلالة: أبعاد المعنى في النظام اللغوي"، وهو البحث الذي نشرتُه في مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة الإمارات، في عدد أكتوبر سنة ثلاث وألفين، زمن عملي بها، وقد أثنى على هذا البحث قارئوه ومحكموه.
ولما فرغت من ذلك وهممتُ أن أعود إلى بحث التقسيم الأصلي كي أكتبه وأنتهي منه، وجدتُ مدخلاً آخر أولى بالكتابة فيه، ففعلتُ ذلك ثانية، وكان من ذلك بحثي "من جوانب المعنى في العلوم العربية: مقدمة دلالية"، ثم فعلتُ هذا الفعل العجيب مرة ثالثة. وإلى الآن لا تزال المادة الأولى المباركة في فكرتها وعددها عندي، تنتظر الكتابة وقد تجاوزتها ببحوث وأعمال كثيرة!