بعد ذلك ندخل في الوظيفة الثالثة التي نود تحليلها (اللباس = الليل = الظلمات، وقياسا على الخفاء، الخيال، الحيرة، والتردد، والخوف. وبذلك يمكننا أن ندخل في قيمة الوظيفة الرمزية الرابعة ( [ الشعرية] )، أي العلاقة بين الخطاب (الرسالة) وذاته. وهي وظيفة جمالية أنشأها الأدب والفن.
وفي مثالنا هذا: (الأدب المقدس) بوصفه خطابا وموضوعا في ذات الوقت فهي لا تتجاوز العلامات المباشرة التي تستند إليها، وتحمل دلالتها الخاصة. فترجع بذلك إلى رمزية خاصة هي النمنمة، أو الزخرفة. وثبات الدال والترميز والكتب السماوية من حيث مبناها المادي غنية بهذا الترميز. وسنعرض عليكم بعضها تاركين لقرائنا الكرام حرية تذوقها، والحكم لها أو عليها. والمعطيات القرآنية حافلة في هذا الموضوع. قال تعالى : " وَهُوَ اللهُ الِّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا، وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوزًا.." الفرقان /25-47.
وقال تعالى : " وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا.." النبأ / 78-10.
وقال تعالى : " وَلاَ تُلْبِسُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ، وَتَكْتُمُوا الحَقَّ وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.."البقرة 20/42.
وقال تعالى : " ألا حِينَ يَسْتَغْشَوْنَ ثِيَّابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُوِر.." هود 11/5.
وقال تعالى : "فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ" النحل: 16/112. ونفس القيم الرمزية نجدها في المقاطع التالية من التوراة (العهد القديم السامي).
أما العهد الجديد فهو حافل بالتعابير اليونانية.
- " لتكن عليه كثوب يكتسبه، وكمنطقة ينطق بها في كل حين" المزمور 102/19.
- " ويلبس اللعنة كقميص له، وتدخل في أحشائه كالماء، وفي عظامه كالزيت "
المزمور108/18.
وفي الأدب الآشوري أمثلة كثيرة من ذلك تعبر عن نفس الفكرة.
( لــقـد لبــست لبــاس الخــــوف ).
( وألبسهم لباس الخوف )
( والتحفت بالمقاومة، ولبست ثياب الرعب ).
ومن المفيد جدا في أي دراسة مقارنة افقه اللغة الدينية أن نلاحظ وجود سلسلة من الكلمات الأساسية التي تكاد تتعلق دائما بنفس المعنى، أي أن الإلوهية لا تتغير بحال من الأحوال، وفي البيئة السامية نلاحظ انتقال الأفكار، بل والتعابير الصالحة عقب عملية فك الرموز بواسطة الوظيفة السادسة ( ألما وراء اللغوية ).
والاعتقاد السائد هو أن ذلك قد يكون مفيدا لفهم أفكارنا المتبادلة، أفكار قد تكون لها أصل مشترك (في مجال فقه اللغة على الأقل) والرسالة الرمزية الرابعة للثياب في اللغات السامية هي السلطة باعتبار اللباس = السلطة.
ولنأخذ أولا تاريخ الشعوب العربية القديم فماذا نجد؟
تجد أن الخليفة " يرتدي " رداء السلطة. وعندما تنتهي إمامته يخلع رداءه. ولدينا كلمات كثيرة في هذا المعنى:ارْتَدَى – اجتبى – لبــس. ونحن نعلم فيما يتعلق بالقرآن الكريم، وبحياة محمد صلى الله عليه وسلم. أن بردة الرسول عليه السلام كانت شعار الخلافة.
كما نعثر على آثار لاستعمال كلمة "لباس" عند البابليين ومنها :
( ALbAsusabus (
- لباس ربو بيته ( Malbusasus ( = السلطة = أو القدرة.
ويمكننا أن ندخل ميدانا على جانب من الأهمية بمكان ميدانا نختم به هذا العمل. وأعني به اللباس = القدسية.
وقد طلب معاوية قبل أن توافيه المنية بأن يكسي ببردة النبي صلى الله عليه وسلم. وكأنه بذلك يرجو شفاعة النبي صل الله عليه وسلم عند الله تعالى.
كما كان الخليفة المقتدر يضع على كتفيه، وصدره، وفوق ظهره بردة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعندما خفّض الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه من جزية زوجة النبي صلى الله عليه وسلم السيدة عائشة أم المؤمنين، توجهت هذه الأخيرة إلى المسجد وصاحت بقوة وهي تقول: " أيها المؤمنون : هذا رداء النبي، لم يتغير ولكن عثمان غير سنة صاحبه.. " كما يعد التمسح بثياب مشايخ الطرفية لدى بعض الطرفيين بمثابة الحصول إما على القداسـة، وإما على سلامة الجسـد وشفائه إذا كان مريضا. كما جرت العادة قديما بين البدو حين يداهمهم الخطر، أن يمسك الخائف برداء الرجل متوسلا ضارعا وهو يقول : " جبت لك جاه ربّي "
" أنا تراب تحت رجليك ". ومما ورد كذلك من نصوص الإنجيل: " أن المسيح عليه السلام كان محاطا بأناس يريدون لمس ذيل ردائه. وكانت امرأة مصابة بنزيف منذ اثني عشر عاما... فلما سمعن الناس يتحدثون عن عيسى عليه السلام وهو قادم خلفها لمست رداءه لأنها كانت تقول في نفسها:" لو لمست ثيابه على الأقل لشفيت.. "!
وهنا يتسم باسم خاص له هو : ق + د + س الذي يطابقه في اليونانية لفظ (أغيوث)، وفي اللاتينية لفظتا (Sanctus – Sacher). ومن المؤكد أن هذه الكلمات تتضمن في اللغات الثلاث الخير المطلق.
إذا ما أخذناها في أسمى درجات نموها، ونضجها، وحينئذ نترجمها بكلمة (مقدس Sacré).
هذا إذا آخر درجات السلم النفسي التي نصل إليها: فالكلمات التي تدل على اللباس بالنسبة إلى الشعوب لا سيما أهل الكتاب. وقبل ذلك في أقطار الشعوب السامية. فقد كانت محملة بمدلول ديني راسخ كما لو كانت " حاملة لقيم ربانية ".
ومن المهم جدا تأكيد هذا التعادل الرمزي اللغوي كما سبق وأن وضحنا في مقدمة بحثنا هذا. ذلك أنه من السهل علينا أن نصل بفضل التاريخ المقارن للغات
و الدلالات إلى نتيجة عامة مفادها: " إن الفكر كان هو المسيطر دائما على المادة لدى شعوبنا السامية. وقد مُنِحْنا دائما مبادئ الدين التي توجد بيننا كإخوة أهمية كبيرة ولائقة. كما أنه بإمكاننا أن نواصل في دراسة، وتحليل النظائر الرمزية اللغوية في موضوع اللباس. ولكن نرفض دراسات، أو بحوث في هذا المجال. على أنه أضحى من اللائق أن نذكر بعض المواضيع باعتبارها سبيلا تمهيديا للبحث الفيل ولوجي : أي دراسة الظواهر اللغوية في نفس الموضوع. وبعد ذلك نعمد إلى استخلاص نتائج: (لبست بالضرورة نتائج قطعية يقينية، بل كتوقعات، أو فرضيات للعمل إذا شئتم). ومن بين النظائر الرمزية اللغوية في اللغات السامية لكلمات لبـاس: نذكر على سبيل المثال لا الحصر:
- الامتثال والطاعة – الحياء – الطهر – مخافة الله تعالى.
- الحماية والغفران – الشفاء والتستر.
- الابتعاد عن رؤى العيـن الحاسـدة الخ...
وخلاصة بحثنا هذا هو أنه لا بد من استخلاص بعض النتائج الصالحة التي يمكنها أن تفيدنا في دراستنا حول القيم الدينية، وبصفة خاصة تلك المتعلقة بكتبنا السماوية : التوراة – ألزبور- الإنجيل – القرآن الكريم- ذلك أن نتائج خلاصة دراستنا هذه تنحصر في نقاط أربعة نوجزها فيما يلي :
1- عن طريق فقه اللغة المقارن (أعطيت مثالا واحد فقط).
يمكننا من استخلاص حقيقة وصدق كتبنا السماوية التي نقلها إليها اللغويون برموز متساوية تقريبا. وفي.
2- أننا نجد أنفسنا أمام رموز (نصوص) الثقافة بعيدة عنا في الزمان، وفي طريقة التعبير. ومن واجبنا نحن الباحثين أن نترك في أعمالنا ذلك الشعور بهذه المسافة المزدوجة الفاصلة. وذلك بتحري الصدق والأمانة في إيرادها.لا فكرة المبلغ (النبي أو الأنبياء) فحسب.بل وذهنيه أيضا. أما في المجال النوعي (كالمجال الديني)، أو في مجال أقل نوعية (كالمجال اللغوي ومجال الفن الشعبي لتلك العصور).
3- الالتزام الكيد بالمحافظة الأمنية على المعطى الأساسي للرسالة الرمزية. لكن ليس هناك ما يمنع من إعطاء تفسير عصري لبعض الموضوعات (في صورة تعليق). أو(ضمن النص) التي قد لا يفهمها المتلقون لها اليوم.
4- علينا إن نتذكر بأن كل ترجمة لنصوص أو رموز قديمة تمثل مقابلة أو مواجهة لا مفر منها بين ثقافتين. لذلك لا بد من العمل وبدراية وانتباه حتى لا ننزلق بالمعنى الأصلي للفكرة الأساسية. ولاسيما إذا كانت فكرة دينية – أن ما نردده من أن " المترجم خائن " ما يزال صادقا إلى اليوم. أي أن (الترجمة تحريف). وخير لنا أن نضحي ببعض التوضيحات اللغوية من أن نحرف كلمة الله تعالى التي بلغنا إياها الأنبياء.
المــــراجـــــــع
1ـ القــرآن الكــريـــــــم.
2ـ دي سوسير.ف – دروس في علم اللغة العام – تقديم وترجمة وتعليق. دي توليك – 3ـ دي مورو – ص.25/26 – 1974 - باري.
4ـ بويسـانس – اللغات في الكلام – بحث في علم اللغة الوظيفي في إطار السيميولوجيا – 1943 – بروكــــسل.
5ـ جيرو – ب . السيميولوجيا – ص.09 إلى 13 – الفصل I – الوظائف والوسائط – 1973 – باريس.
6ـ فآرينا. ج . القواعد النحوية للغة المصرية القديمة – 1927م.
7ـ شويمي . م – الفعل في القرآن – 1916 – باريــــس.
8ـ التوراة – الترجمة العربية – ط / بيــروت – 1951م.
9ـ غابر بالي – ترجمة قصيدة لبردى للبوصيري – ط.II- 1972 – روما.
10ـ المسعودي – ملابس الشعوب السامية – ص 61/204 – باريـــس.
11ـ بلاسيـوس .ل – القواعد النحوية للغة الآشورية – 1971 – روما.
12ـ ويليام جيمس – اليكولوجيا – ص292 – المجلد I – 1929 نيويورك.
13ـ أنجيل القدس – المقدس – 1955 – باريــــس.
14ـ انكليز. ك – تاريخ بابل و آشور – ص 164 وما بعدها -1965- لندن.
15ـ الطبري – ج/II – ص 201.
16ـ شاتيلييه – الطريقة الإسلامية – ص 336-1930 – باريس.
17ـ برتون. ش- ألف ليلة وليلة – التعليق 61-9440 لندن.
18ـ إنجيل مرقص – 5- 28.(مترجم إلى العربية).
19ـ لكليرك. هـ - " برانديوم " في معجم علم الآثار المسيحية والطقوس- المجموعة 1132/1138 – 1907 – باريــس.
المصدر