والخطر الأكبر للغة العربية في ظلال العولمة يأتي من تهميشها تدريجيا حيث تحل محلها اللغة الإنجليزية باعتبارها لغة عمل وتواصل وأنها تمتلك مقومات القوة والهيمنة والسيطرة على اللغات الأخرى. وهذه العولمة اللغوية تروم نشر اللغة الإنجليزية لغة القطب الواحد وهيمنتها في التعليم والتواصل. وأما بمحاربة اللغة العربية الفصيحة فقد اتخذت أشكالا متعددة منها: وصم لغتنا بالتخلف وعدم مواكبة روح العصر والتفجر المعرفي، باعتبارها لغة البداوة وليست لغة العلم. وجانب أخرى وصمها بالصعوبة والتعقيد بسبب نحوها وصرفها وكثرة الحركات فيها. وهذا ما أدى الى ابتعاد كثير من الناس عن اللغة العربية حيث أنهم يعتبرونها لغة القرآن، ولغة الفقه والعبادة، وهو ما منحها لونا من القداسة،وليس كلغة حياة يومية، تطورت عبر التاريخ، وهو ما أدى إلى أن تنزع عنها سمة الحيوية وإمكان دخولها في الحياة العامة للأفراد. ومن اللافت هنا، أن الغرب قد شجع اللهجات العامية في اللغة العربية حتى إن بعض الجامعات الأمريكية قامت بإلغاء تدريس اللغة العربية والاستعاضة عنها باللهجات العربية مثل الشامية والمصرية والمغربية والعراقية وغيرها. وبسبب هذه الفجوة الهائلة بين العامية والفصحى، وتزايد الاهتمام على العامية في الدول العربية قد قلل شأن اللغة العربية الفصحى في الأوساط العلمية، حتى بلغ الأمر الى أن هناك توجه إلى إلغاء اللغة العربية من بين اللغات العالمية الرسمية في منظمة الأمم المتحدة لأسباب منها:
• عدم وفاء معظم الدول العربية بالتزامها المتعلقة بدفع نفقات استعمال العربية في المنظمة.
• عدم استعمال ممثلي الدول العربية للغة العربية في الأمم المتحدة،حيث أنهم يستعملون الإنجليزية أو الفرنسية في إلقاء كلماتهم ومناقشاتهم.
• عدم وجود مترجمين عرب أكفياء يجيدون اللغة العربية.
ولقد ضغطت الدول الكبرى على منظمة اليونسكو بخصوص حقوق التنوع اللغوي، مما جعل هذه المنظمة أخيرا تعلن أن الحقوق اللغوية تنحصر في ثلاثة:
1. الحق في لغة الأم وليس اللغة الأم
2. الحق في لغة التواصل في المجتمع.
3. الحق في لغة المعرفة.
وتعني هذه الحقوق فيما يتعلق ببلادنا العربية:
1. لغة الأم هي اللهجة العامية أو إحدى اللغات الوطنية غير العربية.
2. لغة التواصل هي اللهجة العربية الدارجة.
3. لغة المعرفة العالمية هي الانجليزية أو الفرنسية.
وفي ظل هذه العولمة الثقافية ذات القطب الواحد، تنشر وسائل الإعلام العربي برامجها مصبغة بصبغة الثقافة واللغة الغربية،مثل برنامج الأجندة المفتوحة،وبانوراما،والشارع الدبلوماسي وغيرها،وتروج الدوائر المعادية لبعض المصطلحات، ومن بين هذه المصطلحات " منطقة الشرق الأوسط" إذ أن هذا المصطلح يشمل منطقة لا هوية لها، لإزالة الهوية العربية، وليحل هذا المصطلح مكان " الوطن العربي" أو " البلاد العربية".فأخطر التحديات تواجه اللغة العربية توجد على صعيد الأكاديمي والتعليم حيث تم تفريغ المناهج والكتب من النماذج التأصيلية والنصوص التأسيسية للغة العربية وثقافتها، فيفرغ عقل الدارس ووجدانه من كل ما هو أصيل يصله بحقيقة لغته وثقافة أمته. ويضاف إلى ذلك كله ضعف نسبة ما ينشر باللغة العربية على شبكة الإنترنت، إذ إن %80 من صفحات الموقع المتوفرة على شبكة "الويب" مكتوبة بالإنجليزية، وثمة نقص رقمي على الشبكة بالعربية وعدم اعتماد مواصفات محارف اللغة العربية وهذا يسبب الكثير من الإشكالات.
ومن الملاحظ أن اللغة هي تؤدي دورا بارزا في ازدهار الأمم وانحسارها بدون أدنى شك، فالشواهد التاريخية تؤكد على أن فناء الأمم والحضارات نادرا ما يكون بسبب الإبادة الجسدية عسكريا، أو بسبب الانتماء السياسي أو اختلاف الأجناس، وإنما يكون بسبب اختفاء لغاتهم. ومن الثابت أيضا أن القوة المادية تكون نتيجة للقوة الرمزية، فالقوى الإقتصادية والعسكرية والسياسية كثيرا ما تكون عرضة للانهيار، إن لم تمتلك كيانا ثقافيا وقيما حضارية تصونها، وأكثر ما تتجلى هذه القيم في اللسان المتكلم، ولذلك تحرص كل أمة تطويره وصيانته ونشره بشتى الوسائل والطرائق.
مواجهة التحديات
أول شروط الاستجابة لهذه التحديات أن نعمل معا لمواجهتها، متكافلين ومتعاضدين،بإعادة صياغة السياسة الثقافية والتنموية لنبدع نهضة ثقافية في عصر العولمة. فلا بد من استجابة ترقى إلى مستوى ما يواجهه الوطن العربي من تحديات لنضمن للأمة العربية حضورها الفاعل بين الأمم في خارطة الغد الإنساني.
الخطوة التي نحتاج اليها في سبيل الحفاظ على اللغة العربية من خطرات العولمة يتخلص في تعريب سوق العمل والتعليم والإدارة والإعلام وجميع المؤسسات الوطنية والعربية، وسد الفجوة الهائلة بين اللغة العربية والمعارف والعلوم والتقنية والصناعة في جميع المجالات، وربط اللغة العربية بجميع معطيات العصر وتطوراته في الميادين كافة. وتوفير الكتاب الجامعي في جميع التخصصات العلمية في الجامعات العربية، بالاضافة إلى التواصل المستمر والآني مع مراكز البحث ودور النشر العلمية والجامعات في دول العالم المختلفة أمور في غاية الأهمية في سبيل التحديات للغة العربية. ويضاف إلى ذلك كله، الاطلاع على أحدث المخترعات والمكتشفات ونقلها للغة العربية، والنهوض بالترجمة على مستوى الكوادر البشرية والتجهيزات التقنية. وفي المجال الأكاديمي، الحاجة تلح على دعم المكتبة العربية بالمؤلفات الحديثة في جميع التخصصات، وزيادة تدريب المترجمين والمعجميين والتقنيين في مجال اللسانيات، بالاضافة إلى دعم الأبحاث والدراسات اللغوية المرتبطة بالتقنية والصناعات الحديثة، وربط الجامعات العربية ببعضها البعض علميا ومعرفيا وبحثيا وتقنيا.
وهذا هو في الحقيقة مشروع لو تمكنت المؤسسات العربية المختصة، والحكومات العربية من دعمه لأمكن بالفعل تحقيق نقلة مهمة لتعزيز مكانة اللغة العربية في أوطانها.
من سبل مواجهات التحديات في ظل العولمة ما يلي:
• ترجمة آداب الأمم الأخرى والاستفادة منها: يقول الأستاذ عمر الدسوقي: " وهذا هو البستاني ينقل إلينا إلياذة هوميروس شعرا في مستهل هذا القرن..... وقد أعطى البستاني بإخراجه الإلياذة شعرا نموذجا قوي الأسلوب مشرق الديباجة للشعراء الذين يحاولون نظم الملاحم، أو نظم المسرحيات، وكيف يتصرفون ويتحللون من نظام القصيدة، ونحن لا يعنينا الآن الخوض في قيمة الإلياذة وأثر نقلها في اللغة العربية، بقدر ما يعنينا تلك الطريقة التي ترجمت بها، والمقدمة التي كتبت لها، فقد كانت درسا جديدا في مستهل هذا القرن لدراسة الأدب والنقد الأدبي، على غير ما ألف نقاد ذلك الوقت من الاهتمام بالألفاظ والمعاني".
هنا، الاستفادة لا تعني تطبيق على اللغة العربية كل ما ناخذ من الآداب الأخرى، بل الأمر ينحصر على طبيعة اللغة.
• تعزيز الانتماء: إن الحفاظ على الهوية والذاتية الثقافية للأمة واجب مقدس في عصر العولمة،ولغتنا هي رمز كياننا وعنوان شخصيتنا العربية وهويتنا الثقافية، إلا أن ذلك كله لا ينفي أهمية الانفتاح على الثقافات الأخرى في جو من العقلنة، وذلك لأن الحفاظ على الهوية لا يعني الجمود بل هو عملية تتيح للمجتمع أن يتطور ويتغير دون أن يفقد هويته الأصلية، وأن يقبل التغيير دون أن يغترب فيه.فإكتساب اللغة الأجنبية مع الاعتزاز باللغة العربية أمر يتطلب الجانب الإيجابي للعولمة حيث نجد ما ورد في تراثنا من حث على تعلم اللغات الأجنبية:
بقدر لغات المرء يكثر نفعه وتلك له عند الشدائد أعوان
فبادر إلى حفظ اللغات مسارعا فكل لسان بالحقيقة إنسان
• تنشيط اللغة العربية في الإنترنت: من المعلوم أن المحتوى العربي على الإنترنت ضئيل جدا، إذ لا يتجاوز مواقع الويب %1 من المواقع العالمية. إذ إن %80 من صفحات الموقع المتوافرة على شبكة الويب مكتوبة باللغة الإنجليزية. وهذا يظهر عدم اهتمام اللغة العربية على شبكة الإنترنت.فالحاجة ماسة الى ازدياد المحتوى العربي الرقمي على الإنترنت مثل المواقع التعليمية والإعلامية والثقافية والمكتبات الإلكترونية بالعربية وغيرها.
• الحفاظ على صفاء اللغة العربية والعمل على سيرورتها وانتشارها: من الواجب للإمة العربية الحفاظ على صفاء اللغة العربية الأم وسيرورتها وإنتشارها وتيسير استخدام اللغة العربية في عمليات التواصل اللغوي. فكيف لا يكون هذا الاهتمام، إذ اللغة العربية لغة القرآن الكريم والرابطة التي توحد بينهم فكرا وقيما ومشاعر.
• نشر روائع الثقافة العربية وقيمها الإنسانية: في عصر التكنولوجيا والمعلومات، الحاجة تزداد لنشر ثقافتنا بمختلف الوسائل والسبل وتعريف الآخرين بها، وإزالة الضباب والتعتيم عن قيمنا الأصيلة. وهذا كله في اللغة العربية الأم الفصيحة.
• الاهتمام على مسيرة التعريب: يقول الأستاذ عمر الدسوقي:" إن اللغة العربية في حاجة إلى نهضة وتجديد وإحياء وتعريب كثير من العلماء، حيث انتشرت الحضارة ووجدوا أنفسهم إزاء آلاف من الكلمات والتعبيرات الأجنبية لا يستطيعون نقلها إلى اللغة العربية". ليس هناك حاجة الى تذكير بأن الفكر لا يتم إلا في لغة ذاتية ولا علم دون لغة تعبير ذاتية. فيتطلب الفكر العربي القراءة والكتابة في اللغة العربية وإلا يصبح ناقصا وغريبا.
قضية التعريب لها مستويات متعددة، منها الجانب القومي لأن اللغة مقوم أساسي من مقومات الوحدة، والجانب التربوي حيث إنه ضرورة حياتية وعلمية لأن المرأ يفهم بلغته الأم أكثر مما يفهم بأي لغة أخرى، وزاوية الأمن الثقافي باعتباره ضرورة لإيقاظ الوعي بالغزو الفكري والتبعية الأجنبية المتزايدة، وناحية الإبداع والإبتكار ضرورة للانتقال من استهلاك الأشياء إلى صنعها ومن ثم منحها الاسم العربي.
• الحفاظ على اللغة العربية الفصحى واهتمامها في كل مجال: قد جاءت العولمة للغة العربية آفة حيث بدأ المثقفون والأكاديميون يستخدمون العامية في الدراسات والندوات والمؤتمرات. وهذا ما أدى الى الانتشار والفوضى اللغوي وتعددية اللهجات في مختلف الدول العربية. فيتطلب الوضع الحالي للغة العربية اللجوء على الفور الى استخدام الفصحى في كل مجال وعلى كل المستوى.
• إغناء المكتبة العربية بالكتب العلمية تأليفا وترجمة، استعدادا لا ستكمال تعريب التعليم العالي بجميع شعبه.
• التعامل بشجاعة حضارية وثقة تامة مع الألسن الأخرى، ومنح اللسان العربي حقه لإظهار عبقريته في احتواء المجالات التكنولوجية والطبية والمعلوماتية وشبكات الانترنت.
وحينما نحن على وشك انتهاء المقالة، نخص بالذكر بأن اللغة العربية دائما واجهت التحديات من أول يومها إلى يومنا هذا، فالتحديات تختلف في شكلها وصورتها، ولكن المواجهة كانت قوية في كل عصر. فكيف لا؟ إذ اللغة العربية بحر في أحشائه الدر كامن:
أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل سألوا الغواص عن صدفاتي؟
أما اليوم، في عصر العولمة ،تقع المسوؤلية على أرباب اللغة ومستخدميها أن يتعلموا من تجارب الأمم المتقدمة لغة وثقافة وأوجدوا سبلا ووسيلة للغة العربية أن تنال مكانتها الحقيقية من خلال التمسك بثوابتهم الثقافية وقيمهم الدينية وشخصيهم القومية وخصائصهم النفسية والإجتماعية حيث لا يمكن اقتلاع جذورهم.
وفي الختام يحلو لي أن أختم مقالتي بكلمات ما قالها الزعيم الهندي الشهير المهاتما غاندي: " لا أريد أن يكون منزلي محاطا بالجدران من جميع الجوانب ونوافذي مسدودة، أريد أن تهب ثقافات كل الأرض بمحاذاة منزلي وبكل حرية، لكني أرفض أن يقتلعني أحد من جذوري".
المصدر
-------------
المراجع والمصادر
1-أمين, جلال. العولمة والتنمية العربية, مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, 1999م .
2- الجندي, أنور. اللغة العربية بين حماتها وخصومها, د. ت. لا يوجد اسم الناشر ولا مكان النشر .
3- الحمود, موضي, العرب والعولمة,مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, 1998م .
4- بكر, السيد يعقوب. العربية لغة عالمية, جامعة الدول العربية, القاهرة, 1966م .
5- بلخوجة, محمد. العولمة والهوية, مطبوعات أكاديمية, المملكة المغربية, الرباط, 1997م .
6- بن سهو, محمد. العولمة, دار البيارق, عمان, 1998م .
7- بوزيد، بومدين، العربية متعبة بأهلها، جريدة الخبر/ الجزائر.
8- بكار، عبد الكريم، العولمة، طبيعتها- وسائلها-تحدياتها- التعامل معها، عمان، دارالاعلام، ط1، 2000م.
9- حلام الجيلاني، اللسان العربي وتحديات العولمة، مجلة المعرفة العدد رقم 451، أبريل 2011.
10- خليل الموسى، اللغة العربية مواجهة وحلول، مجلة المعرفة العدد رقم 579، ديسمبر 2011.
11- د. سليمان ابراهيم العسكري، لغتنا وتحديات العصر الثقافة المعاصرة، مجلة العربي، العدد:656، يوليو، 2013.
12- عقله فرسان/ثقافة العولمة، الأسبوع الأدبي، سوريا، عدد 5/5/1998.
13- عمردسوقي، في الأدب الحديث، دارالفكر العربي، الطبعة السادسة.
14- محمود عابد الجابري، العولمة في الساحة الفكرية الراهنة، جريدة الرأي، عدد مارس 1999م/ وهران الجزائر.
15- محمد رفعت زنجبير، التحديات التي تواجه اللغة العربية في العصر الحديث، الألوكة.
16- محمود أحمد السيد، اللغة العربية وتحديات العصر،2008.
17- نجيب الغزاوي، العولمة والخطر على الهوية والكيان، مجلة المعرفة العدد رقم 433، أكتوبر 1999.