ومن العوامل الخارجية :
تأثيرات العولمة الثقافية على اللغة العربية :
تهدف العولمة إلى تعميم ثقافة واحدة وسيادتها وهيمنتها على غيرها من الثقافات بمضمون تلك الثقافة و محتواها من أساليب تفكير وأنماط السلوك والمعاملة والنظرة للمستقبل وهي في معناها العام امتداد العولمة الاقتصادية وتوسّع فيها، ولا تكاد تختلف عنها إلا في طبيعة ميادينها، تتفق مع العولمة الاقتصادية في التفرد و والسيطرة فهي تعني تعميم ثقافة واحدة وسادتها وهيمنتها على غيرها من الثقافات ومحاولة إحلال هذه الثقافة الواحدة محل الثقافات الأخرى بمضمون تلك الثقافة ومحتواها من: أساليب التفكير والتعبير والتذوق الفني، وأنماط السلوك والتعامل والنظرة على الحياة والكون وتعتمد اللغة في هذا المجال على اعتبار أن اللغة هي ما يعبر عن كينونة الإنسان .
والخطر المؤثر في اللغة العربية في ظلال العولمة يأتي من تهميشها تدريجياً مع الزمن لصالح الإنجليزية،على أن الأخيرة هي لغة عمل وتواصل على جميع الأصعدة بدأً بالنشر العلمي وتبادل الخبرات التقنية ( التكنولوجية ) مروراً بالتعليم العالي والتجارة والصناعة وغيرها ، وصولاً إلى التعليم الأساسي ، وهذا يعني ضمور اللغة العربية واستخدامها في مجالات تقليدية محددة ، وقد يزداد دور اللهجات العامية في تأثيرها على الفصيحة فتغدو لغات مستقلة عن بعضها ، وقد تنضم العربية إلى اللغات الأخرى المهمشة على الرغم من أنها لغة العقيدة والحضارة والعراقة والأصالة.و الـغـزو الـلـغـوي هــو أخـطـر أنـواع الـغـزو الـثـقـافي عـلى الإطلاق فـأثـره في شـخـصـيـة الـفـرد وفي الـشـخـصـيـة الجـماعـيـة لـلـمـجـتـمع من الخطورة بمكان؛ لأنه يُـفقد الإنسان أهمَّ مـقوّم من مقوّمات الوجود وهو الـهـويـة الـوطـنـية الـتي تـنـطـوي عـلى الخـصـوصـيـات الـروحـيـة والـثـقـافـية والحـضــاريـة. ولــذلك فـإن الــلـغــة الـغــازيـة الأجــنـبـيــة وهي في واقــعـنـا المـعـاصـر لـغـات الـشـعـوب الـغـربـيـة المـسـتـعـمـرة تحـارب الـلـغـة المـغـزوة، وتبـعـدها عن الحـياة وتـُــفـقدهـا المنـاعـة الذاتـيـة فتـنهـار وتـسقط و لربما تـتلاشى وتذوب وبذلك تنقـطع الصلة بين الإنسـان وبين جذوره فيصبح بلا هـوية ويـكـون غـير قـادر عـلى حـمايـة مـقـوماته الـديـنـية والحـضـارية لفقدانه السلاح للدفاع عن الذات الذي هو قبل كل شيء اللغة الوطنية .
ومن الملاحظ أن الأجيال العربية الصاعدة ترى في إتقان اللغة العربية بعض الصعوبة ، كما ترى أن الجهد التطويري في إدخال اللغة العربية في نظم المعلومات غير كاف ويقتصر على الاستيعاب السطحي, ومادام أرباب العولمة يرومون وأد كل القيم الإيجابية التي تعمل على تقدم مجتمعنا العربي وإيقاظ كل القيم السلبية التي تفتت بنيته ، ومادامت اللغة العربية توحد بين أبناء الأمة العربية ، وفي وحدة العرب قوة لهم ، كانت هذه اللغة هدف سهامهم فعملوا على تفتيت هذا الرابط بطرائق إحياء العامية من جهة،فبدأت العامية تسري على الألسنة والأفلام في المسلسلات التلفزيونية والقنوات الفضائية،على أن العامية عامل تفريق ، في حين أن الفصيحة عامل توحيد.
بعض السبل للنهوض باللغة العربية و مواجهة التحديات؟
ولقد أدركت الشعوب الحية أنه لا وجود لها على خريطة العالم إلا بتمسكها بلغتها الأم والحفاظ على ذاتيها الثقافية وهويتها المميزة . ومن السبل التي علينا أن نسلكها في مجالات لغتنا العربية بغية مواجهة التحديات :
: بث الوعي اللغوي -
إذا كانت الثقافة قد أصبحت محور عملية التنمية في مجتمع المعرفة ، فإن اللغة هي محور منظومة الثقافة؛ لأنه إذا ما فقد أي شعب استخدام لغته الأم فذلك سيؤدي إلى طمس ذاتيته الثقافية وفقدانه هويته .
- البرامج التربوية اللغوية :
لما كان عصرنا هو عصر العلم والثقافة وهو عصر المعلوماتية ، ولا مكان فيه إلا للأقوياء بعلمهم ومعرفتهم،كان المستقبل المنشود للمجتمع العربي يتوقف على دخوله إلى مجتمع المعرفة وردم الهوة بينه وبين المجتمعات المعرفية ، ولما كانت التربية هي البداية ونقطة الانطلاق إلى التقدم والنهوض ، كان التركيز على البرامج التربوية اللغوية على الشابكة ( الانترنيت ) يتصدر سلم الأولويات,
لأن اللغة هي وسيلة المرء للتحكم في بيئته ولأنها أداة التفكير وثمرته ، فإنها في الوقت نفسه هي الجسر الذي تعبر عليه الأجيال من الماضي إلى الحاضر ومن الحاضر إلى المستقبل ، وتعمل على تمتين العلاقة بين أفراد المجموعة البشرية ؛ لأنها مؤسسة اجتماعية وإنسانية ولا يتم اجتماع بشري بغير اللغة .
ومن هنا كانت اللغة العربية الأم هي هوية المرء وهوية الأمة التي ينتسب إليها في الوقت نفسه ، إنها رمز لكيانه وثقافته ودالة على المستوى الحضاري الذي بلغته أمته ، وإنها القلعة الحصينة للذود عن الهوية والوحدة القومية .
تعزيز الانتماء : -
إ ن الحفاظ على الهوية والذاتية الثقافية للأمة واجب مقدس في عصر العولمة ولغتنا هي رمز كياننا وعنوان شخصيتنا العربية وهويتنا الثقافية ، إلا أن ذلك كله لا ينفي أهمية الانفتاح على الثقافات الأخرى في جو من العقلنة ،ذلك لأن الحفاظ على الهوية لا يعني الجمود ؛ بل هو عملية تتيح للمجتمع أن يتطور ويتغير دون أن يفقد هويته الأصلية ، وأن يقبل التغيير دون أن يغترب فيه ، إنه التفاعل بين الأصالة والمعاصرة ، وبين الإيجابي البناء في تراثنا والبناء الإيجابي من الثقافات الأخرى بما يتفق مع مناخنا وأرضنا .
العمل الجاد على تنقية البيئة من التلوث اللغوي : -
إن كان ذلك في المدارس بطريق التزام الفصيحة وانتشارها على الألسنة والأقلام لدى المعلمين في مختلف تخصصاتهم ولدى المتعلمين ، وإن كان ذلك في خارج جدران المدارس في وسائل الإعلام من إذاعة وتلفزة وصحافة ومجلات وإعلانات ولافتات .
: ـ تنشيط اللغة العربية في المعلوماتية
يعد المحتوى العربي على الشابكة ( الانترنت ) ضئيلاً ، إذ إن 80% من صفحات الموقع المتوافرة على شبكة الويب مكتوبة باللغة الإنجليزية ،وهذا ما يعيق نفاذ غير الناطقين بالإنجليزية إليها،وكان لا بد من العمل على زيادة المحتوى العربي الرقمي على الشابكة (الانترنت ) مثل المواقع التعليمية والإعلامية والثقافية والمكتبات الإلكترونية بالعربية, ففي عصرنا الحالي عصر العلم والثقافة والمعلوماتية ، أضحت اللغة هي الوجود ذاته ، وأصبح هذا الوجود مرتبطاً بثقل الوجود اللغوي على الشابكة ( الانترنيت ) ...قديماً قال سقراط لجليسه : ( تكلم حتى أراك ) أما اليوم فالشعار هو : تحاور عن بعد حتى يراك الآخرون وتراهم.
- الإنفاق وتوحيد الطاقات البشرية والمادية: وهذا مطلوب من الحكومات العربية وكان عليها أن تعمل على توحيد طاقاتها المادية وعقول أبنائها في الجانب الثقافي والعلمي علن طريق المنظومات التربوية ولتكن العبرة من اليهود الذين لم يتخلوا عن لغتهم، و من اليابانيين أو الصينيين أو الكوريين وبقوا متمسكين بها أمام الزخم الكبير لما تفيض به اللغات الحية، لأنهم يدركون سر الهوية الثقافية، ،لأنهم واعون بأن الثقافة تعني وحدة الفكر والذات والهوية ومن و راء كل هذا يجب أن نفهم ونعي جيدا اننا في وضع عالمي جديد، لابد من التفعيل داخله،ولابد من إتقان اللغة الوطنية أولا والتحكم في اكتر من لغة اجنبية للإستفادة منها في الترجمة،ولابد أيضا من تأسيس لجنة خاصة بالترجمة .ولد سئل طه حسين ذات مرة: كيف يمكن أن تُفَّعل اللغة العربية، فأجاب: ترجموا وترجموا هم ترجموا.
إننا في حاجة لحماية هويتنا القومية وخصوصياتنا الثقافية، فالتعدد الثقافي واقع لا يجوز القفز عليه. فالثقافة القومية اليوم دليل الأمة نحو إنسانيتها ودليلها الحضاري نحو التمسك بالحوار،على الرغم من عوامل الصراع التي تهدد الأمة بمصيرها الحضاري،نحن مدعوون إلى التحديث لكن دون إلغاء ذواتنا و آلياتنا ،الذي دفع البعض لينتهز الفرصة ويجهر بالدعوة إلي مقاطعة اللغة العربية،ظنا انه السبيل إلى التطور والإزهار .
إن الاعتزاز باللغة العربية لا يكون من الخطب الرنانة ، و إنما يكون من خلال العمل على إحلالها محلها اللائق في نفوس الصغار،وصياغة المادة التعليمية و العلمية و الإعلامية و الترفيهية بلغة الفصحى البسيطة السلسة،وتطوير أساليب دراستها و إغنائها بالبحوث التطبيقية،والعمل على استيعاب المنجزات العلمية و تطوير مصطلحاتها بما ينسجم وعصر ثورة المعلومات .
المصدر