سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.

120-الأستاذ الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح – رحمه الله- رئيس مجمع اللغة العربية الجزائري، وعضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ورأيه طغيان العامية في الخطاب الإذاعي والتليفزيوني، وسبب ذلك:
يكثر المذيعون من استعمال العامية وكذلك المنشطون في خطاباتهم. ونستثني من ذلك في الغالب نشرات الأخبار. يكثر ذلك بصفة خاصة في الحصص التي موضوعها الترفيه أو التسلية. وقد طغت أيضًا العامية على الفصحى في كل حصة يكون موضوعها تبادل الآراء أو الخبرة على شكل "استجواب" أو مجرد إجراء حديث. ويتعجب أكثر الناس من طغيان العامية في هذه الحصص الأخيرة إذ قد يكون مستواها عاليًا. وكل هذه الظواهر هي، في الحقيقة، جدّ طبيعية؛ لأن المنطوق المتبادل بين اثنين على الأقل يقتضي أن يلجأ إلى جانب من الاستعمال اللغوي يتصف بالخفة والاقتصاد أي بشيء كبير من العفوية؛ ولا سبيل إلى العثور عليه في العربية التي يتعلمها الناس في المدرسة.
ويجهل الكثير من الناس أن للعربية الفصحى مستوى عفويًّا مثل جميع اللغات الحية، وأن العرب السليقيين كانوا يتخاطبون في حاجاتهم اليومية مثل ما يتخاطب الفرنسيون والإنجليز؛ أي بلفظ سهل لا تكلف في تأديته. وهي اللغة التي وصفها القدامى الذين استمعوا إليهم ودوّنوا كلامهم. وقُرئ بها القرآن، وذلك مثل ما رُوي عن أبي عمرو بن العلاء من اختلاس للحركات والاختزال والحذف والإدغام.
أما في زماننا – ومنذ أقدم العصور – فقد صارت العربية تُكتسب بالتلقين. والتلقين من عادته أن يهمل الخفيف من الأداء؛ لأن صاحبه يريد أن تعطى عناصر اللغة حقّها أي أن تحقيق مخارج الحروف، وأن تبيّن ( إلى حد المبالغة أحيانًا) حركات الإعراب التي قد سقطت من العامية فابتعدت الفصحى في مستواها التخاطبي عن الأداء العفوي، إذ حافظت العامية على الخفة لأنها لغة تخاطب فقط على الرغم من وجود قراءة قرآنية بهذا النوع من الأداء الخفيف؛ وذلك لاندثار درس القراءات في التعليم (ووجودها عند الاختصاصيين فقط وهم قلة).
وصارت الفصحى مبتورة من مستواها العفوي، ولا يمكن أن نقول إنها كانت على هذه الحال التي نعرفها اليوم فقط حتى في زمان السليقة؛ إذ كانت اللهجات العربية هي لغة التخاطب. والحق أن ما كان يُسمى بلغات العرب – وهي كيفيات في تأديتهم لعنصر واحد من عناصر اللغة– كانت توجد بالفعل في صميم الفصحى وكانت جزءًا منها، فالكثير من القراءات القرآنية كانت لغات، ويوجد في الشعر الفصيح الكثير من اللغات أي الكثير من التنوع في تأدية وحدة لغوية معينة. وكان للعربية الفصحى التي نزل بها القرآن هذا المستوى العفوي، وإلا فكيف نفسّر هذه الكثرة الكاثرة من أمثلة الاختزال والاختلاس والحذف – في الأداء والتراكيب – التي ذكرها سيبويه في كتابه ولم تُنسب في أكثرها إلى إقليم أو قبيلة؟ إنما الذي يُنسب إلى القبائل هو غالبًا أداء مختلف عن الأكثر أو مساوٍ له ولا يتصف غالبًا بالاختزال والتخفيف.
فالذي منع الناس والمنشطين في الإعلام من تجنب الفصحى الملقنة بالمدرسة هو عدم توفر الفصحى التي تعلموها على ما تتصف في لغة التخاطب العادي من الخفة في الأداء ومن الصيغ والتراكيب المأنوسة فيلجأون إلى العامية، أو يخلطون بينها وبين الفصحى، ويميلون أحيانًا كثيرة وبكيفية عفوية إلى الاختلاس والاختزال كما كان ذلك موجودًا في الفصحى العفوية. فكأن التجاءهم إلى العامية أو هذا المزيج يريحهم من تكلف اللغة غير العفوية، وهو أمر طبيعي، ولكن الذي ليس بطبيعي هو أن يجهل أو يتجاهل أهل الاختصاص هذه الحقائق، وأخطر من هذا أن يعتقد أن العامية – أي اللغة الملحونة – لا مناص منها لاتصافها بالخفة، وأنها اللغة الوحيدة التي يتخاطب بها الناس في حاجاتهم اليومية فيأتي بعض العلماء فيبرّر ذلك بقول المستشرقين أن الفصحى " لم تكن في يوم من الأيام إلا لغة أدبية مشتركة". وهذا كله مغاير للحقيقة؛ وبالتالي ظلم للعربية.
المصدر: تأثير الإعلام المسموع في اللغة وكيفية استثماره لصالح العربية، بحث مقدم لمؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته السابعة والستين، مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، العدد 94، ص 30- 33
إعداد: د.مصطفى يوسف