في قصة نبي الله نوح، عليه السلام، جاءت مفردتان وحيدتان في القرءان الكريم. جاءت مفردة أراذل في موضع سورة هود من قوله تعالى: "وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ"، وجاءت المفردة الثانية أرذلون في موضع سورة الشعراء من قوله تعالى: "قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ".
والسؤال:
ما وجه المناسبة في المجيء بالجمع المكسر أراذل في هود، وجمع السلامة الأرذلون في الشعراء؟
أراذل على أفاعل، وهي من صيغ منتهى الجموع التي تفيد المبالغة في الوصول إلى حد نهاية الكثرة من الشيء، وأرذلون على أفعلون، وهي جمع سلامة، ويعامل معاملة جموع القلة في الغالب.
أراذل تأتي من أفعل بشقيها: الوصفية والعلمية، من الوصف كأحسن وأكبر، على أحاسن وأكابر ونحوه، ومن العلمية كأبطح وأرمل على أباطح وأرامل ونحوه.
*
وجاء القرءان بالمفرد: أرذل في مثل قوله تعالى: "وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ" في الحج والنحل.
أراذل وأرذلون كلاهما جمع أرذل على أفعل وذلك على المشهور من الأقوال.
*
ويبدو أن الإتيان بصيغة منتهى الجموع أراذل في هود مناسبة لذكر الملأ؛ ولهذا هم نسبوا الأراذل إليهم، وهم كثرة كاثرة، وهؤلاء حواشيهم وأتباعهم: "﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾" الآية (27)وأنهم أرادوا كثرتهم هم من حيث أرادوا كثرة الأراذل لهم. فلما لم ينسبوهم إليهم، ولم يجرِ ذكر للملأ في الشعراء؛ أتوا به على الأصل أرذلون؛ ليفيد قلة هؤلاء الأتباع زيادة في تحقير شأنهم، أي: أقل شأنا، وأقل عددا: "﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾" الآية (111)، وجمعوا بين قلة الشأن وقلة العدد.
*
ونلمح دقة القرءان في اختيار المفردة وحسن توظيفها بحسب السياق الواردة فيه، والدلالة الجامعة في أراذل وأرذلون واحدة من حيث المعنى، والله أعلم.