بناء القصيدة العربية بين الاشتراط والتوصيف
الباحث: علي حسين يوسف عناد
منشور في: مجلة أهل البيت عليهم السلام العدد 19
تصنیف البحث: الأدب العربي
من صفحة: 401
إلى صفحة: 415
خلاصة البحث:
يعالج البحث قضية بناء القصيدة، في مرحلتي: الاعداد، والانجاز، او مرحلتي الاشتراط، والتوصيف، فالبناء بمعنى التكوين، او الصناعة، او الخلق، او الانشاء، ومعاييره، فيقصد به في البحث: دراسة شروط تكوين القصيدة، وخلقها، وقوانين صناعتها، ودراسة عملية الابداع الشعري، وكيفية تكوين الافكار، وتبلورها وشروطها، وآليات توصيف العواطف، وبيان صدقها من عدمه، وتحليل الاخيلة ودراسة مدى دقتها.
اما البناء المنجز، فنعني به: البناء الهيكلي، او الشكلي، او الخارجي، او المنجز، ويندرج تحته: نشاة القصيدة شكليا، وتطورها الشكلي، انواع القصيد: ارجوزه، مقطوعة، قصيدة، موشح... الخ، واجزاء القصيدة: مطلع، مقدمة، تخلص، موضوع، خاتمة. ويشتمل ايضا على البناء الداخلي، الذي يشتمل على معالجة القضايا الآتية: توصيف اللغة الشعرية، الالفاظ، التراكيب، الاساليب، والايقاع، الخارجي، الداخلي، والصورة الفنية، عناصرها، انواعها، التشخيص، التجسيد، التجسيم، وتوصيف الرموز، والافكار، والعواطف، والاخيلة.
Abstract
Build the Arabic poem between characterization and requirement
This analytical research to an important issue, in Arabic literature, relating to the construction of the Arabic poem, in the case of characterization, in the case of the requirement, and depending on the nature of the material studied, this study divided the two sections preceded pave the linguistic definition and idiomatic to denote construction and understandable.
The first topic on the study of construction, understood as indicating the shape done. While the other section, in construction as a normative concept means and configuration requirements in construction and creativity, and followed Alambgesan Conclusion The researcher found necessary to extract the most important findings and proposals.
Due to the appropriate analytical approach to the subject matter, paragraphs Thread has studied the data according to the curriculum.
البحث:
المقدمة
تمثل القصيدة من الناحية التكونية ــ في المدونة العربية التقليدية ــ مجموعة من الابيات الشعرية، من بحر واحد، ملتزم فيها قافية واحدة في الغالب، اما عدد هذه الابيات، والحد الادنى لها لتكوين القصيدة فقد كان موضع خلاف، فقد رأى الاخفش: ان ثلاثة ابيات يمكن ان تؤلف قصيدة، لكن اكثر علماء العروض يرون ان القصيدة يجب الا تقل عن سبعة ابيات.
وقد شغل بناء القصيدة النقاد القدامى، والمحدثين، الى الحد الذي اصبح هذا الموضوع المادة الاساس في معظم الكتب النقدية، ونظراً لتلك الاهمية، وجد الباحث، ان مفاهيم موضوعة بناء القصيدة العربية، ومصطلحاتها، بهذا التوظيف لم تستوعب تماما في البحث الاكاديمي بعد، ومن هنا كان هذا البحث.
وتبعاً لطبيعة المادة المدروسة، قسمت هذه الدراسة على: مبحثين، سبقهما تمهيد في التعريف اللغوي، والاصطلاحي لدلالة البناء، ومفهومه.
قام المبحث الاول على: دراسة البناء، بوصفه مفهوما معياريا يعنى بإشتراطات التكوين، والانشاء، والابداع، فيما كان المبحث الاخر: في البناء بوصفه مفهوما يدل على الشكل المنجز، واعقب المبحثين خاتمة، وجدها الباحث ضرورية لإستخلاص اهم النتائج والمقترحات.
ونظرا لمناسبة المنهج التحليلي لمادة البحث، فقد درست فقرات الموضوع على وفق معطيات ذلك المنهج.
وقد كان البحث ثمرة لمجهود، انصب على تتبع آراء النقاد العرب قدامى، ومحدثين، وفرزها، ودراستها، وتحليلها، وتقويمها، الامر الذي افرز عددا من الصعوبات، والمشاكل تمثلت في تداخل افكار المادة المدروسة، واختلاف الاراء وتباينها احياناً، لكن الرغبة في انجاز العمل خفف تلك الصعوبات، فضلاً عن مساندة كثير من الاصدقاء والزملاء الذين لا يسع الباحث الا تقديم الشكر والامتنان لهم.
التمهيد: البناء... المفهوم والدلالة
للبناء في المعاجم اللغوية دلالتان عامتان ؛ فهو اولاً: يدل على الشيء المنجز، والمتحقق في الوجود، وجمعه أبنية ([1])، وبهذا المعنى فإن مفهوم البناء يرادف مفهوم البنية التي تعني: ((تلك المنظومة ذات العناصر المتفاعلة، حيث كل عنصر يؤدي وظيفة داخل المنظومة، وتحدد قيمته بهذه الوظيفه))([2]).
والبناء بالمعنى المتقدم لا بد ان يتكون من شكل ظاهر للعيان، سنطلق عليه: البناء الخارجي، وشكل آخر غير ظاهر انما يعكسه الشكل الخارجي ويدل عليه، وسنطلق عليه: البناء الداخلي. وربما يقترب هذا الفهم لبناء القصيدة من مفهوم تشومسكي في البنية السطحية والبنية العميقة.
اما الدلالة الاخرى لمفهوم البناء فإنها تحيل الى معنى اجرائي، وتدل على عملية خلق النص وإنشائه، وصناعته، فالبناء بهذا المعنى نقيض الهدم([3]).
على ان التمييز بين دلالتي البناء الخارجي او الداخلي او دلالتي المنجز والاجرائي السابقتين، لم يكن واضحاً تماماً عند اصحاب المعاجم اللغوية، ولا عند النقاد القدامى او المحدثين، فقد يجد القارئ في كثير من المؤلفات التي تتحدث عن بناء القصيدة لبساً كثيراً في مراد الكاتب وقصده لأي المفاهيم يعني.
والمتتبع للمصطلحات الخاصة لبناء القصيدة يجدها كثيرة، متداخلة، متضاربة، فقد افرز الدرس الادبي العربي عددا من المصطلحات في هذا المجال، من اهمها: بناء القصيدة، البناء الفني، البناء الهيكلي، البناء الموضوعي، الوحدة الموضوعية، الوحدة العضوية، شكل القصيدة، تركيب القصيدة، فضلا على عدد آخر من المفاهيم التي اعتاد عليها النقاد القدامى، مثل: الصناعة، النسج، عمود الشعر، وغيرها.
وقد انعكس عدم التمييز بين دلالات البناء على المفهوم الاصطلاحي، لذلك فمن الصعوبة ان يجد الباحث تعريفاً دقيقاً للبناء ـ بناء القصيدة ـ عند القدماء او المحدثين، فقد اصبح هذا المفهوم مجالاً يجمع الاراء المتباينة والمتناقضة التي تراوحت بين توصيف شكل القصيدة العربية، وبيان مفاصل جسدها وتركيب هيكلها، وبين عملية انشاء القصيدة وتكوينها اجرائيا، والفرق بين هذه المعاني واضح وكبير كالفرق بين وصفنا لبيت من الخارج ووصفنا لمكونات بنائه ومواده، او كالفرق بين ووصفنا لبيت مكتمل البناء ووصفنا لطريقة عمل بيت آخر في طور الانجاز.
وبناء على ما تقدم، ونتيجة لاختلاف مفهوم البناء، وتمايز دلالته بين شكله الخارجي او الداخلي، وآليات تكوينه، يرى الباحث ان دلالة البناء يفترض ان لا تقع تحت مفهوم تعريفي موحد يجمع المعنيين السابقين في سلة واحدة كمفهوم البناء الفني، او مصطلح شكل القصيدة التي انتشرت مؤخرا بين النقاد حديثا، فلكل واحد من هذه المفاهم ميدان بحثه المختلف عن الاخر.
المبحث الاول: البناء.... مفهوما معياريا اشتراطات الصناعة والتكوين
ان بناء القصيدة بهذا المعنى يعد مفهوما يُعنى بما يجب ان تكون عليه القصيدة الناجحة، فهو ــ بهذا التوظيف ــ اداة معيارية، يحاول اجتراح الاشتراطات الخاصة لما يجب ان تكون عليه القصيدة، وقد انتبه ابن قتيبه لهذا التمايز بين بناء وآخر حينما قال: ((المديح بناء والهجاء بناء)) ([4])، اذ ان لكل واحد منهما متطلباته النفسية، وشروطه التي يستوجبه.
ويتضح مما تقدم ان الحديث عن البناء بالمعنى الاجرائي يقع على متطلبات صناعة القصيدة، بمكوناتها الخارجية او الداخلية، على الرغم من كل مفهوم من هذين المفهومين اشتراطات تكوينه وخلقه الخاصة به، وله معاييره وشروطه ايضا، وكثيرا ما تتضمن هذه الاشتراطات دوافع القول الشعري ومهيئاته، مثلما تتضمن صفات النجاح الشخصية بالنسبة للمبدع.
لذلك افاض النقاد قديماً وحديثاً في شروط بناء القصيدة المميزة، ومعايير نجاحها، وما يتطلب على الشاعر عمله، الى الحد الذي يمكن معه القول: ان اغلب ما كتب عن بناء القصيدة يتضمن تلك الاشتراطات، وإن لم نجد في مدوناتهم فصلا واضحا بين شروط بناء هيكل القصيدة وشروط لغتها الشعرية واساليبها اللغوية والبلاغية.
ان عملية الخلق الشعري تتطلب شروطاً، منها ما يجب ان يتوفر في الشاعر، ومنها ما يجب ان يتوفر في القصيدة، لكي يمكن القول ان هذا الشاعر يتميز عن غيره بميزة معينة، وان تلك القصيدة انمازت عن سواها بشروط انفردت بها، ومن حيث العموم فالشاعر المميز هو الشاعر الفحل الذي: ((له مزية على غيره كمزية الفحل على الحقاف))([5])، اما النص المميز فمزيته: ((ما رأيته متلاحم الاجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك انه افرغ افراغا واحداً، وسبك سبكاً واحداً))([6])، فالشعر: ((صناعة وضرب من النسج، وجنس من التصوير))([7])، وعلى الشاعر ان يكون دقيقاً في اختيار الفاظه، وان تكون تلك الالفاظ دالة على المقصود من غير عناء فإن: ((احسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره ومعناه في ظاهر لفظه))([8]).
وقد فصلوا القول في اللفظ والمعنى وشروطهما والعلاقة بينهما، فمن الضروري ((ايفاء كل معنى حظه من العبارة، والباسه ما يشاكله من الالفاظ، حتى يبرز في احس زي، وابهى صوره))([9]). فالمعاني للشعر بمنزلة: ((المادة الموضوعة والشعر فيها كالصورة))([10])، فإن: ((اللفظ جسم وروحه المعنى))([11])، وتبدو النزعة التعلمية واضحة عند النقاد العرب وهم بصدد عملية الخلق الشعري وما يتطلبه ذلك، يقول الجرجاني: ((واذا اردت ان تعرف موقع اللفظ الرشيق من القلب، وعظم غنائه في تحسين الشعر فتصفح نسيب متيمي العرب، ومتغزلي اهل الحجاز))([12])، ويعلل الآمدي القول السابق قائلا: ((وينبغي ان نعلم ان سوء التأليف، ورداءة اللفظ يذهب بطلاوة المعنى الدقيق، ويفسده، ويعميه حتى يحوج مستمعه الى طول تأمل))([13]).
اما كيفية تكوين القصيدة فقد نالت حظا وافراً من كلام النقاد العرب الذين تكلموا عن صناعة الشعر، وأول ما يصادفنا في ذلك: رسالة بشر بن المعتمر، التي حاول فيها وضع قواعد الصنعة، فيقول: ((خذ من نفسك ساعة نشاطك، وفراغ بالك، واجابتها اياك... وإياك والتوعر، فإن التوعر يسلمك الى التعقيد، والتعقيد هو الذي يهلك معانيك، ويشين الفاظك، ومن اراد معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما، فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقها ان تصونهما عما يفسدهما ويهجنها، وعما تعود من اجله ان تكون اسوأ حالاً منك قبل ان تلتمس اظهارهما، وترتهن نفسك بملابستها، وقضاء حقها، فكن في ثلاث منازل ؛ فإن اولى الثلاث: هو ان يكون لفظك رشيقاً، عذبا، وفخماً سهلا، ويكون معناك ظاهراً مكشوفاً، وقريبا معروفاً... فان امكنك ان تبلغ من بيان لسانك، وبلاغة قلمك، ولطف مداخلك، واقتدارك على نفسك، الى ان تفهم العامة معاني الخاصة وتكسوها الالفاظ الواسطه التي لا تلطف عن الدهماء، ولا تجفو عن الاكفاء، فأنت البليغ التام))([14]).
في النص السابق حدد بشر ما مطلوب من الشاعر عمله لتوفير الوقت المناسب لقول الشعر متمثلاً بما يأتي:
ساعة النشاط وفراغ البال.
الاستعداد النفسي (وإجابتها إياك).
اما شروط الشعر الناجح فقد حددها بشر بما يأتي:
اختيار الالفاظ الكريمة للمعاني الكريمة.
ابعادهما عن الهجنة.
اللفظ الرشيق العذب الفخم السهل.
المعنى الظاهر المكشوف والقريب المعروف.
تجنب التوعر والتعقيد.
وبهذا يمكن ان يعد بشر بن المعتمر من اوائل النقاد الذين ارسوا قواعد العملية الشعرية، وشروطها، وعليه يمكن ان يكون بشر مؤسس هذا المفهوم من البناء، وواضع اسسه، وشروطه.
وممن اولوا عملية البناء الشعري اهتماما متزايداً بعد بشر الناقد ابن طباطبا الذي وضع كتابه ـ عيار الشعر ـ لا ستقصاء مفصليات عملية الابداع الشعري، وشروطها، يقول ابن طباطبا: ((فإذا اراد الشاعر بناء قصيدة مخض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرا، واعد له ما يلبسه اياه من الالفاظ التي تطابقه، والاقوال في التي توافقه، والوزن الذي يسلس له القول عليه، فإذا اتفق له بيت يشاكل المعنى الذي يرومه اثبته، واعمل فكره في شغل القوافي بما نقتضيه من المعاني على غير تنسيق للشعر، وترتيب لفنون القول فيه، بل يعلق كل بيت يتفق له نظمه على تفوت ما بينه وبين ما قبله، فاذا كملت له المعاني، وكثرت الابيات وفق بينها بأبيات تكون نظاما لها، وسلكا جامعهاً لما تشتت منها، ثم يتأمل ما قد اداه اليه طبعه ونتجته فكرته يستقصي انتقاده، ويرمم ما وهي منه، ويبدل بكل لفظة مستكرهه لفظة سهلة نقية...))([15]).
ففي هذا النص ـ الذي نقلناه على طوله لأهميته ـ يقسم ابن طباطبا مراحل نظم القصيدة على المراحل الآتية:
مرحلة كونها فكرة مجردة (نثراً).
تشكيل الفكرة النثرية بقوالب الشعر والفاظه وقوافيه واوزانه.
التسلسل في الابيات وتلاحمها.
التهذيب وإعادة النظر في القصيدة([16]).
ان اهمية آراء ابن طباطبا في عملية الخلق الشعري تتجسد في تأثر النقاد الذين جاؤوا بعده بتلك الافكار، فهذا ابو هلال العسكري يتابعه في منهجه التعليمي فيوصي الشاعر بما يجب عليه فعله، يقول العسكري: ((واذا اردت ان تعمل شعراً فاحضر المعاني التي تريد نظمها في فكرك، واظهرها على قلبك، واطلب لها وزنا يتأنى فيه إيرادها، وقافية يحتملها، فمن المعاني ما تتمكن من نظمه في قافية، ولا تتمكن منه في اخرى، وتكون هذه اقرب طريقاً، وايسر كلفة منه من ذلك، ولإن تعلو الكلام فتأخذه من فوق فيجئ سلساً سهلاً ذا حلاوة ورونق خير من ان يعلوك فيجئ كزاً فجا ومتجعدا جلفاً، فاذا عملت القصيدة فهذبها، ونقحها بإلقاء ماغثٍّ من ابياتها، ورث، ورذل، والاقتصار على ما حسن، وفخم بابدال حرف منها بآخر اجود منه حتى تستوي اجزاؤها، وتتضارع عواديها، واعجازها))([17]).
نجد هنا ا ن ابا هلال العسكري قد طابق في آرائهِ ما قاله ابن طباطبا حتى اننا لا نكاد نعثر على أي خلاف بينهما على الضد من ابن رشيق الذي خالف ابن طباطبا والعسكري معاً في اختيار البيت دون ان يسبقه بإختيار القافية، فيقول: ((بل اصنع القسم الاول على ما اريده ثم التمس في نفسي ما يليق به من القوافي بعد ذلك فابني عليه القسم الثاني، افعل ذلك كما يفعل من يبني البيت على القافية ولم ار ذلك بمخل علي ولا يزعجني عن مرادي ولا يغير عليّ شيئاً من لفظ القسم الاول الا في الندرة التي لا يعتمد بها او على جهة التنقيح المفرط))([18]).
ان ابن رشيق في هذا النص يبدو وكأنه يتكلم عن تجربته الذاتية بضمير (الانا) لا سيما اذا علمنا ان الرجل شاعر مارس كتابة الشعر.
وهكذا نلحظ ان البناء بشكله المعياري هذا عند النقاد القدامى كثيراً ما اريد منه امورا تعليمية تصب في انجاح عملية الابداع وكيفية تكوين القصيدة، اذ ان النقد العربي القديم كان في الاعم الاغلب نقداً توجيهياً تغلب عليه سمة التعليمية، ثم ان قلة النصوص النقدية التي تناولت المفهوم الاول للبناء ـ الشكل المنجز او البناء الهيكلي ـ قد يفسر بأن اولئك النقاد اعتبروا ان شكل القصيدة العربية امراً مفروغاً منه تسالم عليه الناس، فلا حاجة للتفصيل فيه وقد تكلم النقاد العرب على وفق منهج معياري ارادوا من خلاله محاكاة المثل الفنية الممتازة ((التي يحتوي كل مثال منها على صفات وخصائص تعب اصحابها في التعبير عنها. اما المثل الفنية المطلقة من غير قيود ولا حدود فإنها لا توجد في الشعر ولا في أي ضرب من ضروب الفن))([19]).
وفي النقد الحديث نجد ان البناء بمعناه الاجرائي ـ التكوين والخلق ـ اخذ شيئا من اهتمام النقاد المحدثين، لكن الملاحظ ان التأكيد كان منصبا على عمليات الانشاء والتكوين في قسمه الداخلي وقد يعود السبب في ذلك الى ايثار ما يجب ان يكون عليه المضمون الجديد على المنجز الشكلي التقليدي اولا في بناء القصيدة عندهم، ثم ان هؤلاء النقاد حالهم حال الادباء قد سئموا الاشكال البنائية الجاهزة،ومالوا الى الحرية في اتخاذ اشكال مبتكرة، وكأنما اصبح التأكيد على هذا الفهم للبناء الداخلي متطلبا عصريا، لذلك نجد ان الاشتراطات التي يجب ان تكون عليها العناصر التكوينية الابداعية للعمل الشعري كانت متعلقة في المكونات الداخلية للنص الشعري، لذلك كان مجال البحث في اغلب ما كتب منصبا على ما يجب ان يكون عليه بناء القصيدة الداخلي، فمحمد عبد المنعم خفاجي يجعل الاشتراطات التكوينية مما يجب ان تتصف عناصر التجربة الشعرية والموسيقى والخيال والصورة الشعرية والوحدة الفكرية([20])، في حين يرى محمد زكي عشماوي ان عناصر نجاح النص الشعري محصورة بثلاثة مكونات اساسية وكلها داخلية، وهي عنده: الفكرة والصورة والموسيقى([21])، وخلطت نازك الملائكة بين الموضوع والهيكل وان كانت رائدة في هذه التسمية وقد اضافت عنصري التفاصيل والوزن([22])، اما احمد كمال زكي فإن شروط نجاح النص لا بد ان تتوافر في عناصر البناء الداخلية ايضا وهي عنده: العاطفة والخيال والمعنى واللغة ([23])، اما صلاح فضل فعلى الرغم من تقسيمه عناصر البناء على قسمين: عناصر شكلية (صوتية) واخرى موضوعية (دلالية)([24]) الا ان الواضح من كلامه انه يؤكد على شروط نجاح كلا القسمين اللذن يمثلان البناء الداخلي، فيما نجد تلك العناصر عند محمد فتوح احمد تتحدد بثلاثة: الايقاع والتركيب والدلالة([25])، وكلها عناصر داخلية، اما مرشد الزبيدي فيجدها باربعة عناصر داخلية ايضا: اللغة والموسيقة والصورة والموضوع([26]).