مدونتك الخاصة على الوزير الأدبية
الموضوع: اللسانيـــتات التداوليــــــــــة ~
إن اللّسانيات التداولية اتجاه لغوي ظهر وازدهر على ساحة الدرس اللساني الحديث والمعاصر؛يهتم بدراسة اللغة اثناء الاستعمال, ولعل هذا ما جعله أكثر دقة وضبطا، حيث يدرس اللغة أثناء استعمالها
إن اللّسانيات التداولية اتجاه لغوي ظهر وازدهر على ساحة الدرس اللساني الحديث والمعاصر؛يهتم بدراسة اللغة اثناء الاستعمال, ولعل هذا ما جعله أكثر دقة وضبطا، حيث يدرس اللغة أثناء استعمالها في المقامات المختلفة, وبحسب أغراض المتكلمين وأحوال المخَاطبين.
وتعنى الّلسانيات التّداولية في سبيل دراستها للّغة, بأقطاب العملية التواصلية؛ فتهتمّ بالمتكلّم ومقاصده، بعدِّه مُحرِّكا لعملية التواصل. وتراعي حال السامع أثناء الخطاب, كما تهتم بالظروف والأحوال الخارجية المحيطة بالعملية التواصلية، ضمانا لتحقيق التواصل من جهة، ولتستغلّها في الوصول إلى غرض المتكلم وقصده من كلامه من جهة أخرى.
فالتداولية إذن علم تواصلي جديد، يعالج كثيرا من ظواهر اللغة ويفسرها ويساهم في حل مشاكل التواصل ومعوقاته، وممّا ساعدها على ذلك أنّها مجال رحب يستمدّ معارفه من مشارب مختلفة, فنجده يمتحُّ من علم الاجتماع وعلم النفس المعرفي, واللسانيات وعلم الاتصال والأنثروبولوجيا, والفلسفة التحليلية([2]).
وبذلك فالتداولية تستند إلى كثير من مكاسب المعرفة الإنسانية المختلفة, ممّا أكسبها طابع التّوسع والثراء في مُعالجاتها المختلفة للغة؛ وجعلها تتّخذ لنفسها مكانة مهمة بين البحوث, بعدما كانت تعدّ سلة مهملات للسانيات.
1_تعريف التداولية: إن تقديم تعريف للتّداولية, يُـلِمُّ بجميع جوانبها, ويشملها أمر من الصعوبة بمكان, ذلك أنها مبحث لساني، ونظرية لمََا يكتمل بناؤها بعد، هذا من جهة, ومن جهة أخرى نجدها تتقاذفها مصادر معرفية عديدة([3])؛ إذ لكل مبدأ من مبادئ التداولية مصدر انبثق منه([4]), كما أنّها تتداخل مع كثير من العلوم الأخرى, مما جعل كل باحث ينطلق في تعريفها من مجال تخصُّصه, ولذلك سنكتفي بإيراد أهم ما جاء في تعريفها فقط.
أ-لغة: يرجع مصطلح التداولية في أصله العربي إلى الجذر اللغوي (دول)، وله معان مختلفة, لكنها لا تخرج عن معاني التّحول والتّبدل, فقد ورد في معجم أساس البلاغة للزمخشري(ت 538هـ): «دول: دالت له الدولة, ودالت الأيام, بكذا, وأدال الله بني فلان من عدوهم, جعل الكثرة لهم عليه…وأديل المؤمنون على المشركين يوم بدر, وأُديل المشركون على المسلمين يوم أحد…والله يداول الأيام بين الناس مرة لهم ومرة عليهم... وتداولوا الشيء بينهم, والماشي يداول بين قدميه, يراوح بينهما»([5]).
وجاء في لسان العرب لابن منظور(ت هـ):«تداولنا الأمر, أخذناه بالدّول وقالوا دواليك أي مداولة على الأمر… ودالت الأيام أي دارت, والله يداولها بين الناس, وتداولته الأيدي أخذته هذه مرة وهذه مرة, وتداولنا العمل والأمر بيننا، بمعنى تعاورناه فعمل هذا مرة وهذا مرة»([6]).
فالملاحظ على معاجم العربية أنّها لا تكاد تخرج في دلالاتها للجذر"دول" على معاني: التّحول والتّبدل والانتقال، سواء من مكان إلى آخر أم من حال إلى أخرى، ممّا يقتضي وجود أكثر من طرف واحد يشترك في فعل التحوّل والتّغير والتّبدل والتّناقل «وتلك حال اللغة متحوّلة من حال لدى المتكلم، إلى حال أخرى لدى السامع, ومتنقلة بين الناس, يتداولونها بينهم, ولذلك كان مصطلح (تداولية) أكثر ثبوتا بهذه الدلالة من المصطلحات الأخرى الذّارئعية, النفعية, السِّياقية»([7]).
ولعل هذا الثبوت لمصطلح التداولية هو الذي جعل الباحث المغربي "طه عبد الرحمان" يستحدث مفهوم" المجال التداولي"في ترجمته لمصطلح pragmatique، يقول في توصيفه للفعل" تداول":« تداول النّاس كذا بينهم يفيد معنى تناقله الناس وأداروه بينهم ومن المعروف أيضا أنّ مفهوم النقل والدوران مستعملان في نطاق اللغة الملفوظة كما هما مستعملان في نطاق التجربة المحسوسة ، فيقال: " نقل الكلام عن قائليه" بمعنى رواه عنه، ويقال دار على الألسن بمعنى جرى عليها...فالنّقل والدّوران يدلاّن في استخدامهما اللغوي على معنى التّواصل وفي استخدامهما التجريبي على معنى الحركة بين الفاعلين...، فيكون التّداول جامعا بين اثنين هما: التّواصل والتّفاعل فمقتضى التداول إذن أن يكون القول موصولا بالفعل»([8]).
يخلص الباحث إلى كون مجال التّداول يحمل معنى التّواصل بين المخاطبين والتّفاعل فيما بينهم، ومقتضاه أن يكون القول المتلفظ به موصولا بفعل إجرائي، وهذه المدلولات اللغوية للفعل تداول وارتباطه المباشر بالممارسة التراثية، هو ما جعل الباحثين يتلقّونه بالقبول حينما وضع الباحث "طه عبد الرحمان" "التّداوليات" مقابلا للمصطلح الأجنبي " pragmatique "، سنة 1970 ([9]).
يعود الفضل في استحداث مصطلح التّداولية في الثقافة الغربية إلى الفيلسوف الأمريكي "تشارلز ساندرس بيرس" ch.s.peirse(1839/1914) حينما نشر مقالتين في مجلة "ميتافيزقيا"، سنة 1978 و1979 بعنوان "كيف يمكن تثبت الاعتقاد؟ ومنطلق العلم:كيف نجعل أفكارنا واضحة؟ حيث أكد على أن الفكر في طبيعته إبداع لعادات فعلية، ذلك أنه مقرون بقيمتين: متى يتم الفعل؟ وكيف يتم؟ فيكون مقترنا بالإدراك في حالته الأولى وفي الحالة الثانية يؤدي الفعل إلى نتيجة ملموسة، ليصل إلى أن الممارسة والتّطبيق والفعل، هي التي تشكّل الأساس والقاعدة لمختلف الأفكار([13]).
ويرجع أول استعمال لمصطلح التّداولية إلى الفيلسوف تشارلز موريس charles) wiliam mouris) سنة 1938، حيث قدم لها تعريفا في سياق تحديده للإطار العام لعلم العلامات simiologie، وذلك في مقال له ركز فيه على مختلف التّخصصات التي تعالج اللغة(التركيب والدلالة والتداولية)، ليصل إلى أنّ« التداولية جزء من السيميائية التي تعالج العلاقة بين العلامات ومستعملي هذه العلامات» ([14]).وهو تعريف يتجاوز المجال اللساني ليشمل غيره من المجالات غيراللسانية (المجال السيميائي).
ولعل محاولة الوقوف على تعريف موحد للتّداولية، يعدّ من الصعوبة بمكان نظرا لتنوع خلفياتها الفكرية والثقافية، فتعدّدت التعريفات بحسب تخصّصات أصحابها ومجالات اهتماماتهم، ومن أبرزها ما قدّمه "فرانسيس جاك" francis jaques، « تتطرق التداولية إلى اللغة كظاهرة خطابية وتواصلية واجتماعية معا» ([15]). فالتداولية تتجاوز الدّراسة البنوية (السكونية) للّغة إلى دراستها في سياق استعمالها، ومراعاة كل ما يحيط بها من أحوال وما تخضع له من مقاصد المتكلّمين، ولذلك عرّفها الباحث "الجيلالي دلاش" بكونها« تخصّص لساني يدرس كيفية استخدام الناس للأدلة اللغوية في صلب أحاديثهم وخطاباتهم كما يُعني من جهة أخرى بكيفية تأويلهم لتلك الخطابات والأحاديث»([16]) ثم يردف كلامه بإجمال تعريف التداولية، في قوله: «هي لسانيات الحوار أو الملكة التبليغية» ([17]).لأنها في إطار عنايتها بدراسة اللغة أثناء الاستعمال تهتمّ بعناصر التّخاطب و التّحاور فتُراعي قصد المتكلم ونواياه، وحال السامع وظروفه، وتبحث في شروط نجاعة الرسالة، وسلامة الحوار بين المخاطبين وكل ما يحيط بهم، فالتّداولية إذن تُعنى بكل ما يتّصل بالعمل التّخاطبي بحثا عن المعنى، وضمانا للتّواصل.
ويجعلها الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمان، بعدِّه أوّل من أدخلها إلى الثقافة العربية، تختصّ بوصف كل« ما كان مظهرا من مظاهر التّواصل و التّفاعل بين صانعي التراث من عامّة النّاس وخاصّتهم...،فالمقصود "بمجال التداول" في التجربة التراثية، هو إذن محلّ التّواصل والتّفاعل بين صانعي التراث([18]).
فالتداولية إذن في أبسط تعريفاتها: دراسة للغة أثناء استعمالها واستخدامها في سياق التخاطب، تقوم على مراعاة كل ما يحيط بعملية التخاطب، للوصول إلى المعنى وإحداث الأثر المناسب، بحسب قصد صاحبه، وتبحث في الشروط اللاّزمة لضمان نجاعة الخطاب وملاءمته للموقف التّواصلي الذي يوجد فيه المتلفظ بالخطاب والسامع له.
2- نشأة التداولية وتطورها: تُشكِّل التداولية درسا جديدا وغزيرا لمَّا يمتلك بعد حدودا واضحة، انبثق من التّفكير الفلسفي في اللّغة بيد أنّه سرعان ما تجاوزه ليعمل على صقل أدوات تحليله،وبخاصّة التّداولية اللّسانية موضوع حديثنا.
إنّ اللسانيات التداولية اسم جديد لطريقة قديمة في التفكير بدأت على يد "سقراط"، ثم تبعه"أرسطو" والرواقيون من بعده، بيد أنها لم تظهر إلى الوجود باعتبارها نظرية للفلسفة إلاّ على يد "باركلي"، تغذّيها طائفة من العلوم على رأسها: الفلسفة واللسانيات والأنثروبولوجيا وعلم النفس وعلم الاجتماع([19]).
فالتّداولية الّلسانية إتجاه جديد في دراسة اللغة يبحث عن حلّ لعديد من المشاكل اللغوية التي أهملتها اللسانيات ولم تهتم بها نحو(الفونولوجيا،التركيب،الدلالة)، ولذلك»يعترف كارنابkarnab،أنّ التداولية درس غزير وجديد، بل يذهب إلى أكثر من هذا بقوله: إنّها قاعدة اللسانيات»([20]). كما أنّ اللّسانيات التّداولية تشكّل محاولة جادّة للإجابة عن جملة من الأسئلة تفرض نفسها على الباحث والبحث العلمي بعامة، وعجزت اللّسانيات عن الإجابة عنها، متوسِّلة في سبيل ذلك عديدا من العلوم الإنسانية والاجتماعية، وهي أسئلة من قبيل: ماذا نصنع حين نتكلّم؟ ماذا نقول بالضّبط حين نتكلم؟ من يتكلم ومع من يتكلم؟ من يتكلم ولأجل من؟ ماذا علينا أن نعلم حتى يرتفع الإبهام عن جملة أو أخرى؟ كيف يمكننا قول شيئا آخر غير الذي كنا نريد قوله؟ هل يمكن أن نَركن إلى المعنى العرفي لقصد ما؟ ما
([1]) ينظر: نعمان بوقرة: اللسانيات اتجاهاتها وقضاياها الراهنة, عالم الكتب الحديث, جدارا للكتاب العالمي، الأردن, ط1, 2009, ص 160.
([2]) ينظر: المرجع نفسه ص163, ومسعود صحراوي: التداولية عند العلماء العرب, دراسة تداولية لظاهرة الأفعال الكلامية في التراث اللساني العربي, دار الطليعة للطباعة والنشر, بيروت, ط1, 2005, ص17, وص26, ومحمود أحمد نحلة, آفاق جديدة في البحث اللغوي المعاصر, دار المعرفة الجامعية, الإسكندرية, (د ط), 2002, ص 10, 11.
([3]) ينظر: خليفة بوجادي: في اللسانيات التداولية, مع محاولة تأصيلية في الدرس العربي القديم, بيت الحكمة للنشر والتوزيع, العلمة, الجزائر, ط 1, 2009, ص 63.
([4]) فنجد نظرية أفعال الكلام انبثقت من تيار"الفلسفة التحليلية", ونجد "نظرية المحادثة" نابعة من فلسفة "بول غرايس"PAUL GRICE, كما أنّ نظرية الملاءمة ولدت من رحم علم النفس المعرفي…,(ينظر: مسعود صحراوي: التداولية عند العلماء العرب ص 17).
([5]): أساس البلاغة: تحقيق: محمد باسل عيون السود, منشورات دار الكتب العلمية, بيروت, ط 1, 1998, ج 1, ص 303.
([6]) ابن منظور: لسان العرب, دار صادر, بيروت, المجلد11, ط 3, 1994, ص 253,252.
([7]) خليفة بوجادي: في اللسانيات التداولية, ص 148.
([8]) تجديد المنهج في تقويم التراث، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ، ط2، ص244.
([9])يقول طه عبد الرحمان: «وقد وقع اختيارنا منذ 1970 على مصطلح التداوليات مقابلا للمصطلح الغربي (براغماتيقا) لأنه يوفي المطلوب حقه، باعتبار دلالتـه على معنيين: الاستعمال والتّفاعل معا، ولقي منذ ذلك الحين قبولا من لـدن الدارسين الذين أخذوا يدرجونه في أبحاثهم »، طه عبد الرحمان: في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب ، ط2، 2000، ص27.
([10])يقول الباحث: « وقد اصطُنع في العربية النقدية المعاصرة على أنّه "تداولية " في حين أنّا نشك في أنه كذلك بهذه الصّفة التي ورد عليها، في أصل الاستعمال الغربي، لأن صيغة هذا الاستعمال (pragmatique , pragmatics) لا تدل على وجود ياء النزعة المعرفية (علمية أو فلسفية أو أدبية) والتي يطلق عليها النحاة العرب بغير إقناع "الياء الصناعية" فالأجانب يصطنعون صيغة أخرى لما يقابل هذه الياء أو اللاحقة الثنائية على الأصح "ـيـه" (Pragmatisme / pragmatism) فكيف نترجم نحن العرب مفهومين اثنين في أصلهما بصيغة عربية واحدة ؟ … ولذلك نقترح أن نطلق على مقابل المفهوم الأول "التداول" (أي تداول اللغة) …، وعلى المفهوم الآخر المنصرف إلى النزعة المذهبية : "التداولية" وذلك حتى نُطوّع العربية» عبد الملك مرتاض:تداولية اللغة بين الدلالية والسّياق، مجلة اللسانيات ، مركز البحوث العلمية والتقنية لترقية اللغة العربية، الجزائر، العدد10، 2005، ص66. 67.
([11])ينظر:نواري سعودي أبو زيد: في تداولية الخطاب الأدبي ، المبادئ والإجراء، بيت الحكمة، الجزائر ، ط1، 2009 ص18 ، والطاهر لوصيف : التداولية اللسانية، مجلة اللغة العربية، جامعة الجزائر، العدد، 17، ص6.
([12])محمد مهران رشوان: مدخل إلى دراسة الفلسفة المعاصرة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ط2، 1984، ص41.
([13]) ينظر: الزاوي بغورة: العلامة والرّمز في الفلسفة المعاصرة (التأسيس والتجديد)، عالم الفكر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ، مارس 2007، العدد 3، المجلد 35، ص199.
([14])فرانسواز أرمينيكو: المقاربة التداولية، ترجمة:سعيد علوش، مركز الإنماء القومي، الرباط، المغرب، 1986، ص12. وينظر: جاك موشلار، آن روبول: التداولية اليوم، ص29.
([15])فرانسواز أرمينيكو: المقاربة التداولية، ترجمة:سعيد علوش، ص12.
([16])مدخل إلى اللسانيات التداولية، ترجمة: محمد يحياتن، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائرية،الجزائر، 1992، ص1.
([17])المرجع نفسه.
([18])طه عبد الرحمان: تجديد المنهج في تقويم التراث، ص244.
([19])ينظر: نعمان بوقرة: اللسانيات اتجاهاتها وقضاياها الراهنة، ص163.
([20])عبد الهادي بن ظافر الشهيري: استراتيجيات الخطاب، مقاربة لغوية تداولية، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، ط1، 2004، ص23.