صناعة تعليم اللغات: لمحة تاريخية وملاحظات ميدانية حول تعليم اللغة العربية
عبدالكريم بن مسعود جيدور
مدخل:
يهدف هذا البحث إلى التعريف بحركة تعليم اللغات، التي تطورت وازدهرت وحققت الكثير من النتائج والتطبيقات الفعالة والجيدة، والبلدان العربية لا بد أن تستفيد من كل هذه الجهود العلمية الممتازة، ولا بأس أيضا من أن نربط بين الجيد والنافع من هذه النظريات مع الجيد والنافع من أفكار وآراء علمائنا ومفكرينا العرب قديما وحديثا.
إن الاهتمام بالتعليم والتعلم وطرق نقل العلم واللغة قد شغف به الإنسان منذ أقدم العصور؛ المفكرون والعلماء والمربون الكبار وخاصة الرسل والأنبياء والمصلحون كانت لهم جميعا تعاليم وأفكار هامة جدا في هذا المضمار.
أما الحركة المعاصرة المسماة: صناعة تدريس اللغات [1] (Didactique du Langues) فهي الحركة العملاقة التي تنمو وتزدهر بصورة مطردة وخاصة في أكبر البلدان وأكثرها تطورا، وقد استفادت هذه الحركة من عوامل كثيرة أثرتها وقوّت تأثيرها أهمها:
1- الثورة التكنولوجية والمعلوماتية والعلمية.
2- الدعم الرسمي السخي بشكل لم يعرف له مثيل من قبل في تاريخ البشرية.
3- ثورة الاتصالات والمواصلات والنمو الاقتصادي والسكاني والضرورات القصوى للسفر والانتقال عبر العالم.
4- ثورة العلوم اللغوية في اللسانيات ونظرياتها.
2- ظهور وتطور علم تدريس اللغات في أوربا وأمريكا:
إن الحركة العلمية المعروفة بصناعة تدريس اللغات هي حركة مركبة كما أشرنا من قبل، امتزجت في إنتاجها العديد من العوامل العلمية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية جعلتها تغير النظرة إلى التعليم ومهنة التدريس حتى تحول هذا الميدان من هواية إلى حرفة وصناعة متقنة تنفق عليها الدول مخصصات مالية عالية جدا نظرا لظهور ثمارها الواضحة والفعالة على مسيرة التنمية والترقية الشاملة.
انطلقت حركة الإصلاح اللغوي الحديثة –كما يرى المؤرخون لهذا الميدان[2]- في أوربا من خلال النقد الشديد الذي وجهه المربون للمنهجية التعليمية التي كانت سائدة في زمانهم (نهاية ق19 وبداية ق20)، وأهم ما أزعجهم في هذه المنهجية أنها تضع عبء التدريس كله على المدرس وتترك المتعلم في حال منعزلة متلقيا لكل ما يلقى إليه من التعليمات مع مساهمة شبه منعدمة في التعلم، وهذه هي الطريقة التي كان يتم بها تدريس اللغات في أوربا وكذلك ما يسمى باللغات الأدبية: اللاتينية واليونانية التي كانت مفروضة على المتعلم الأوربي وحتى الأمريكي في تلك الفترة لأنها لغة الكتب الدينية بالنسبة للأغلبية المسيحية.
نتج عن هذه الانتقادات ما يسمى بالطرق النشيطة [3] (Active methods) تركزت على تقليل سيطرة المدرس وزيادة مشاركة الطالب وطبقت أيضا على تعليم اللغات الأجنبية
بطبيعة الحال هذا التعديل الهام لم يحل كل المشاكل، وبقي تعليم اللغات يعاني الكثير من الجمود لأن جوهر المنهجية لم يتغير: المضمون هو النصوص الأدبية العتيقة والطريقة مرتكزة على القواعد.
التكنولوجيا المتطورة ليست العامل الحاسم في نجاح التعليم.
• مكتوب على اللوح: تابعوني وسوف أفهم؟!!
• في ختام المحاضرة يقول الأستاذ: المحاضرة التي ألقيتها عليكم متوفرة في الأنترنت؟؟؟
ظهرت بعد ذلك الطرق المباشرة[4] Direct methods) وكان أول ظهورها بعد ح ع2 عندما اصطدم الجيش الأمريكي بالذات بصعوبات كبيرة في التعامل مع الشعوب التي كانوا يوجدون في أراضيها، وطبق الجيش الأمريكي أول وأهم الإجراءات الفعالة وهو المعروف بالبرنامج التدريبي العسكري الخاص [5] ASTP الذي كان نواة تطور هذا الميدان، فطلب من علماء اللسان والتربية المشهورين في ذلك الزمان؛ أمثال بلومفيلد وهيمس، وكذلك تشومسكي بعد ذلك، أن يضعوا طريقة تمكن الجنود من الحوار المباشر مع الشعوب التي يتصلون بها، وبذلت جهود علمية محترمة جدا وتم تطوير هذه الطرق المباشرة وحققت نجاحا كبيرا لأن الدافع والحافز كان قويا.
انتشرت هذه الطريقة عبر العالم، وكل التطورات التي جاءت من بعدها هي امتداد لها، وقد تطورت هذه الطريقة كثيرا من خلال الجهود العلمية الرائعة والتجريبية خاصة في أمريكا من طرف علماء النفس والتربية وظهرت الطرق السمعية الشفوية والسمعية البصرية (Audio lingual/ Audio Visual)، ووصلنا اليوم إلى ما يسمى باللسانيات التطبيقية (Applied Linguistics) التي كانت خاصة بتعليم اللغات (******** Teaching) ثم تطورت هي أيضا وتنوعت تطبيقاتها إلى ميادين أخرى[6]، فأصبح تعليم اللغات فرعا من فروعها.
3- أهم نتائج البحوث العلمية الجارية في اللسانيات التطبيقية وتعليم اللغات:
1-3- محتوى التعليم وطرق التعليم: ماذا نعلم؟ وكيف نعلم؟
هذان سؤالان مختلفان حقا، ولذلك يفضل الخبراء في هذا الميدان التمييز بين البحوث الرامية إلى ضبط المحتوى التعليمي للغة من اللغات؛ من حيث المفردات والقواعد والتمارين وطرق القياس والتقويم، وغير ذلك من بحوث وتحليلات المحتوى التي يختص بها الفرع الذي سميناه: اللسانيات التطبيقية (Applied Linguistics). والنوع الآخر من البحوث يختص في بحث طرق ومناهج توصيل وتدريس هذه المادة اللغوية، ويسميه الاختصاصيون: المنهجية (Methodology) أو منهجية التدريس (Teaching Methodology).
وهذا التمييز مفيد، في رأيي، وهو اتجاه جمهور الباحثين المشتغلين في هذا الميدان، وفائدته الرئيسية أنه يمنح الفرصة للباحث لكي يتغلغل في ثنايا ميدانه ويتحكم في أدق جزئياته وتفاصيله.
ومع ذلك فإن فكرة الفصل التام الحاسم بين الفرعين (التي ينادي بها بعض الخبراء) ليست مجدية، لأن الترابط والتلاحم بينهما كبير جدا، وهما في الأصل قضية واحدة[7]، وكل المربين في حاجة إلى كلا النوعين من المعلومات ليقوموا بتدريس فعال، والباحثون هنا وهناك هم أيضا في حاجة ماسة إلى الاطلاع السريع والآني على جهود ونتائج كل منهم (البحث في المضمون لا ينتج تدريسا فعالا، والبحث في منهجية التدريس لا يجدي مع مضمون رديء).
كل هذه الأفكار وغيرها تقود خطى الباحثين والعلماء في كلا الفرعين (اللسانيات التطبيقية ومنهجية التدريس) للاقتناع بأن البحث ينبغي أن يركز على طرق تحسين وتطوير هذه الممارسة عند المتعلم (من خلال تعديد الوسائط وتنويع البرامج وتكييف المحتوى مع حاجات المتعلم وإدراج الحوارات والمحادثات الواقعية وتدريب المتعلم على تطوير تفكيره الخاص في طريقة التعلم أو استراتيجيات التعلم الذاتي وغير ذلك كثير من الأفكار الجيدة والنافعة فتحتها هذه البحوث، وسنأتي على ذكر أهمها فيما يلي
2-3- الأهمية والأولوية القصوى للجانب الشفوي من اللغة:
(اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم)[8] كلمة خفيفة المبنى عظيمة المعنى حررها الإمام أبو عثمان ابن جني قبل قرون عديدة، ومن العجيب أن كل خبراء التعليم في أيامنا هذه لا يملون من الحديث عما يسمونه أهمية المشافهة وأسبقيتها الحاسمة على كل المهارات الأخرى، ويجسد هذا الحماس والاندفاع عند الخبراء الغربيين الأوصاف التي يطلقونها على هذه المهارة: سيدة المهارات، ملكة المهارات، المهارة الأم[9]، وغير ذلك كثير، أما نحن العرب والمسلمون فلا يشكل الأمر عندنا كشفا علميا عظيما لأنه قديم وأصيل، نظره علماؤنا بعبقرية (كما رأينا في قول ابن جني) وجوهر ثقافتنا مبني على السماع والمشافهة.
لكن الذي يفضلنا فيه الغربيون من الخبراء في أيامنا هو الانتقال السريع من النظرية إلى التطبيق، وقد افلحوا ونجحوا في استثمار فكرة أسبقية المشافهة إلى حد بعيد جدا، وخاصة في تعليم الأجانب.
إن المخاطبات اليومية هي جوهر الاستعمال اللغوي، وتبدو الكتابة أمامها قطرة من بحر، هذا أولا، ثم إن مضمون هذه المحادثات هو اللغة اليومية الخفيفة وليس اللغة الأدبية العالية، وفي التعليم نحن لا نريد أن نخرج بطلا في الإنشاء والقراءة والأداء الخطابي الجليل ثم يكون بعد ذلك فاشلاً بكل المقاييس في حياته اليومية والاجتماعية حتى انه لا يستطيع أن يقضي اخص حاجاته التواصلية مع غيره من الناس، فاللغة الحية الفاعلة والمتفاعلة هي لغة كل مرافق الحياة، ومن باب أولى أنها لغة المرافق اليومية والأكثر ارتباطا والتصاقا بحياة الناس ومشاعرهم وحركتهم اليومية العادية.
لقد لاحظ الخبراء أن الطرق السابقة كانت تركز كل التركيز على لغة التحرير وتثقل المضمون بالحوارات والنصوص التراثية الغنية بلغة الأدب والحكمة، وهذا جيد ولا غبار عليه، لكنها تترك المتعلم و( خاصة الأجنبي) في انعزال وتقوقع خطير لأنه لم يتمكن من تنمية ادني قدر من المهارات الشفوية ولم يمتلك أي قدرة على استعمال اللغة اليومية العادية.
ولا نقصد باليومية أو العادية العاميات العربية، بل نقصد المستوى الذي كان يمثل العامية في الفصحى أيام ازدهارها، وهو الذي يسميه العلماء: الخفة والتوسع، لأن اللغة العربية في أيام سؤددها وحيويتها خلال القرون الأولى الخيرة، كان لها مستويات من الأداء ينتقل بينها المتكلم صعودا ونزولا دون شعور منه غالبا (نتيجة إحكامه إياها) وهي: اللغة الرسمية الإجلالية (يستعملها العلماء والخطباء والخلفاء وكل متكلم في موضع وحال لا يليق أن يبتذل أو يستخف) واللغة المرسلة الخفيفة أو الواسعة، تستعمل في كل حال يخلو من الانقباض والحرج والرسمية، وهي لغة المعاملات في الأسواق والنوادي والبيوت وغير ذلك)[10].
3-3- مفهوم الانغماس اللغوي:
وبعض الخبراء يسميه: الحمام اللغوي، وهو قائم على ملاحظة وجيهة أجمع عليها كثير من الخبراء المعاصرين (ونوه بها علماء العرب النوابغ كعادتهم من أمثال الجاحظ وابن خلدون) وهي أن اللغة لها بيئة ووسط خاص تنمو فيه وتتطور بشكل سلس ومطرد، كلما زادت معطيات هذا الوسط توفرا من حول المتعلم زادت احتمالات ظهور الملكة اللغوية عنده وزادت معها احتمالات انتعاشها وتطورها، ويلخص الخبراء وصف هذا الوسط بكلمة عامة عندما يقولون ب-أنه الوسط الذي لا يسمع فيه همس ولا صوت ولا لغو إلا باللغة المطلوب تعلمها، فيكون المتعلم كالمغمور أو المغموس في حمام من لغة وأصوات وهذا تصوير قريب ولا يخلو من الابتكار.
وقد اثبت الخبراء أن وجود المتعلم في هذا الحمام اللغوي زيادة على إجراءات التخطيط والتدريب التربوية الملائمة تجعله يتمكن من إحكام المهارة اللغوية الكافية اتصاليا.
في ظرف يعد وجيزا (لا يتجاوز 6 أشهر كمرحلة أولى).
وقد طبقت هذه الطريق على الطلاب المبتعثين فآتت أكلها وأثبتت أنها الطريقة الوحيدة لتعليم اللغة خاصة في مثل هذه الظروف الخاصة (و قد اقتنع المسؤولون في أوربا وأمريكا وبقية بلدان العالم كاليابان والصين بهذا المنظور وهم يدعمونه تطبيقيا وعلى مستوى زيادة وتعميق البحوث، وطبقت هذه الإجراءات بشكل متقطع وغير منتظم في بعض الدول العربية وكان المشكل الأكبر أن المسؤولين لم يقتنعوا بها.
النتيجة أننا أمام ثلاثة عناصر أو مبادئ رئيسية تقوم عليها نظرية التعليم الخاص باللغات (و هي المبادئ التي ارتكزت عليها بشكل خاص الطرق المباشرة Direct Methodes).
1- أسبقية وأولوية المشافهة.
2- الانغماس اللغوي=عدم استعمال اللغة الام مطلقا+عدم استعمال الترجمة مطلقا (من اجل ترسيخ الملكة حسب هذا المنظور).
3- التركيز على تعليم المفردات (Vocabulary) ويتجلى ذلك من خلال تصنيف ما يسمى بمحاور الاهتمام (Attention centers).
4-3- تأثير البحوث في ميدان اللسانيات البنوية وعلم النفس السلوكي:
ذكرنا من قبل بأن ظهور الطرق المباشرة (Direct methods) وتطورها بعد ذلك إلى الطرق السمعية الشفوية نتج عن جهود علمية مكثفة اندمجت فيها خبرة اللغويين من أمثال بلومفيلد، والنفسانيين من أمثال سكينر، وقد بنيت الطريقة السمعية الشفوية على النظرية القرائنية من جهة (وبعض التراجمة يسميها التوزيعية) وهي نظرية بلومفيلد وأتباعه، وعلى نظرية التكيف القائمة على مفهوم المثير والاستجابة وهي نظرية سكينر. وأضافت إليهما إيجابيات الطرق المباشرة التي ذكرناها وخاصة: الرجوع إلى لغة التخاطب وتسبيق المشافهة وضرورة الانغماس اللغوي التام.
وأدخل أتباع الطريقة الشفوية مفهوما جديدا في تدريس اللغات وهو ما يسمى: النماذج القياسية (patterns) ويمثل النمط من الجمل والمفردات الذي ينبغي أن يركب المتعلم على منواله، وتم ربط هذه النماذج بتعليمات المعلم (كمثيرات) والاستجابات الآلية للطلاب، واقترحوا نماذج لهذا النمط الآلي سميت بالتمارين البنوية (Exercices Structureux/ Structural Drilles)، وأداهم تركيزهم الشديد على الآلية، وإيمانهم بفكرة التكيف، إلى تقسيم الصعوبات التعليمية داخل تلك التمارين إلى أقصى حد ممكن، وقد نجحوا في ذلك أيما نجاح.
وتفطن أتباع الطريقة الشفوية إلى أهمية المقارنة اللغوية، وخاصة في تعليم اللغات الأجنبية، فكانوا أول من اقترح البحوث المقارنة والتقابلية (Contrastive linguistics) وبحوث تحليل الأخطاء، وهي بحوث مفيدة جدا، وخاصة لبرامج تعليم اللغة الأجنبية، لأن هذا التحليل التقابلي يوفر للمدرب المادة اللغوية التي تكون قريبة ومأنوسة عند المتعلم فيبدأ بها فلا تكون غريبة عند المتعلم، وكذلك الأمر في بحوث تحليل الأخطاء، فإنها توفر للمدرب قوائم الأخطاء الشائعة والمتكررة عند الطلاب فيعمل على تفاديها بالطرق المناسبة.
فالذي يهمنا وينبغي أن نتذكره دائما، أن الطرق والمناهج العلمية لا تلغى كليا، لأنها لو كانت كذلك لم تكن مناهج ولا يصح إطلاق صفة العلم عليها، ولكن نقول: إن الطرق المعتبرة والمؤسسة على قواعد علمية سليمة يدخل عليها كل مدة من الزمان تعديلات وربما تحسينات وتطويرات، وقد يقترح الناس مصطلحات وأسماء جديدة لكنهم لا يلغون الثابت الصحيح من الأفكار السابقة عليهم.
وينطبق هذا الأمر على الطريقة السمعية الشفوية، وذلك لأنها بنُيت على فوائد وإيجابيات الطرق المباشرة، والطرق التي جاءت بعدها بنيت على فوائدها، وأهم هذه الفوائد: فكرة تقسيم الصعوبات إلى أقصى قدر ممكن، وفكرة التدرج والمرحلية، وفكرة التمارين البنوية.
5-3- الاهتمام بحال الخطاب (المقام والسياق) والمتكلم:
رأينا أن الباحثين في الولايات المتحدة قد طوروا الطريقة السمعية الشفوية على قاعدة التكيف السلوكي وتقسيم الصعوبات إلى أقصى درجة ممكنة، وكانت رؤيتهم لعملية اكتساب اللغة آلية أو قريبة من ذلك كثيرا.
أما الباحثون في أوربا، وخاصة في المملكة المتحدة، فقد لاحظوا الأهمية القصوى للعوامل السياقية، أو حال الخطاب ومقامه، كما يعبر علماؤنا القدامى، وهي عبارة عن مجموعة العناصر السمعية والبصرية (الحسية عموما) التي تكتنف الخطاب وتساعد كلا من المتخاطبين على التفاهم، وأكدت البحوث الميدانية لفيرث وهاليداي وغيرهم، الدور الكبير الذي تلعبه هذه الأحوال في اكتساب اللغة عموما وخاصة اللغة الثانية.
نتائج الدراسات أظهرت تشابها بين ظروف تعلم كل من المواطن المغترب والطفل الصغير، كلاهما مضطر للتعامل الدائم في كل وقت وحال بلغة لا يتقنها، وأكبر عامل يساعده على التعلم هو وجوده العفوي والمستمر في أوضاع تكثر فيها القرائن الحسية التي تساعده كثيرا على فهم الخطاب.
وبناء على هذه الملاحظات الوجيهة ركز أتباع هذا الاتجاه بحوثهم على تعزيز الإدراك الحسي وخاصة السمعي والبصري، وطوروا طريقة جديدة تراعي هذا الاندماج بين الحواس عرفت بالطريقة السمعية البصرية.
لقيت الطريقة السمعية البصرية حظا كبيرا من الرواج، وما زالت معتمدة حتى يومنا هذا، ومن أبرز العلماء الذين نشروها الخبير اليوغسلافي كوبيرنا الذي ابتكر ما يسمى بالطريقة البنوية الشاملة: السمعية البصرية (Structuro-Global Audio-Visual/ SGAV) وساعده في ذلك الخبير الفرنسي ريفانيك، وقد تميزت هذه الطريقة بمجموعة ممتازة من المزايا جعلتها واحدة من أحسن الطرق خاصة من حيث أساسها العلمي النظري والتطبيقي، وأهممها ما يلي:
1- الاختيار الدقيق للمادة اللغوية (المفردات والقواعد) باعتماد الرصيد اللغوي المجموع بطريقة الجرد الميداني الواسع مع الأخذ في الحسبان معدلات تواتر وشيوع العناصر اللغوية كما تم إحصاؤها في لغة الاستعمال. وقد اجتهد العلماء في أوربا للإسراع في إنجاز الرصيد اللغوي للغاتهم بأفضل الطرق، وتم ذلك بالنسبة لكل اللغات، وأدمج هذا الرصيد في برامج حاسوبية عالية الفعالية قدمت لمصممي البرامج التعليمية فوائد عظيمة جدا.